وَذَلِكَ فِي ذِي الْقعدَة من السّنة الْمَذْكُورَة
كَانَ عمي عز الدّين فرخشاه ذَا رَأْي سديد وفعال حميدة وَلما أَرَادَ الله تَعَالَى أَن يذل أهل صفد بغارته تِلْكَ جمع من رجال بانياس وَمَا حولهَا من الْأَعْمَال من جرت عَادَته بِالْحَرْبِ فَصبح صفد صباح الْأَرْبَعَاء ثامن عشر الشَّهْر فسبى وسلب وغنم غنيمَة كَبِيرَة وتوغل عَلَيْهِم فِي الربض فَأحرق مِنْهُ مَوَاضِع شَتَّى وَكَانَ قد أعجلهم عَن الالتجاء إِلَى القلعة فَأسر مِنْهُم جمَاعَة أثخن فيهم الْجراح وَعَاد منصورا إِلَى المخيم السلطاني
[ ٣١ ]
فصل من كتاب عَن السُّلْطَان إِلَى الرَّسُول بِبَغْدَاد فِي الْمَعْنى ورأينا أَن البدار إِلَى الْحُلُول بدارهم وإحلال الخزي بهم فِي تعجل دمارهم فرْصَة لفريضة الْجِهَاد منتهزة وعدة من الله تَعَالَى فِي قهر عداته منتجزة وغنيمة لِلْإِسْلَامِ محرزة ونصرة فِي أقرب أمد بأنجح أمل بعون الله موجزة لَا سِيمَا والصوارم قد قلقت فِي أغمادها واللهاذم قد علقت عرى اجتهادها فِي جهادها والعزائم قد رمضت مضَارب مظانها والسوابق قد ضمرت فِي مضمارها شوقا إِلَى إخرابها وَالْبيض والسمر قد اهتزت أعطافها إِلَى الانتشاء من طلاء الطلى والارتعاء فِي اكلاء الكلا والاكتساء من النجيع القاني محمر الْحلَل والحلى وألسنة الأسنة قد خطبت عقائل المعاقل وخطبت على أَعْوَاد العوامل الذوابل وطيور السِّهَام المبرية المريشة إِلَى أوكارها من الْمقل نازعة نازية والأقدار بِمَا تجْرِي بِهِ من نصْرَة الْإِسْلَام زاهية والمنايا بأماني المغرورين من أهل الشّرك هازية وهممنا الْعَالِيَة بدين الدّين متقاضية وَإِلَى حَاكم الْقَضَاء فِي اقتضائه مقاضية وَهَذِه سنة قد هبت فِيهَا النُّصْرَة من سنتها ومحت سَيِّئَة اللَّيَالِي بحسناتها وَبَلغت نعم الله تَعَالَى فِيهَا مُنْتَهى منتها وأظهرت فرْصَة الانتهاز لَهَا آيَة مكنتها وَمِمَّا يبرهن على هَذَا القَوْل ويبهر الْأَنَام بشكر هَذَا الطول مُقَدّمَة فِي النَّصْر يدل على أَن نتائجها الْفتُوح الْأَبْكَار وباكورة فِي الظفر سمح بهَا الْقدر تبشر بِأَن جرت بمساعفتنا الأقدار وَذَلِكَ أَن والدنا عز الدّين فرخشاه أَحْيَاهُ الله تَعَالَى وأبقاه نَهَضَ من الْعَسْكَر بِرَأْس المَاء فِي الْحَاضِرين بعسكرنا عِنْده واستصحب رِجَاله بانياس مَعَه وأغار على صفد بكرَة الْأَرْبَعَاء ثامن عشر ذِي الْقعدَة عِنْد سلخ الصَّباح فسَاء صباح الْمُنْذرين وَكَانُوا فِي مساكنهم غارين وبحصانتها مغترين فَأذن إقدامه بِشَتٍّ شملها وَدخل الْمَدِينَة على حِين غَفلَة من أَهلهَا وَسَقَى عطاش الْبيض وظماء الظبى من ورد وريدهم وَرَوَاهَا
[ ٣٢ ]
وأحرق أرباضها فدمدم عَلَيْهِم رَبهم بذنبهم فسواها وأعجلهم عَن الالتجاء إِلَى القلعة والاحتماء بالتلعة فسفح ذَلِك السفح دِمَاءَهُمْ وسبى ذَرَارِيهمْ وَنِسَائِهِمْ وسَاق أغنامهم وأبقارهم وَخرب عَلَيْهِم بل أحرق دِيَارهمْ وأشعل تِلْكَ الْأَمَاكِن نَارا وأدركتها دَعْوَة نوح ﴿رب لَا تذر على الأَرْض من الْكَافرين ديارًا﴾ فَأَعَادَ عَلَيْهِم لَيْلًا ثَانِيًا بمثارين من نقع ودخان وَأقَام فِيهَا المأتم بنكايتين من أسر وإثخان وَعَاد إِلَى المخيم مشكور الخيم موفور النعم ظَاهر الرَّايَة باهر الْآيَة غَانِم الْجند غَالب الْجد كريم الظفر حميد الْأَثر وَقد كف كف الْكفْر وهد ركن النكر وسفرت وُجُوه الْإِسْلَام بِهَذِهِ الْبُشْرَى بشرا وَطَابَتْ قُلُوب الْمُؤمنِينَ وَطَابَتْ أرجاء الرَّجَاء بأرج نجاحهم بشرا فَهَذِهِ صفة صفد عِنْد النهضة إِلَيْهَا والإشراف عَلَيْهَا فَكيف وَالسُّيُوف قد طَابَ ريها من طبرية وعاينت هِيَ وَأَخَوَاتهَا منا البلية والقدس ينْتَظر إقدامنا ويستشرف اعتزامنا ونأمل من الله أَن ينجز ميعاد نَصره وَيفتح لنا الْبَلَد الْمَوْعُود بحصره فَحِينَئِذٍ نهيئ سلك السَّاحِل وتتبدد عقوده ونستلخص من أَيدي الْمُشْركين بعون الله تَعَالَى حُقُوقه وحدوده
وفيهَا توجه أَبُو يَعْقُوب يُوسُف بن عبد الْمُؤمن بِنَفسِهِ إِلَى بِلَاد إفريقية فَفتح قفصة وَحمل واليها على بن الْمعز بن المعتز ومسعود بن زِمَام أَمِير الْعَرَب وَرجع إِلَى المهدية
[ ٣٣ ]