وَلما دخلت هَذِه السّنة شرع السُّلْطَان بمكاتبة الجوانب والأطراف والحث على وُصُول عَسَاكِر الْإِسْلَام إِلَى دمشق ليتوجه مِنْهَا إِلَى غزَاة الكرك فَلم تزل العساكر تتواصل من الْبِلَاد الشامية وبلاد الجزيرة وديار بكر فَلَمَّا تكاملت عدَّة العساكر سَار بهَا مُتَوَجها إِلَى الكرك فَكَانَ نُزُوله على نَاحيَة أدر من أَعمالهَا خَامِس شهر ربيع الآخر وَوصل كتاب السُّلْطَان إِلَى وَالِدي الْملك المظفر سقى الله عهوده الرضْوَان وَكَانَ نَائِبه بِمصْر بوصوله إِلَيْهِ بالعساكر المصرية فشرع فِي تجهيز العساكر فحين تكاملت خرج إِلَيْهَا مُتَوَجها إِلَى الكرك فَأَشْرَف بعد أَيَّام على أَعمالهَا وتلقاه السُّلْطَان بعساكره ونزلوا جَمِيعًا قبالة الْحصن على الْوَادي وَوَقع التضافر على مضايقة
[ ١٨٨ ]
أهل الشّرك وَعبر السُّلْطَان إِلَى الربض فَنزل فِي دَار الرئيس وَنصب عَلَيْهَا تِسْعَة من المنجنيقات الْكِبَار ورتب عَلَيْهَا جمَاعَة من الرِّجَال والأبطال يضمها صفا وَاحِدًا قُدَّام الْبَاب فَلم يزل يرميهم بِالْحِجَارَةِ حَتَّى أزعج من بالحصن وَلم يبْق بَينه وَبينهمْ مَانع إِلَّا الخَنْدَق الْوَاسِع العميق فَأَشَارَ السُّلْطَان بطمه وَكَانَ ذَلِك من الْأُمُور الصعاب فَأمر السُّلْطَان بِضَرْب اللَّبن وَجمع الأخشاب وَبِنَاء الْحِيطَان مُقَابلَة الربض إِلَى الخَنْدَق وتسقيفها وتأليف ستائرها وَلما تمّ ذَلِك توافدت رجال الْعَسْكَر وغلمانه على نقل مَا يرْمى فِي الخَنْدَق وتبادر النَّاس إِلَى طمه بِالتُّرَابِ فتمادى ذَلِك على تتَابع الْأَيَّام والليالي وَاسْتمرّ الْمقَام بِنَا وَطَابَتْ نفوسنا على ذَلِك
فَبينا نَحن مقيمون فِي حصارهم إِذْ وصلنا الْخَبَر باجتماع الفرنج وتحاشدهم فِي الْموضع الْمَعْرُوف بالواله وَكُنَّا قد ضايقنا الكرك أَشد مضايقة فَلم ير بدا من النهوض إِلَيْهِم وَكَانَت الطَّرِيق إِلَيْهِم ضيقَة وعرة فصابرهم أَيَّامًا فَلم يقدر على الْوُصُول إِلَيْهِم فَلَمَّا طَال ذَلِك قَالَ السُّلْطَان
الرَّأْي أَن نرحل عَنْهُم ونبعد عَن جهتهم لَعَلَّهُم يخرجُون من الضّيق إِلَى السعَة فنرجع عَلَيْهِم ونظفر بهم فَرَحل عَنْهُم وَأقَام على فراسخ يسيرَة وَترك هُنَاكَ الْأَمِير عز الدّين جاولي مطلعا فِي أَحْوَالهم فَلَمَّا رَحل عَن الْموضع رجعُوا الْقَهْقَرِي لَيْلًا وسلكوا فِي المضايق من جبل إِلَى جبل وَأتوا إِلَى الكرك فتأسف السُّلْطَان عِنْد فَوت الْغَرَض مِنْهُم وعزم على الرحيل إِلَى نابلس فَرَحل نَحْوهَا فسبى وسلب وغنم وَأقَام عَلَيْهَا يَوْمًا وَاحِدًا حَتَّى
[ ١٨٩ ]
استخرج الْعَسْكَر الْغَنَائِم وَكَانَ النَّاس قد تفَرقُوا فِي الشعاب والأودية فَلَمَّا تَكَامل جمعهم رَحل بهم فَنزل على سبسطية وفيهَا مشْهد زَكَرِيَّا ﵇ وَقد اتَّخذهُ الفرنج كَنِيسَة وأودعوها أَمْتعَة كَثِيرَة وَكَانَ فِيهَا جمَاعَة من الرهبان والقسوس ففدوها بِأسَارَى من الْمُسلمين وطلبوا الْأمان ثمَّ رَحل من هُنَاكَ فَكَانَ اجْتِمَاع العساكر على الفوار وَوَصله الْخَبَر بوصول رسل دَار الْخلَافَة إِلَى دمشق فَسَار بعساكره مُتَوَجها إِلَيْهَا محفوفا بالنصر وَالظفر فَلَمَّا دَخلهَا اجْتمع برسولي دَار الْخلَافَة وهما صدر الدّين شيخ الشُّيُوخ وَبشير الْخَادِم فأفاضا عَلَيْهِ الْخلْع النَّبَوِيَّة وَكَانَ قد وَصله مَعَ الرسولين الْمَذْكُورين قصيدة امتدحه بهَا الْأَجَل الْعَالم جمال الْكتاب أَمِين الدولة أَبُو الْفَتْح مُحَمَّد بن عبيد الله بن عبد الله سبط التعاويذي الْكَاتِب الْبَغْدَادِيّ وَكَانَ من أفاضل الشُّعَرَاء بدار الْخلَافَة فأنفذها إِلَيْهِ يهنيه بِالْخلْعِ النَّبَوِيَّة وَهِي
(حتام أرضي فِي هَوَاك وتغضب وَإِلَى مَتى تجني عَليّ وتعتب)
(مَا كَانَ لي لَوْلَا ملا لَك ذلة لما مللت زعمت أَنِّي مذنب)
(خُذ فِي أفانين الصدود فَإِن لي قلبا على العلات لَا يتقلب)
(أتظنني أضمرت بعْدك سلوة هَيْهَات عطفك من سلوى أقرب)
(لي فِيك نَار جوانح مَا تنطفي حرقا وَمَاء مدامع مَا ينضب)
[ ١٩٠ ]
(أنسيت أَيَّامًا لنا ولياليا للهو فِيهَا والبطالة ملعب)
(أَيَّام لَا الواشي يعد ضَلَالَة ولهى عَلَيْك وَلَا العزول يؤنب)
(قد كنت تنصفني الْمَوَدَّة رَاكِبًا فِي الْحبّ من أخطاره مَا أركب)
(فاليوم أقنع أَن يمر بمضجعي فِي النّوم طيف خيالك المتأوب)
(مَا خلت أوراق الصبى تذوي نضارتها وَلَا أَن الشبيبة تسلب)
(حَتَّى انجلى ليل الغواية واهتدى سارى الدجى وانجاب ذَاك الغيهب)
(وتنافر الْبيض الحسان فَأَعْرَضت عني سعاد وأنكرتني زَيْنَب)
(قَالَت وريعت من بَيَاض مفارقي وشحوب لوني بَان مِنْك الأطيب)
(إِن تنكري سقمي فخصرك ناحل أَو تنكري شيبى فثغرك أشنب)
(يَا طَالبا بعد المشيب غضارة من عيشه ذهب الزَّمَان الْمَذْهَب)
[ ١٩١ ]
(أتروم بعد الْأَرْبَعين تعدها وصل الدمى هَيْهَات عز الْمطلب)
(وَمن الشَّقَاء وَقد ثناك طلابه نفعا فتطلبه ونورك أشيب)
(لَوْلَا الْهوى العذري يَا دَار الْهوى مَا هاج لي طَربا وميض خلب)
(كلا وَلَا استجذبت أخلاف الحيا وندى صَلَاح الدّين هام صيب)
(ملك ترفع عَن ضريب قدره فإليه أكباد الرَّوَاحِل تضرب)
(أردى لَهُ الْأَعْدَاء جد غَالب وَحمى الممالك مِنْهُ لَيْث أغلب)
(يُرْجَى ويرهب بأسه والماجد المفضاه من يُرْجَى نداه ويرهب)
(ثَبت إِذا غشى الوغى والزاغبية شرع والأعوجية شذب)
(مخضرة أكنافه لوفوده وَالْعَام محمر الذوائب أَشهب)
(أَرض بروض المكرمات أريضة وثرى بنوار الْفَضَائِل معشب)
(صب بتشييد المآثر مُتْعب فِيهَا وَمن شاد المآثر يتعب)
(حملت بِهِ بعد العقام فأنجبت أم العلى مَا كل أم تنجب)
[ ١٩٢ ]
(ملكت سجاياه الْقُلُوب محبَّة إِن الْكَرِيم إِلَى الْقُلُوب محبب)
(كف يكف الحادثات وراحة ترتاح للجدوى وقلب قلب)
(وندى يهش إِلَى العفاة تكرما ومواهب بالطارقين ترحب)
(وغرامه كالنار شَاب ضرامها خلق أرق من الزلَال وَأطيب)
(يغريه بِالْعَفو الجناة كَأَنَّمَا ال جاني إِلَيْهِ بِذَنبِهِ يتَقرَّب)
(فَيرى لَهُم حَقًا عَلَيْهِ وَلم يكن ليبين فضل الْعَفو لَوْلَا المذنب)
(يَا طالبي شأو ابْن أَيُّوب قفوا أنضادكم مَا كل شأو يطْلب)
(لَا تقتفوا لأبي المظفر فِي الندى أثرا وَلَا تسمو إِلَيْهِ فتتعبوا)
(بك يَا صَلَاح الدّين يُوسُف أكثب النائي ورف المقشعر المجدب)
(ذللت أَخْلَاق الزَّمَان لأَهله فأطاع وَهُوَ الخالع المتغضب)
(واقمت سوقا للمدائح مربحا فإليه أعلاق الْفَضَائِل تجلب)
(ونهضت لِلْإِسْلَامِ نهضة صَادِق العزمات ترأب من يناه وتشعب)
[ ١٩٣ ]
(وغضبت الدّين الحنيف وَلم تزل فِي الله ترْضى مُنْذُ كنت وتغضب)
(غادرت أهل البغى بَين مجندل لَقِي الْحمام وخائف يترقب)
(أَو هارب ضَاقَتْ عَلَيْهِ برحبها الأَرْض الفضاء وَأَيْنَ مِنْك الْمَهْرَب)
(فَأصْبح بِلَاد الرّوم مِنْك بغارة للنصر فِيهَا رائد لَا يكذب)
(وأنكح صوارمك الشغور يزورها فِي كل يَوْم من جيوشك مقتب)
(وارم الْكَنَائِس من سطاك بمارج متأجج نيرانه تتلهب)
(وارفع بهَا للْمُسلمين منابرا باسم الْخَلِيفَة ثمَّ بِاسْمِك يخْطب)
(واسق الْجِيَاد من الخليج فورده يدنو عَلَيْك إِذا عزمت وَيقرب)
(ملحت موارده وَأقسم أَنَّهَا من نيل مصر فِي مذاقك أعذب)
(واقرع بحي على الْفَلاح مسامعا تصبو إِذا ذكر الصَّلِيب فتطرب)
(لَا تبْق زنارا يشد بهَا على علج وَلَا ناقوس دير يضْرب)
(واصمد لِحَرْب الْمُشْركين مهذبا بِالسَّيْفِ من بسواه لَا يتهذب)
[ ١٩٤ ]
(واحسم بِحَدّ ظباك دَاء حسمه ودواؤه بعد التفاقم يصعب)
(حَتَّى يرى للمشرفية مطعم بِالْفَتْكِ من تِلْكَ الدِّمَاء ومشرب)
(فالعذل لَيْسَ يناجع أَو ينثني وغرار نصلك بالنجيع مخضب)
(لَا تعفون إِذا ظَفرت بمجرم مِنْهُم فَرب جريمة لَا توهب)
(فلتشكرنك أمة يحنو على ضعفائها حدبا كَمَا يحنو الْأَب)
(واخلع قُلُوب الناكبين بلبسها خلعا إِلَى شرف الْخلَافَة تنْسب)
(فرجية وشي يكَاد شعاعها الذ هبي بالأبصار حسنا يذهب)
(وعمامة مَا تَاج كسْرَى مئلها فِي الْفَخر وَهِي بتاج كسْرَى تعصب)
(ومهند طبعته قحطان وأهدته إِلَى مصر قَدِيما يعرب)
(مسى عتادا للخلائف بَينهم متوارثا يوصى بِهِ لِابْنِ أَب)
(يغري بجوهره وَمَاء صقاله ومضاء عزمك فَهُوَ قَاض معضب)
(حضب النضار وَإنَّهُ يَوْم العدا عَمَّا قَلِيل فِي يَديك سيخضب)
[ ١٩٥ ]
(وَتحل مِنْهَا طوق ملك رَأْيه عِنْد الْمُلُوك مُعظم ومرحب)
(فَالله طوق جبرئيل كَرَامَة لم يؤتها ملك سواهُ مقرب)
(ورع العدى مِنْهَا بأدهم رَابِع يعنو لغرته الصَّباح الْأَشْهب)
(سلب الدجى جلبابه فَهَلا لَهُ ونجومه مرج عَلَيْهِ ومركب)
(وأفاك يصحب فِي القياد وَلم يكن لَو لم ترضه يَد الْخَلِيفَة يصحب)
(وبراية سَوْدَاء قلب الشّرك مذ عقدت لملكك مستطار يرعب)
(فَكَأَنَّهَا أسداف ليل مظلم وَسنَان عاملها عَلَيْك كَوْكَب)
(فأفض ملابسها عَلَيْك عَظِيمَة لَا تسترد ونعمة لَا تسلب) والبس شعارا مَا يملك مثله لسوى الْأَئِمَّة من قُرَيْش منْكب)
(مِمَّا تخيره الْخَلِيفَة منحسة لَك فاصطفاه لِقَاء مَا تستوجب)
(النَّاصِر النَّبَوِيّ محتده وَمن عيص الرَّسُول بعيصه متأشب)
(من يستظل من الخطوب بظله ونبيت فِي نعمائه نتقلب)
[ ١٩٦ ]
(ناء عَن الْأَبْصَار دَان جوده لعفاته فَهُوَ الْبعيد المكثب)
(إِن يمس عَن نظر الْعُيُون محجبا فَلهُ جزيل مواهب لَا تحجب)
(دنتك مِنْهُ فراسة نبوية تملي عَلَيْهِ الْحق وَهُوَ مغيب)
(رِضَاهُ خير من ارْتَضَاهُ لملكه يقظان يسهر فِي رِضَاهُ ويدأب)
(ورآك أسرعهم إِلَى الْأَعْدَاء إقداما وَغَيْرك محجم متهيب)
(فاسحب ثِيَاب سَعَادَة فضلا لسابغها على ظهر المجرة يسحب)
(وتمل مَا خولته من دولة غراء طالع سعدها لَا يغرب)
(فِي نعْمَة أَيَّامهَا لَا تَنْقَضِي وسعادة سلطانها لَا يغلب)
وفيهَا امتدحنا الْكَمَال المغربي التنوخي بقصيدة مطْلعهَا
(قسما برقة خَدّه المتورد ورشاقة فِي قده المتأود)
(إِنِّي لأهواه وَلست بِحَائِل عَن حبه إِن صد أَو لم يصدد)
[ ١٩٧ ]
(كم لَيْلَة قد بتها أرعى السهى جزعا لفرقته بمقلة أرمد)
(قضيتها مَا بَين نوم نافر وزفير مهجور وقلب مكمد)
(كلفا بمعتدل القوام كَأَنَّهُ بدر بدا فِي جنح ليل أسود)
(لم أنس أَيَّام السرُور وطيبها بَين الصريم وَبَين برقة ثهمد)
(وَالرَّوْض قد أبدى بَدَائِع نوره من أَزْرَق ومفضض ومورد)
(وَالْمَاء يَبْدُو كالصوارم ساريا فيعيده مر الصِّبَا كالمبرد)
(وَالطير بَين مسجع ومرجع ومغرد ومعدد ومردد)
(يَدْعُو لنعمة نَاصِر الدّين الَّذِي فاق الْبَريَّة بالدوام السرمد)
(والواهب الْبَدْر الَّذِي إنعامه بَين الْبَريَّة ظَاهر لم يجْحَد)
(يعطيك معتذرا وَيسْأل خاضعا فِي أَن تعود إِلَى التماسك فِي غَد)
(فرضابه يمْضِي ببذل مواهب وَأَدَاء مَفْرُوض وَورد مورد)
(وَإِذا خشيت من الزَّمَان سجية تردى فَلَا تعلق بِغَيْر مُحَمَّد)
[ ١٩٨ ]
(الْعَادِل الْملك الْهمام الْمَاجِد النّدب الكمي الْبَاذِل المتودد)
(من معشر أحسابهم لم تَنْقَطِع عَنَّا وجمرة عزمهم لم تخمد)
(لَا بره عَنَّا بمنقطع وَلَا زند الندى فِي راحتيه بمصلد)
(مَا أمه فِي جنح ليل مُدْلِج إِلَّا هداه بنوره المتوقد)
(فذراه كالبيت العيق يحجه من كل فج كل ركب مجتدى)
(زر مجده تزر المكارم والعلا وَترى الندى يَغْشَاهُ من وَجه لَدَى)
(فَإِذا بلغت إِلَيْهِ عمك جوده ونواله أقصدت أم لم تقصد)
(يَا أوحد الدُّنْيَا أَتَيْتُك قَاصِدا مستعديا من جور دهر أنكد)
(أخنى عَليّ بصرفه وَبَنوهُ قد حافوا عَليّ وَقد تخاذل مسعدي)
(فَخطبت من جدوى يَديك ببغيتي وَأمنت من صرف الزَّمَان الأنكد)
(فَاسْلَمْ وسد أبدا وَدم فِي نعْمَة ومقرونة بسعادة لم تنفذ)
[ ١٩٩ ]
رَجعْنَا إِلَى إتْمَام الحَدِيث
فَلَمَّا اسْتَقر السُّلْطَان بِدِمَشْق أَيَّامًا أَمر السُّلْطَان وَالِدي الْملك المظفر بِالرُّجُوعِ إِلَى مصر بالعساكر المصرية وَكنت يَوْمئِذٍ نَائِبه بِمصْر وبلادها إِلَى أَن رَجَعَ إِلَيْهَا وَكَانَ خُرُوجه من دمشق فِي الْيَوْم الْخَامِس عشر من شعْبَان من السّنة الْمَذْكُورَة
وَأما السُّلْطَان فَإِنَّهُ حِين اجْتمع برسولي الْخلَافَة بِدِمَشْق وهما شيخ الشُّيُوخ وَبشير الْخَادِم أنعم عَلَيْهِمَا إنعاما جزيلا وتلقاهما بالبشر على جاري عَادَته وَطَالَ مقامهما فمرضا مَرضا شَدِيدا وسألا الِانْصِرَاف فأشفق عَلَيْهِمَا وَأَشَارَ عَلَيْهِمَا بالقعود إِلَى أَن يخف مرضهما فبقيا على ذَلِك أَيَّامًا ثمَّ سألاه أَن يَأْذَن لَهما بالانصراف فَأذن لَهما وودعهما وأصحبهما الْأَمِير حسام الدّين طمان وَكَانَ مقدم عَسْكَر سنجار وَأمره بمرافقتهما والرفق بهما فِي السّير فَسَارُوا جَمِيعًا على طَرِيق الرحبة وَكَانَ الزَّمَان قيظا شَدِيدا فَاشْتَدَّ ببشير الْمَرَض فَمَاتَ قبل وُصُوله
وَأما شيخ الشُّيُوخ فَمَاتَ حِين وَصلهَا وَدفن هُنَاكَ وَكَانَت وَفَاته فِي شعْبَان من السّنة
وَأما السُّلْطَان فَإِنَّهُ أَقَامَ بِدِمَشْق حَتَّى دخل فصل الشتَاء وَأمر بِضَرْب مضاربه إِلَى جِهَة بعلبك وَكَانَ يركب فِي كل يَوْم إِلَى الصَّيْد وَيرجع فَأَقَامَ على ذَلِك أَيَّامًا حَتَّى اجْتمع إِلَيْهِ العساكر ثمَّ رَحل إِلَى بعلبك فوصلها بعد يَوْم وَلَيْلَة وخيم على ظَاهرهَا وَذَلِكَ فِي الْيَوْم الْعشْرين من ذِي الْقعدَة من السّنة الْمَذْكُورَة ورحل مِنْهَا إِلَى جِهَة حمص بهَا بعد أَيَّام فَبَقيَ بهَا أَيَّامًا ثمَّ سَار إِلَى حماة فَأَقَامَ بهَا بَاقِي ذِي الْحجَّة من السّنة الْمَذْكُورَة
[ ٢٠٠ ]
وَدخلت سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَهُوَ مخيم بحماة وسأذكر الْأَحْوَال بهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وفيهَا جَازَ أَبُو يَعْقُوب بن عبد الْمُؤمن الْبَحْر إِلَى الأندلس فِي جمع كَبِير وَقصد غربي بلادها فحاصر مَدِينَة شنترين شهرا كَامِلا فَأَصَابَهُ مرض فَمَاتَ وَذَلِكَ فِي شهر ربيع الأول من السّنة الْمَذْكُورَة وَحمل فِي تَابُوت إِلَى أشبيلية فَكَانَت مُدَّة ولَايَته اثْنَتَيْنِ وَعشْرين سنة وأشهرا وَخلف أَوْلَادًا جمَاعَة