وَلما علم النظام البقش بمسير السُّلْطَان إِلَى تِلْكَ الْجِهَة ندب من أَصْحَابه الْأَمِير أَسد الدّين برتقش وَأمره بِالْمَسِيرِ إِلَى ميافاراقين فَلَمَّا وَصلهَا بذل بَدْء فِي الْأَمْوَال وَفرق على الرِّجَال وَنصب المنجنيقات والعرادات وملأ الأبراج بالأجناد وأرعد وأبرق وأنف واستكبر فَلَمَّا عاين السُّلْطَان ذَلِك أَمر عساكره بالاستعداد وَنصب المناجيق فَنصبت وَأمر النَّاس بِالْقِتَالِ والزحف وَطَالَ الْقِتَال عَلَيْهَا صباحا وَمَسَاء وَخرج جمَاعَة مِنْهُم وأحرقوا منجنيق السُّلْطَان فَقتل من الْفرْقَتَيْنِ جمَاعَة كَبِيرَة وَقتل يُوسُف المنجنيقي وَكَانَ مقداما شجاعا وَكَانَ فِي كل يَوْم تشتد الْحَرْب وَيكثر النزال وَكَانَت الْأُمُور لَا تزداد إِلَّا شدَّة وَطَالَ الْحصار ودام
وَكَانَت خاتون بنت قرا أرسلان زَوْجَة قطب الدّين صَاحب ماردين حِينَئِذٍ بميافارقين وَكَانَت تحرض النَّاس على الْقِتَال وَكَانَت ذَات يتامى وَلها حَالَة حَسَنَة مَعْرُوفَة بالصلاح والتقى فَلَمَّا لج الْحصار وَطَالَ الْأَمر وَتَمَادَى راسل السُّلْطَان الْأَمِير الْمَذْكُور بميافارقين يستلينه ويستكشف
[ ٢١٩ ]
نهج الْجَواب من جَانِبه ويرغبه تَارَة ويستعطفه تَارَة ثمَّ يتوعده تَارَة ويتهدده أُخْرَى فَذكر أَنه يقْضِي حق من وَجب عَلَيْهِ حَقه يَعْنِي بذلك صَاحبه وَذكر
أَن قطب الدّين مذ درج إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى لم تزل الخاتون مالكة الْأَمر وَنحن لَهَا مطيعون
فراسل السُّلْطَان حِينَئِذٍ خاتون مرّة أُخْرَى وَهِي لَا ترجع إِلَيْهِ جَوَابا يشفيه ثمَّ أَنه قَالَ لَهَا
إِنَّا لَا بنرح هَاهُنَا حَتَّى نفتح ميافارقين وَإِنَّا نَحن أولى بِحِفْظ بَيْتك ورعاية حَقك وَهَذِه الْبَلدة إِذا دخلناها فَلَا خُرُوج لنا عَن رضاك ونصاهرك فِي إِحْدَى عقائلك وَلم يزل بهَا حَتَّى طابت نَفسهَا بِمَا بذله السُّلْطَان لَهَا
وراسل السُّلْطَان عِنْد ذَلِك الْأَمِير الْأسد برتقش وَقَالَ لَهُ دع اللجاج والمجانبة فَإِن خاتون قد مَالَتْ إِلَى جانبا فَلَمَّا بلغه أَن خاتون قد وَافَقت السُّلْطَان على مُرَاده لانت عريكته وضرع إِلَى رَأْي السُّلْطَان وَاسْتقر أَن يَنْقَطِع إِلَى خدمته وَأَن يكون فِي جملَة من شملته سوابغ نعْمَته وَأَن يَخُصُّهُ بجنلجور وأعماله وَأَن يُقرر مَعَ خاتون أَن يبْقى مَا كَانَ عَلَيْهَا باسمها من الْمَوَاضِع وَاسم خدامها وَسَأَلت أَن يفرد لَهَا حصن الهتاخ وخطب السُّلْطَان إِلَيْهَا إِحْدَى بناتها لِابْنِهِ الْملك الْمعز فتح الدّين اسحق والتمست مِنْهُ مَا قَرَّرَهُ على يَمِينه فسارع إِلَى مرادها
[ ٢٢٠ ]