كَانَ عماد الدّين زنكي بن مودود رَاغِبًا فِي الصُّلْح عَارِفًا بعواقب الْأُمُور ففكر فِي أمره وَوجد عَلَيْهِ فِي كل شهر مِمَّا يفرقه على الأجناد ثَلَاثِينَ ألف دِينَار وخشى على نَفسه إِن طَال الْحصار أَن ينفذ مَا فِي خزانته وَكَانَ يعْتَمد على رَأْي الْأَمِير حسام الدّين طمان الأرتقي فَأحْضرهُ وَاسْتَشَارَ بِهِ فِيمَا يدبره من أَمر حلب فَأَشَارَ عَلَيْهِ طمان بِالدُّخُولِ تَحت طَاعَة السُّلْطَان واقترح عماد الدّين أَن يعوض عَن حلب سنجار ونصيبين والخابور والرقة وسروج فضمن لَهُ طمان ذَلِك وَنزل من بَاب السِّرّ لَيْلًا فَدخل
[ ١٤٢ ]
على وَالِدي الْملك المظفر رضوَان الله عَلَيْهِ وَشرح لَهُ جَمِيع مَا ذكره عماد الدّين فَمضى وَالِدي إِلَى السُّلْطَان وَشرح لَهُ مَا ذكره طمان فَقَالَ لَهُ صَلَاح الدّين إِن هَذِه الْمَوَاضِع الَّتِي ذكرهَا عماد الدّين قد جعلناها لَك مَعَ مَا قطع للفرات من الشرق من بِلَاد الجزيرة وأنعمنا بهَا عَلَيْك وَلَا سَبِيل إِلَى أَخذهَا مِنْك فَقَالَ المظفر تَقِيّ الدّين عمر يَا مَوْلَانَا إمض هَذَا الْأَمر فَإِنَّمَا غرضنا صَلَاح الْبَيْت فَقَالَ السُّلْطَان إِذا رضيت بِأخذ هَذِه الْمَوَاضِع مِنْك نعوضك عَنْهَا حلب وقلعتها وأعمالها
ثمَّ أحضر لسلطان الْأَمِير طمان وَكتب لَهُ خطه الْكَرِيم بالمواضع الْمَذْكُورَة وَحلف لَهُ على ذَلِك ثمَّ مضى من عِنْده تَمام ليلته فَسلم خطه إِلَى عماد الدّين وعرفه إنعام السُّلْطَان فِي حَقه فطابت نَفسه بذلك وَأمر بِفَتْح أَبْوَاب حلب ففتحت فَعرف الْأُمَرَاء بذلك والمقدمون مِنْهُم ذَلِك فَمنهمْ من خجل وَمِنْهُم من نَدم فَأرْسل السُّلْطَان إِلَيْهِم وَطيب نُفُوسهم وبذل لَهُم من إحسانه مَا استرقهم بِهِ
وَكَانَ تَسْلِيم حلب يَوْم السبت ثامن عشر صفر من سنة تسع وَسبعين وسأذكر نُكْتَة عَجِيبَة تدل على ذكر منقبة للسُّلْطَان ومكرمة نطق بهَا سر الْغَيْب الْمكنون على لِسَان القَاضِي مُحي الدّين بن الزكي قَاضِي دمشق وَذَلِكَ أَنه مدح السُّلْطَان بِأَبْيَات مِنْهَا
(وفتحكم حَلبًا بِالسَّيْفِ فِي صفر مُبشر بفتوح الْقُدس فِي رَجَب)
[ ١٤٣ ]
فَوَافَقَ فتح حلب كَمَا ذكره فِي صفر من سنة تسع وَسبعين كَمَا ذَكرْنَاهُ وَفتح الْقُدس فِي رَجَب من سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ