وَلما تسلم السُّلْطَان مَدِينَة آمد نصب على سورها أَعْلَامه أول يَوْم فتحهَا وَذَلِكَ فِي الْعشْر الأول من الْمحرم من السّنة الْمَذْكُورَة وَأمر بتسليمها إِلَى نور الدّين مُحَمَّد بن قرا أرسلان وَكتب لَهُ بهَا وبأعمالها تقليدا وَكَانَ قد سبق لَهُ مِنْهُ الْوَعْد بذلك فتسلمها بِمَا فِيهَا من الذَّخَائِر من الْأَمْتِعَة والأسلحة وآلات الحروب وأجناس الغلات والحبوب مَا لَا يحصره الْعدَد وَسلم إِلَيْهِ دساتير المخازن سائرها
وَكَانَ فِي الْمَدِينَة برج يحتوي على ثَمَانِينَ ألف شمعة فَقيل للسُّلْطَان هَذِه آمد فِيهَا ذخائر تربى قيمتهَا على ألف ألف دِينَار وَمَا دخلت عِنْد الْوَعْد بآمد فِي شَرط وَلَا قَرَار فَخذهَا لمهامك وَنور الدّين مُحَمَّد بن قرا أرسلان يقنع بآمد فارغة فَقَالَ صَلَاح الدّين لَا سَبِيل إِلَى أَخذ شَيْء من ذَلِك فَإِن نور الدّين صَار من أشياعنا وأصحابنا وَلَا نضن عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْأَشْيَاء وهبنا أَنا وهبنا لَهُ الأَصْل وبخلنا عَلَيْهِ بالفرع فَمَا يَلِيق ذَلِك بكرمنا
[ ١٣٨ ]
فَذكر لنا أَنه بَاعَ من ذخائرها من الغلات والحبوب والفرش المستعملات الآمدية والبسط والخيام سبع سِنِين وَإِنَّمَا ذكرنَا ذَلِك ليعلم أَن الدُّنْيَا بأسرها لم يكن لَهَا عِنْد السُّلْطَان قدر
وَدخل السُّلْطَان إِلَى مَدِينَة آمد يَوْم الْجُمُعَة وأحضر نور الدّين مُحَمَّد بن قرا أرسلان ووكد عَلَيْهِ المواثيق برعاية الْعَهْد والمتابعة لَهُ والمسارعة إِلَى مَا يَدعُوهُ وَاشْترط عَلَيْهِ إِقَامَة الْعدْل وَإِظْهَار السِّيرَة الجميلة المحمودة فِي الرّعية
ذكر بعض الْأَمْثِلَة بِفَتْح آمد كتبهَا السُّلْطَان إِلَى بعض الْأُمَرَاء
صدرت الْمُكَاتبَة مشعرة بِفَتْح آمد وَذَلِكَ بِقِتَال أعمل السَّيْف فِيهِ أَعمال المستبق وَاسْتعْمل فِيهِ الْعَزْم اسْتِعْمَال المترفق فَلَمَّا رأى صَاحبهَا غير مَا ظَنّه وَسوى مَا يعهده لم ير الْغَنِيمَة إِلَّا نَفسه وَمَاله وَولده فاستام الصُّلْح فأرخصناه وَاسْتَأْمَنَ فأمناه مِمَّا أَخَاف وخلصناه وأغمدنا مَا كَانَ مُجَردا وأجزانا الله من نَصره على مَا لم يزل معودا ورفعنا عَنهُ من الْقِتَال يدا وأوليناه للإحسان يدا وَكِتَابنَا هَذَا وَالْمَدينَة قد فتحت أَبْوَابهَا وعذقت بدولتنا أَسبَابهَا وتحكم لِسَان علمنَا فِي فَم قلعتها ويسرها معدل نشرها بحصب نجعتها وَبعد أَن لبستها دولتنا وَفينَا بموعد خلعتها وَالْحَمْد لله الَّذِي تتمّ النِّعْمَة بِحَمْدِهِ ويسبح الأمل بِقَصْدِهِ مَا يفتح الله للنَّاس من نعْمَة فَلَا مُمْسك لَهَا وَمَا يمسك فَلَا مُرْسل لَهُ من بعده
[ ١٣٩ ]