لما وصل السُّلْطَان إِلَى الشَّام عزم على قصد حلب وَجِهَاد من بهَا وَذَلِكَ لما بلغه عَن المواصلة أَنهم قد كاتبوا الفرنج وأنفذوا إِلَيْهِم الرُّسُل وبذلوا لَهُم الْأَمْوَال ورغبوهم فِي الْخُرُوج إِلَى الثغور فَقَالَ السُّلْطَان قد وَجب علينا النهوض إِلَيْهِم وَالْجهَاد لَهُم وَكَانَ ذَلِك عِنْد عودته من غَزْوَة طبرية وبيسان واستقراره بالمخيم فَأمر النَّاس بالرحيل وَسَار على سمت
[ ٩٦ ]
بعلبك وخيم بالبقاع وَكَانَ قد وعد أسطول مصر أَنِّي تجهز إِلَى بعض بِلَاد السَّاحِل ليوافيه ويسير بعساكره إِلَيْهِ فجَاء الْخَبَر أَنه وصل إِلَى سَاحل بيروت فبادره السُّلْطَان بعسكره جَرِيدَة فَلَمَّا رأى ذَلِك أمرا يطول أعَاد عمي عز الدّين فرخشاه إِلَى دمشق ليقوم فِي سد ثغورها وترتيب أمورها وتوجهنا بعد ذَلِك إِلَى بلعبك وخيمنا بمرج عدوسة أَيَّامًا ورحلنا إِلَى حمص على طَرِيق الزِّرَاعَة فنزلنا بهَا ورحلنا مِنْهَا فنزلنا بحمص على العَاصِي وَجَاء الْفَقِيه الْمُهَذّب عبد الله بن أسعد الْموصِلِي فمدح السُّلْطَان بِهَذِهِ القصيدة
(أعلمت بعْدك وقفتي فِي الْأَرْبَع ورضى طلولك عَن دموعي الهمع)
(مطرَت غضا فِي منزليك فذاويا فِي أَربع ومؤججا فِي أضلعي)
(لم يثن غرب الدمع لَيْلَة غربوا ولع العزول بفرط عزل المولع)
(يلحى الجفون على الدُّمُوع لبينهم والعذل فرط العذل إِن لم تَدْمَع)
(دَعْنِي وَمَا شَاءَ التَّلَذُّذ والأسى وأقصد بلومك من يطيعك أَو يعي)
[ ٩٧ ]
(لَا قلب لي فأعى الملام فإنني أودعته بالْأَمْس عِنْد مودعي)
(هَل يعلم المتحملون لنجعة أَن الْمنَازل أخضبت من مدمعي)
(كم غادروا حرضا وَكم لوداعهم بَين الجوانح من غرام موجع)
(أمروا الضُّحَى أَن يَسْتَحِيل لأَنهم قَالُوا لشمس خدودهم لَا تطلعي)
(تَحْمِي قبابهمو ظبا فِي كلة وتذود عَنْهُم أسْهم فِي برقع)
(قل للبخيلة بِالسَّلَامِ تورعا كَيفَ استبحت دمي وَلم تتورعي)
(وبديعة الْحسن الَّتِي فِي وَجههَا دون الْوُجُوه عناية الْمُبْدع)
(بَيْضَاء يدنيها النَّوَى ويحلها إعراضها فِي الْقلب ألطف مَوضِع)
(مَا دَامَ مُعْتَمر بربعك دائبا يقْضِي زيارته بِغَيْر تمتّع)
(كم قد هجرت إِذْ التواصل مكثب وضررت قادرة على أَن تنفعي)
(مَا كَانَ ضرك لَو غمزت بحاجب عِنْد التَّفَرُّق أَو أَشرت بإصبع)
[ ٩٨ ]
(ووعدتني إِن عدت عود وصالنا هَيْهَات مَا أبقى إِلَى أَن تَرْجِعِي)
(هَل تسمحين ببذل أيسر نائل أَن اشْتَكَى وجدي إِلَيْك وتسمعي)
(أَو شَاهِدي جسمي ترى أَيْن الْهوى أَو فاسألي إِن شِئْت شَاهد أدمعي)
(والسقم آيَة مَا أجن من الجوى والدمع بَيِّنَة على مَا ادّعى)
(فتيقني أَنِّي بحبك مغرم ثمَّ اصنعي بِي مَا شِئْت أَن تصنعي)
(يَا صَاح هَل أَبْصرت برقا خافيا كالسيف سل على أبارق لعلع)
(برق إِذا لمع استطار فُؤَاده ويبيت ذَا قلق إِذا لم يلمع)
(فسقى الرّبيع الجون ربعا طالما أَبْصرت فِيهِ الْبَدْر لَيْلَة أَربع)
(وَلَو اسْتَطَعْت سقيته سيل الْغنى من كف يُوسُف بالأدر الأنفع)
(بندي فَتى لَو أَن جود يَمِينه للغيث لم يَك ممسكا عَن مَوضِع)
(للمعتفين رخاء ريح سَجْسَج والمعتدين عجاج ريح زعزع)
[ ٩٩ ]
(رب المكارم وضحا لم يسْتَتر بدنية يَوْمًا وَلم يتقنع)
(ومديم بذل النَّفس غير مفرط وَكثير بذل المَال غير مضيع)
(فَإِذا تَبَسم قَالَ يَا جود اندفق فيضا وياسحب الندى لَا تقلعي)
(وَإِذا تنمر قَالَ يَا أَرض ارجفي بالصاهلات وللجبال تزعزعي)
(وَإِذا علا فِي الْمجد أَعلَى غَايَة قَالَت لَهُ الهمم الجسام ترفع)
(ثَبت الْجنان إِذا الْقُلُوب تطايرت فِي الروع يعدل ألف ألف مدرع)
(فضل الورى بفضائل لم تتفق فِي غَيره ملكا وَلم تتجمع)
(مارام صَعب المرتقى متصاعدا إِلَّا وَكَانَ عَلَيْهِ سهل المطلع)
(جمع الجيوش فَشَتْ شَمل عداته مَا فرق الْأَعْدَاء مثل مجمع)
(لم يثنه عَن نَصره حلفاءه عدد الْعَدو وَلَا بعاد الْموضع)
(بجحافل مثل السُّيُول تدافعت وَإِذا السُّيُول تدافعت لم تدفع)
(إِن يتبع فلكم لَهُ من تَابع أوفى وأوفر عزة من تبع)
[ ١٠٠ ]
(من دوحة شاذية أرجت لَهَا الدُّنْيَا لطيب شذا لَهَا متضوع)
(والناثرين الْهَام يَبْرق بيضه والخارقين مضاعفات الأذرع)
(قوم إِذا ارْتَفع الصَّرِيخ تبَادرُوا نَحْو الْحمام بِكُل أَبْلَج أروع)
(والواصلي قصر الظبى بخطاهمو والقاطعين بهَا طوال الأذرع)
(لَا يغررن الرّوم بعد دِيَارهمْ إِن الخليج عَلَيْك أقرب مشرع)
(لَو أَن مثل الْبَحْر سَبْعَة أبحر من دونهم وأردتهم لم تمنع)
(كم وَقْفَة لَك فِي الوغى محمودة أبدا وَكم جود حميد الْموقع)
(وَالطير من ثِقَة بِأَكْل مشبع تبِعت جيوشك فَوق غَابَ مشبع)
(وَالنَّاس بعْدك فِي المكارم والعلا رجلَانِ إِمَّا سَارِق أَو مدعى)
(يَا غيث منسكب وَمَا حل مربعي بنداك إِلَّا ذَا غَدِير مترع)
(راجعت فِيك الشّعْر بعد طَلَاقه طَمَعا بجودك أَي مَوضِع مطمع)
(لولاك لم أَرض القنوع وذله من بعد طول تعزز وتقنع)
[ ١٠١ ]
(فسؤال جودك عزة للمجتدي ونداك تشريف ورفعة مَوضِع)
(فَاسْلَمْ على مر الزَّمَان ممتعا بِالْملكِ دهرا وَالْمحل الأرفع)
(فَإِذا بقيت فلست أحفل من مضى وَإِذا حييت فَمَا أُبَالِي من نعى)
ثمَّ إِن السُّلْطَان بَقِي بحمص أَيَّامًا قَلَائِل رَحل مِنْهَا قَاصِدا إِلَى حماة فَنزل بهَا وَكَانَت حماة لوالدي الْملك المظفر وَكُنَّا مَعَه فَأمره السُّلْطَان أَن يرتب أُمُور حماة ويرتب أَحْوَال ثغرها فَعمل مَا أمره وَبَقِي السُّلْطَان بحماة يَوْمَيْنِ ثمَّ رَحل عَنْهَا يُرِيد حلب وَفِي عزمه النُّزُول عَلَيْهَا فَبينا نَحن سائرون وَإِذا قد وصل كتاب مظفر الدّين كوكبوري بن زين الدّين على بن بكتكين كوجك فَأعْلم السُّلْطَان بوصوله إِلَى خدمته وَالدُّخُول تَحت أمره وطاعته فَلم يلبث أَن وصل مظفر الدّين كوكبورى وَاجْتمعَ بالسلطان وخلى بِهِ وَأَشَارَ عَلَيْهِ بعبور الْفُرَات والاستيلاء على تِلْكَ الممالك والولايات وَقَالَ لَهُ أَنا بَين يَديك وناصح لَك ومحب لأيامك وَقد علمت مَا المواصلة عَلَيْهِ من نكث إيمانك وعهودك وَإِذا ملكت تِلْكَ الْبِلَاد
[ ١٠٢ ]
واستوليت عَلَيْهَا يبْقى لَك من ورائك ذخيرة ونجدة وَأَنت بعد ذَلِك على أثْنَاء عزمك وَإِن قصدت حلب فَإِنَّهَا تشغلك عَن الْأُمُور ومهماتها والجزيرة وولاياتها وَقد حصلت لَك الْمحبَّة الْعَامَّة والمهابة فِي قُلُوب النَّاس وَمَتى عبرت الْفُرَات سلمت إِلَيْك الْبِلَاد واطاعتك الْعباد فملكت حران والرها والرقة والخابور ونصيبين وَسَائِر الْمَوَاضِع وملكت الْموصل لَا محَالة وَمَا هُنَاكَ فِي تِلْكَ الْجِهَات أحد يقدر على عصيانك فشكره على مَا ظهر مِنْهُ واستوثق مِنْهُ وودعه وَرجع إِلَى حران
وَأما السُّلْطَان فَإِنَّهُ توجه نَحْو ألبيرة وَمد الجسر وَأمر النَّاس بالعبور وَكَانَت ألبيرة قد طمع فِيهَا صَاحب ماردين فاستولى على مَوَاضِع من أَعمالهَا فَلَمَّا سمع بوصولنا إِلَى الْفُرَات انهزم من كَانَ من أَصْحَابه بِتِلْكَ الخطة فأعدنا إلهيا شهَاب الدّين مُحَمَّد بن إلْيَاس الأرتقي وشرعنا فِي أَمر العبور وبدأنا ننقل الأثقال إِلَى بطُون السفن خوفًا من ازدحام النَّاس على الجسر وَضرب كل منا خيمة بالجانب الشَّرْقِي وتحول السُّلْطَان عَنهُ وتخفف نَحْوهَا ثقله وأمددنا من معاقل الأرمن بسفن كَثِيرَة فَعبر النَّاس كَافَّة فَلَمَّا قَطعنَا الْفُرَات كاتبنا أَصْحَاب الْأَطْرَاف ليدخلوا فِي الطَّاعَة فَمن سلم سلمت عَلَيْهِ بِلَاده وَمن أبي توجهنا إِلَيْهِ فَأول من وصل إِلَيْنَا رَسُول نور الدّين مُحَمَّد بن قَرَأَ أرسلان بن نعْمَان بن أرتق
[ ١٠٣ ]
صَاحب حصن كيفا يذكر وُصُوله إِلَى الْخدمَة السُّلْطَانِيَّة وَيذكر مَا سبق إِلَيْهِ من إِحْسَان الْبَيْت الأيوبي