وَلما فتح السُّلْطَان حلب وَاسْتولى على مَا حولهَا من الْحُصُون والمعاقل والأعمال بقيت قلعة حارم مَعَ أحد المماليك النورية فَجعل السُّلْطَان يراسله وَهُوَ يشْتَرط عَلَيْهِ ويغالي فِي سومه وَكَانَ نقيبها حِينَئِذٍ مستوليا عَلَيْهَا وَمَعَهُ جمَاعَة فَخرج مَمْلُوك نور الدّين عَنْهَا كَمَا جرت عَادَته رَاكِبًا فغلق نقيبها دونه الْبَاب وشنع عَلَيْهِ بمصالحة الفرنج وأعلن من فِيهَا باسم السُّلْطَان فَبلغ السُّلْطَان ذَلِك فَركب من وقته وَسَار إِلَى حارم فتسلمها وَحضر النَّقِيب الَّذِي كَانَ بهَا وجماعته ليطلبوا من السُّلْطَان أَن ينعم عَلَيْهِم عوضا عَمَّا فعلوا
وَكَانَ بدر الدّين حسن بن الداية حَاضرا عَن السُّلْطَان فَقَالَ
يَا مَوْلَانَا هَؤُلَاءِ الْقَوْم فعلوا فِي حَقي كَذَا وَكَذَا وخربوا بَيْتِي ونقلوا عني
[ ١٤٥ ]
كل كَلَام قَبِيح وَقد علمت مَا فعلوا فِي حق هـ ذَا الْمِسْكِين وَأَغْلقُوا دونه بَاب القلعة وشنعوا عَنهُ مَا ذَكرُوهُ من مصالحة الفرنج وَلم يكن كَذَلِك فَإِن رآي مَوْلَانَا السُّلْطَان استخدامهم على هَذَا الشَّرْط فليستحفظ بهم فَضَحِك السُّلْطَان وَأمر بطردهم وَسلمهَا إِلَى أحد خواصه
وَأما حَدِيث صَاحب أنطاكية فَإِن السُّلْطَان حِين تسلم حارم اضْطربَ أمره وَوَافَقَ ذَلِك أَوَان انْقِضَاء الْهُدْنَة فَجَاءَت رسله بالخضوع والضراعة إِلَى السُّلْطَان وسير مَعَهم من أُسَارَى الْمُسلمين جمَاعَة كَبِيرَة إِلَيْهِ وانخذل الفرنج فِي جَانب الْقُدس خوفًا مِنْهُ وَبَدَأَ السُّلْطَان فِي تَقْرِير الْأَمَاكِن والقلاع وترتيب أحوالها