وَلما رَجَعَ السُّلْطَان من الْموصل كتب إِلَى المواقف
عَلَيْهِ عوضا عَن يَده ألف دِينَار فَحمل ابْن الضَّحَّاك إِلَى الدِّيوَان الْعَزِيز وَترك فِي التَّوْكِيل وَعجب النَّاس من تقدم الْخَلِيفَة فِي حق المتصرفين بِالْقطعِ فَحكى أَبُو طَالب صَاحب بَاب الْمَرَاتِب عَن أستاذ الدَّار ابْن الصاحب أَنه سمع من الْخَلِيفَة أَنه قَالَ
لما كنت أَمِيرا وَكَانَ لي إقطاع فِي نهر ملك وَكَانَ هَذَا أَبُو الْحسن بن الضَّحَّاك عَاملا فِي نهر ملك نفذ جمَاعَة من أَصْحَابه وَأخذ من إقطاعي رجَالًا فَمضى إِلَيْهِ خَالص الْخَادِم وخاطبه فِي معناهم وَسَأَلَهُ أَن يُطْلِقهُمْ أَو يقْتَصر على الْبَعْض فَلم يقبل فجَاء إِلَيْهِ وَهُوَ فِي دَار ابْن الْعَطَّار وَكرر السُّؤَال عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ
وَالله مَا أطلق مِنْهُم رجلا وَاحِدًا وَتقول لسيدك أبي الْعَبَّاس أَحْمد الْأَمِير إِذا صَار خَليفَة يقطع يَدي ولقبه بِكُل قَبِيح
فَلَمَّا صَار الْأَمر إِلَيّ وَكتب صَاحب الدِّيوَان أَنه قبض عَلَيْهِ ذكرت هَذِه الْحَال وَتَقَدَّمت بِقطع يَده كَمَا كَانَ قد سَأَلَ فَكتب إِلَيّ هَذَا الْكَلْب يَقُول لي إِنَّنِي قد قررت عَلَيْهِ ألف دِينَار وَالله لابد أَن أقطع يَده كَمَا كَانَ قد سَأَلَ وَبَقِي ابْن الضَّحَّاك فِي التَّوْكِيل إِلَى أَن استوفى ألف دِينَار وَمَا يقدر أحد أَن يسْأَل فِيهِ
وَحكى أَن صَاحب الدِّيوَان كَانَ لَهُ مطبخ وَكَانَ لَا يطْبخ فِيهِ شَيْء بل جَمِيع مَا كَانَ يحْتَاج إِلَيْهِ من عِنْد النَّاظر وَكَانَ فِي طَرِيق خُرَاسَان كَاتب يعرف بِابْن جميل فَكتب رقْعَة وعلقها على بَاب المطبخ فِيهَا أَبْيَات لمرجا شَاعِر بني أبي الجيرومي
[ ١١٥ ]
(رَأَيْت مضرب شعر فَقلت مَاذَا السوَاد)
(فَقيل مطبخ نصر فَقلت أَيْن الرماد)
(فَقيل لي فِيهِ بن وكامخ وجراد)
(وَلَيْسَ فِيهِ سوى إِذا ومجال يُرَاد)
فَخرج صَاحب الدِّيوَان أَبُو عَليّ نصر بن الْوَكِيل رَاكِبًا وَمَعَهُ جمَاعَة وَأَصْحَابه فرآي الرقعة على بَاب المطبخ فَأَخذهَا وَقرأَهَا فَقَالَ لَهُ أحد أَصْحَابه هَذَا فعل ابْن جميل الْكَاتِب فقصده وَكتب إِلَى الْخَلِيفَة فِي حَقه وَصَرفه من خدمته وَدخل صَاحب الدِّيوَان إِلَى بَغْدَاد وَهُوَ مَرِيض فَمَا مضى عَلَيْهِ إِلَّا أَيَّام قَلَائِل وَتوفى وَكَانَ الْخَلِيفَة أدام الله أَيَّامه كَبِير الْميل إِلَيْهِ والمحبة لَهُ وَكَانَ أحسن أَرْبَاب الدولة خلقَة وَذكر أَن الْخَلِيفَة لما أنفذ بِهِ إِلَى وَاسِط وأنفذ مِنْهَا مائَة ألف دِينَار حملا وَاحِدًا قَالَ إِنَّنِي أُرِيد أَن أجعَل هَذَا ابْن الْوَكِيل وزيرا فَإِنَّهُ مليح الصُّورَة وَقد عرف قَوَاعِد الدِّيوَان فَنقل ذَلِك إِلَى أستاذ الدَّار ابْن الصاحب فنفذ إِلَى طَرِيق خُرَاسَان من أطمعه فَلَمَّا مَاتَ كَانَ جمَاعَة مِمَّن كَانُوا ينبسطون بِمَجْلِس أستاذ الدَّار يهنئونه بِمَوْت ابْن الْوَكِيل فَلَمَّا مَضَت أَيَّام قَلَائِل أنفذ أستاذ الدَّار فأحضر دَاوُد الَّذِي كَانَ مشرف ديوَان الزِّمَام أَيَّام المستضئ بِأَمْر الله رضوَان الله عَلَيْهِ وَكَانَ قد تصوف وَانْقطع فِي رِبَاط شيخ الشُّيُوخ فَأحْضرهُ وَاسْتَأْذَنَ لَهُ بِأَن يرتب صَاحب ديوَان فبرز الْأَمر الشريف بذلك وَكَانَ لقبه مجد الدّين فَغير لقبه لِأَن أستاذ الدَّار كَانَ يلقب بمجد الدّين ولقب دَاوُد بِكَمَال الدّين وَنقل إِلَى دَار فِي الْقرْيَة الْمَعْرُوفَة بقصر الْخلَافَة وَكَانَ مَالك الدَّار يعرف بِجلَال الدّين بن جَعْفَر الَّذِي كَانَ صَاحب ديوَان فِي الْأَيَّام المستنجدية ورتب عَلَيْهِ مشرفا صفي الدّين أَبُو غَالب بن الْجلَال وَكَانَ نَصْرَانِيّا وَأسلم وَسَنذكر قصَّته فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى
[ ١١٦ ]
وفيهَا أَشَارَ أستاذ الدَّار إِلَى جمَاعَة من أهل بَغْدَاد من الْعَوام بِأَن يتقولوا إِذا ركب ابْن زِيَادَة إِلَى الدِّيوَان
(يَا غيث مَالِي بالغرام يَد )
وَكَانَت هَذِه الأبيات قد ذكرت فِي أَيَّام ابْن زِيَادَة وَكَانَ أستاذ الدَّار بقصره وَيُرِيد صرفه من الدِّيوَان الْعَزِيز وَكَانَ يقبح ذكره ويقصده فَكَانَ ابْن زِيَادَة إِذا ركب سمع فِي السُّوق ضجة عَظِيمَة من الْعَوام (يَا غيث مَالِي بالغرام بُد) لَيْلًا كَانَ أَو نَهَارا
ثمَّ إِن أستاذ الدَّار حسن للخليفة عزل ابْن زِيَادَة وَالْقَبْض عَلَيْهِ فَبَلغهُ ذَلِك فَخرج هَارِبا فَنزل فِي رِبَاط شيخ الشُّيُوخ وَسَأَلَ أَن يتَصَدَّق عَلَيْهِ بِنَفسِهِ وَأَن يُؤذن لَهُ بالمضي إِلَى وَاسِط فَأذن لَهُ فِي ذَلِك فَمضى إِلَى وَاسِط وَلزِمَ دَاره
وأحضر أستاذ الدَّار عز الدّين صَدَقَة بن صَدَقَة وَأخذ خطة بِأَلف دِينَار ورتبه صَاحب ديوَان مَوضِع ابْن زِيَادَة وخلع عَلَيْهِ فِي الدِّيوَان الْعَزِيز وَتقدم أستاذ الدَّار إِلَى ابْن البُخَارِيّ النَّائِب أَن يُوقع إِلَى ابْن فطيرا نَاظر الْأَعْمَال الواسطية أَن يعْتَرض أَمْلَاك ابْن زِيَادَة ويضيق عَلَيْهِ ويقصد تقبيح ذكره وَكَانَ سَبَب ذَلِك علمهمْ بِحسن رَأْي الْخَلِيفَة فِيهِ وَكَانَ أوحد الزَّمَان فِي الْكِتَابَة والتراسل لَا تَلد النِّسَاء قبله وَكَانَ محسودا لفضائله وَأقَام بواسط على نِهَايَة من الضّر حَتَّى تناهت بِهِ الْحَاجة حَتَّى نقل عَنهُ أَنه كَانَ ينْسَخ بِأُجْرَة
وفيهَا ضرب سكلية بن إيلاجك أَمِير الْبَصْرَة دَرَاهِم صغَارًا وسماها إيلاجكية كَانَ ذَلِك بعد موت أَبِيه إيلاجك بِسنة ثمَّ إِن ابْن فطيرا ضمن
[ ١١٧ ]
الْبِلَاد البصرية على أَن يكون ابْن إيلاجك شحنة فَحسب وَكَانَ ابْن إيلاجك الْمَذْكُور على غَايَة من الْبُخْل وَالشح ثمَّ لم تزل أُمُوره تتناقص إِلَى أَن صرف من الْبَصْرَة وأصعد إِلَى بَغْدَاد فَلَمَّا وصل إِلَى بَغْدَاد أنعم الْخَلِيفَة عَلَيْهِ بالرازان
وفيهَا تقدم الْخَلِيفَة بإحضار طغرل الْخَاص وَكَانَ أكبر مَمْلُوك رومي بَين يَدَيْهِ إِلَى الدِّيوَان الْعَزِيز وَأَن يخلع عَلَيْهِ قبَاء أسود وعمامة سَوْدَاء وأخرجت لَهُ من الدَّار معممة وَأعْطى فرسا وسيفا وخوطب بعماد الدّين وأقطع الْبَصْرَة وَجعل فِي خدمته خمس مائَة مَمْلُوك وَكبر أمره وَذكر عَن ابْن الْأَنْبَارِي كَاتب الْإِنْشَاء أَنه سمع من أستاذ الدَّار ابْن الصاحب يَقُول قَالَ الْخَلِيفَة مَا لأحد علينا فِي هَذِه الدولة حق إِلَّا لهَذَا طغرل الَّذِي قد أعطيناه الْبَصْرَة وَكَانَ الْخَلِيفَة يعلن بِهَذَا القَوْل ويكرره وَسبب ذَلِك أَن طغرل كَانَ يمْضِي إِلَى الْأُمَرَاء فِي السِّرّ ويستحلفهم للخليفة وَقد ألبس مِنْهُم جمَاعَة ثِيَاب النِّسَاء وأدخلهم إِلَى الْخَلِيفَة قبل ولَايَته وَهُوَ أَمِير مِنْهُم الشطرنجي وقيطرمش الشّحْنَة وَسيف الدّين طغلو وَجَمَاعَة من المماليك
وفيهَا التجأ جمال الدّين بن الْحصين إِلَى رِبَاط شيخ الشُّيُوخ خوفًا من آل تنبه الشطرنجي صَاحب وَاسِط لِأَنَّهُ كَانَ قد ضمن مِنْهُ الْأَعْمَال الواسطية وَحضر عِنْده جمَاعَة من أهل وَاسِط يتألمون مِنْهُ ويذكرون أَنه قد خرب الْأَعْمَال وَقد أَخذ جملَة من الْأَمْوَال للرعايا فَكثر غضب الشطرنجي عَلَيْهِ لذَلِك وَكَانَ قد عمل ضَمَانه وانكسر عَلَيْهِ عشرُون ألف دِينَار
[ ١١٨ ]
وَأما صدر الدّين شيخ الشُّيُوخ فَإِنَّهُ خَاطب الْخَلِيفَة فِي معنى ابْن الْحصين فَقَالَ
مَاله مَعنا شغل بَينه وَبَين خَصمه الشَّرْع فتحقق ابْن الْحصين أَنه لَا منجي لَهُ من الشطرنجي وَكَانَ ذَا سطوة وَشدَّة وَأكْثر النَّاس قساوة وأشدهم تجبرا وَكَانَ مَعَ ذَلِك كَرِيمًا جوادا وَكَانَ معطاء لَا سِيمَا إِذا شرب فَلَمَّا شَاهد ابْن الْحصين هَذِه الْأَحْوَال لم يجد بدا من الْهَرَب إِلَى الشَّام والاعتصام بجناب الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين
وفيهَا تقدم الْخَلِيفَة بِنَقْل عماد الدّين إِلَى البدرية فَلَمَّا انْتقل وَسكن بهَا كَانَ الْخَلِيفَة لَا يزَال مَعَه إِن خرج أَو دخل وَلَا يُفَارِقهُ فِي سَائِر الْأَوْقَات
وفيهَا كثر الْخَلِيفَة أدام الله أَيَّامه لَيْلًا يمشي فِي الْأَسْوَاق وَمَعَهُ جمَاعَة مِنْهُم نجاح الشرابي وَأَبُو الْحسن بن الْكَرْخِي وَأَبُو الْعِزّ وَمُحَمّد بن يحيى الْفراش وَكَانَ يمْضِي متنكرا مرّة فِي زِيّ الْعَجم وَمرَّة فِي زِيّ التّرْك وَمرَّة فِي زِيّ الْفُقَهَاء وَكَانَ يعْتَقد أَن أمره يخفي على أهل بَغْدَاد وَكَانَ لَا يخفى مَكَانَهُ للَّذين مَعَه لأَنهم كَانُوا معروفين عِنْد النَّاس فَكَانَ كَالْعلمِ إِذا اجتاز فِي مَوضِع عرف بِمن هم مَعَه فَكَانَ النَّاس يلحون بِالنّظرِ إِلَيْهِ ويقفون أَثَره ويمضون خَلفه وراى أَن السُّكُوت عَنْهُم يُوجب تكدير الْوَقْت وَخَافَ على نَفسه فَأطلق الْقَتْل فِي كل من يتَوَهَّم أَنه ينظر إِلَيْهِ أَو يقْصد أَن يمْضِي فِي طَرِيقه إِلَى أَن انحسمت الْمَادَّة فَكَانَ أهل بَغْدَاد إِذا غلب على ظنونهم أَنه فِي طَرِيق هربوا عَنْهَا إِلَى أُخْرَى وَإِذا صادفه أحد فِي طَرِيق وَرَآهُ بِغَيْر اخْتِيَاره كَاد أَن يهْلك من شدَّة الْخَوْف وَإِن اسْتَغَاثَ إِلَيْهِ أحد وَهُوَ فِي الصَّيْد فَإِن خاطبه بمولانا أَو دعى لَهُ وَعرف أَنه قد عرفه مَا يَخْلُو أمره من أحد أَمريْن إِمَّا أَن يقْتله أَو يعرض عَنهُ وَلَا يقْضِي لَهُ حَاجَة ليزيل من قلبه أَنه أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى أَن هرب النَّاس كَافَّة وَهَان عِنْده سفك الدَّم
[ ١١٩ ]
وفيهَا ظهر بِبَغْدَاد التَّشَيُّع والإعلان بولاء أهل الْبَيْت ﵈ وَكَانَ أستاذ الدَّار ابْن الصاحب مَعْرُوفا بذلك هُوَ وبيته يَرِثهُ عَن آبَائِهِ وأعلن بالتظاهر بلعنه مُعَاوِيَة وَيزِيد بِحَيْثُ أَن رَضِي الدّين الْقزْوِينِي مدرس النظامية كَانَ إِذا جلس بمدرسة النظامية مجْلِس الْوَعْظ يسؤل عَن ذَلِك فَلَا يرد جَوَابا فَقَامَ إِلَيْهِ رجل فِي بعض الْأَيَّام وَهُوَ يعظ النَّاس وَسَأَلَهُ أَن يلعن يزِيد فَلم يفعل فثار النَّاس عَلَيْهِ فِي الْمجْلس وهموا بقتْله وَقَامَ جمَاعَة من أهل بَغْدَاد وَفِي أَيّدهُم العصى ورجفوا إِلَى الْمِنْبَر واتصل ذَلِك بحاجب الْبَاب ابْن صَدَقَة فأنفذ نَائِبه عطاف بن بختيار وَمَعَهُ جمَاعَة فمنعوا النَّاس من الْفِتْنَة وحملوا الشَّيْخ رَضِي الدّين الْقزْوِينِي الْمدرس إِلَى بَيت من بيُوت الْفُقَهَاء مِمَّا يَلِي خزانَة الْكتب الَّتِي بِالْمَدْرَسَةِ الْمَذْكُورَة وغلقوا عَلَيْهِ الْبَاب ووقف النَّائِب وَالْجَمَاعَة وَالَّذين مَعَه إِلَى أَن جَاءَ اللَّيْل وأخرجوه إِلَى دَاره وسكنت تِلْكَ الغوغاء وَمنع النَّاس من أذيته
ثمَّ تقدم إِلَى رَضِي الدّين الْقزْوِينِي أَن يجلس بِبَاب بدر وَيكون الْخَلِيفَة هُنَاكَ فَجَلَسَ وَكَانَ ذَلِك الْيَوْم يَوْم السبت وَقَامَ إِلَيْهِ جمَاعَة وكلفوه بِأَن يلعن يزِيد بن مُعَاوِيَة وَكَانَ مَعَه وَلَده الملقب بالرفيع فَأَشَارَ إِلَيْهِ بلعن يزِيد فَصرحَ بسبه وَلم يسمع أَبَاهُ شَيْئا وَكَانَ الْموضع فِيهِ جمَاعَة من مماليك الْخَلِيفَة فَلم يقدر أحد من النَّاس أَن يتَعَرَّض بِنَفسِهِ بل سكت النَّاس وَرَأى رَضِي الدّين الْقزْوِينِي أَن هَذِه الْحَال لَا مندوحة لأهل بَغْدَاد عَنْهَا وَأَنه لَا يقدر على الْمقَام دون التظاهر بسب يزِيد وَأَنه مَتى فعل ذَلِك هلك جَمِيع من يتَعَلَّق بِهِ بقزوين وَأخذت أَمْوَاله وأملاكه فمضت عَلَيْهِ أشهر وَطلب الْإِذْن بالمضي إِلَى بَلَده لينْظر أَهله فَاسْتَأْذن لَهُ فِي ذَلِك أستاذ الدَّار ابْن الصاحب فَأذن لَهُ من شدَّة بغضهم لَهُ وأنفذوه فِي رِسَالَة فِي طَرِيقه إِلَى قزل رسْلَان فَمضى وأسرع
[ ١٢٠ ]
فِي الْخُرُوج فَعِنْدَ ذَلِك نَدم الْخَلِيفَة لِخُرُوجِهِ وَعَلمُوا بعد ذَلِك أَنه لم يخرج إِلَّا للْمَذْهَب وخشوا من التشنيع عَلَيْهِم فِي الْبِلَاد
فَلَمَّا وصل إِلَى قزل وبلغه رِسَالَة الدِّيوَان الْعَزِيز قَالَ لَهُ
أنفذ أَنْت الْجَواب فإنني غير رَاجع إِلَى بَغْدَاد وإنني قد شاهدت الْمَوْت الْأَحْمَر وَتوجه إِلَى قزوين فَكَانَ النَّاس فِي تِلْكَ الخطة بأسرها من الْمُلُوك وَغَيرهم يقصدون رَضِي الدّين الْقزْوِينِي يتبركون بِهِ ويهنئونه بسلامته
وَبقيت النظامية خَالِيَة من مدرس وفيهَا جمَاعَة من المعيدين وَالْفُقَهَاء يذكرُونَ الدُّرُوس ويقرءون الربعة فِي كل يَوْم وهم يَعْتَقِدُونَ أَن رَضِي الدّين يرجع إِلَى أَن وَقع الأياس مِنْهُ
وَكَانَ الْفَقِيه التوقاني يعْتَقد أَنه رُبمَا أنعم عَلَيْهِ بالنظامية وَكَانَ كثير الْخطاب وَالْقَوْل والاستشفاع بِالنَّاسِ من أَرْبَاب الدولة لأَجلهَا وَكَانَ مُسْتَحقّا للتدريس والتصدر بمجلسها غير ان الْأُمُور بيد الله تَعَالَى جَارِيَة بتقديره
وفيهَا اسْتَأْذن شهَاب الدّين الْفَقِيه الطوسي فِي الْحَج فَأذن لَهُ فَخرج من بَغْدَاد وَمضى إِلَى مصر وَكَانَ قد جعل الْحَج حجَّة لِخُرُوجِهِ وَلَو عرف مِنْهُ ذَلِك لما مكن من الْخُرُوج وَلم يُؤذن من بعده لأحد فِي المضى إِلَى الْحَج إِلَّا إِذا علمُوا عوده إِلَى الْعرَاق وَكَانَت مَعَه ابْنة الثَّقَفِيّ وَمَاتَتْ وَأخذ جَمِيع مَا كَانَ لَهَا وَسبب ذَلِك أَن أستاذ الدَّار ابْن الصاحب كَانَ يبعضه ويقصده وَلَو بقى فِي الْعرَاق لهلك لِأَنَّهُ كَانَ صَاحب ابْن الْعَطَّار
[ ١٢١ ]
وَكَانَ قد حضر ذَات يَوْم فِي دَار أستاذ الدَّار وَقيل لَهُ إِن عَليّ بن أبي طَالب ﵇ مَا ملك من الدُّنْيَا شَيْئا وَكَانَ فَقِيرا حَتَّى إِنَّه كَانَ يَأْكُل خبز الشّعير فَقَالَ لَهُ الطوسي
هَذَا مَا يَقُوله إِلَّا من لَا يعرف وَإِلَّا على قد نقل عَنهُ أَنه أدّى زَكَاة أَرْبَعِينَ ألف دِينَار وَكَانَ كثير المَال وَله نعمه وَإِنَّمَا المبغضون لَهُ يَقُولُونَ هَذَا فَقَالَ لَهُ أستاذ الدَّار فَكيف مدح عَليّ بإيثاره بِخبْز الشّعير وبصدقته بالخاتم فَقَالَ هَذَا كَانَ فِي ابْتِدَاء حَاله وَإِلَّا بعد ذَلِك ملك وَصَارَ لَهُ فَقَالَ لَهُ أستاذ الدَّار
أُرِيد أَقف على هَذَا النَّقْل من قَالَه وَعَمن يَنْقُلهُ فَقَالَ لَهُ سمنديار الْوَاعِظ
إِن هَذَا مَا سمع فَقَالَ ابْن الطوسي
يجوز أَنَّك أَنْت مَا سمعته وطولب ابْن الطوسي بإحضار الْحجَّة فَخرج حِينَئِذٍ وَهُوَ يعْتَقد أَنه يبرهن عَن شَيْء لَهُ فِيهِ مصلحَة
فَلَمَّا خرج عرف أَنه قد خاطر بدمه وَأَن هَذِه تكون من أعظم الْحجَج عَلَيْهِ فَادّعى أَنه قد مرض وَبَقِي أَيَّامًا وأنساهم هَذِه الْحَال فَأنْكر على أستاذ الدَّار كَيفَ سمع مِنْهُ هَذَا وَسكت وَكَيف مَا كلفه أَن يحضر الْحجَّة فِيمَا ذكره عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ على ﵇ وَصَارَ الْأَمر أَكثر من أَن يُوصف وَصَارَ النَّاس يثقلون بالأخبار عَن أهل الْبَيْت ﵈ ويذكرون أَشْيَاء من امور الصَّحَابَة مَالا يُفِيد ذكره لَو ذَكرْنَاهُ حَتَّى نقل عَن ابْن الْجَوْزِيّ الْوَاعِظ أَنه قَالَ
مَا أَكثر مَا يسْأَلُون النَّاس عَن مُعَاوِيَة وَيزِيد ويكلفونني شرح أَحْوَالهم مَا يكتفون مني فِي هَذِه الْأَيَّام أنني أرجم لَهُم أَبَا بكر وَعمر وَأَنا مخاطر وَكَانَ النَّاس فِي يَوْم عَاشُورَاء يهجرون الْأَسْوَاق ويعلنون بالنوح على أهل الْبَيْت ﵈ والإنشاد لَا سِيمَا فِي نَاحيَة المختارة ومحلة الكرخ وَهَذَا غلط من ابْن المارستانية وَكَانَت واقعته فِي سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ سنذكرها إِن شَاءَ الله تَعَالَى
[ ١٢٢ ]
وفيهَا بذل مَسْعُود بن جَابر الَّذِي كَانَ خَازِن المخزن وحاجبا بَين يَدي ابْن الْعَطَّار عشرَة آلَاف دِينَار ليَكُون صَاحب المخزن الْمَعْمُور وَكَانَ أستاذ الدَّار قد تغير عَليّ ابْن شبيب صَاحب المخزن فَتقدم بِالْقَبْضِ على ابْن شبيب وَالتَّوْكِيل بِهِ فِي دَاره وترتيب مَسْعُود بن جَابر صَاحب المخزن ولقب فَخر الدّين وَتقدم إِلَيْهِ أَن يسكن فِي دَار ابْن الْعَطَّار الَّتِي هِيَ مُقَابلَة لباب الْحرم الشريف وخلع عَلَيْهِ فِي دَار أستاذ الدَّار والمشرف عَلَيْهِ ابْن رزين وَكَانَ يَوْمئِذٍ وَكيل الْخدمَة الشَّرِيفَة يشْهد عَلَيْهِ فِي بيع الْأَمْلَاك وشرائها ويستأذن فِي تَزْوِيج المماليك الْخَواص وَيشْهد عَلَيْهِ فِي الْعتْق كل ذَلِك عَن الْخدمَة الشَّرِيفَة النَّبَوِيَّة الإمامية الناصرة لدين الله تَعَالَى
وفيهَا مَاتَ الْأَمِير أَبُو مَنْصُور أَخُو النَّاصِر لدين الله وغسله الْعدْل بن الْحَرَّانِي وَأخذ سلبه يحيى الْفراش فَكَانَ من جملَة مَا أَخذ مِنْهُ أثاث وقماش وَفِضة يُسَاوِي عشرَة ألف دِينَار وَكَانَ من جملَة ذَلِك مُسْند زركش وطراحة زركش بِأَلف دِينَار وَجَمِيع مَا اسْتعْمل فِي غسله من طاسة فضَّة وطست فضَّة وَغير ذَلِك وَكَانَ يَوْم مَوته يَوْمًا مشهودا عَظِيما وَلم يتَأَخَّر أحد من أَرْبَاب الدولة وَغَيرهم من كبار أهل بَغْدَاد إِلَّا وَحضر إِلَى الدَّار العزيزة
وَكَانَت أَيْضا مَاتَت العباسة إِحْدَى جِهَات المستضئ بامر الله وخلفت أَمْوَالًا كَثِيرَة وَبيع مَا كَانَ لَهَا من جهاز وأثاث بديوان الْأَبْنِيَة وَأخرج لَهَا ثوب كَبِير الأكمام بلؤلؤ كبار وقبقاب أَيْضا عَلَيْهِ لُؤْلُؤ ومداس لُؤْلُؤ وَكَانَ المتولى لهَذِهِ الْأَمْوَال أستاذ الدَّار ابْن الصاحب لم يُشَارِكهُ أحد فِي ذَلِك سوى يحيى الْفراش فَيَأْخُذ ابْن الصاحب مَا يُرِيد وَيُعْطِي ليحيى مَا يُرِيد والخليفة مَشْغُول بمتنزهاته وصيده وَكَانَ ابْن يُونُس أَبُو المظفر هبة الله نَائِب أستاذ الدَّار ابْن الصاحب فِي ديوَان الْأَبْنِيَة وَجَمِيع هَذِه الْحَال يعلمهَا
[ ١٢٣ ]
وَهُوَ يَكْتُبهَا عِنْده ويعده لوقت الْحَاجة ويجعله طَرِيقا إِلَى قتل أستاذ الدَّار وأستاذ الدَّار لَا يعلم بذلك
وفيهَا تقدم أستاذ الدَّار ابْن الصاحب إِلَى قَاضِي الْقُضَاة ابْن الدَّامغَانِي أَن يُطَالب عماد الدّين بن رَئِيس الرؤساء بِمَال إخْوَته الْأَيْتَام فطالبه وأحضره وحبسه ثمَّ سَأَلَ الْعِمَاد أَن ينظر مُدَّة شَهْرَيْن إِلَى أَن يحصل المَال وَكَانَ أستاذ الدَّار العزيزة يُرِيد هَلَاكه فنفذ إِلَيْهِ ابْن البُخَارِيّ نَائِب الوزارة ابْن التعاويذي الشَّاعِر وَكَانَ يَوْمئِذٍ يَنُوب عَن ابْن البُخَارِيّ فِي إقطاعه وَهُوَ صَاحبه قبل الْولَايَة وَكَانَ ابْن التعاويذي غُلَام بَيت رَئِيس الرؤساء وشاعرهم وبهم عرف وَقَالَ لَهُ
قل لعماد الدّين يَقُول لَك ابْن البُخَارِيّ خُذ لنَفسك وَأبْصر لأمرك فَأَنت هَالك فَإِن أستاذ الدَّار مَا قَصده إِلَّا نَفسك وَقد جعل المطالعة بِمَال الْأَيْتَام طَرِيقا إِلَى إِتْلَاف نَفسك وَقد نَصَحْتُك
فَاعْتقد عماد الدّين بن رَئِيس الرؤساء أَن ابْن البُخَارِيّ قد نصحه بذلك وَلم يكن ذَلِك نصحا بل نفذ أستاذ الدَّار إِلَى ابْن البُخَارِيّ وَقَالَ لَهُ راسل عماد الدّين بِكَذَا وَكَذَا بِحَيْثُ يهرب إِلَى جِهَة من الْجِهَات وَيعرف الْخَلِيفَة أَنهم مَا يقدرُونَ يرَوْنَ زَمَانا هُوَ فِيهِ خَليفَة وَأَنه مَتى هرب وَاحِد مِنْهُم انقلع الْبَيْت جَمِيعه
وَأَن ابْن رَئِيس الرؤساء أَخذ هَذَا الْكَلَام بِظَاهِرِهِ وَرَآهُ نصحا فَخرج على وَجهه هَارِبا وَعَلِيهِ صدرة خام وَتَحْته أتان وَفِي رجلَيْهِ نَعْلَانِ من صوف وَمَعَهُ رجل صوفي يَخْدمه وَلم يعلم بِهِ أحد حَتَّى صَار فِي بِلَاد الشَّام واعتصم بِالْملكِ النَّاصِر صَلَاح الدّين
[ ١٢٤ ]
وفيهَا هرب جمال الدّين خشترين من الْموصل وَجَاء إِلَى بَغْدَاد وَمَعَهُ حُدُود ثَلَاثمِائَة فَارس ببرك جميل وتجمل زَائِد فَوقف عِنْد الكشك الْجَدِيد عِنْد ظَاهر السُّور وَنفذ صاحبا لَهُ يطْلب رجلا متفقها من أهل حماة كَانَ يلوذ فِي تِلْكَ الْأَيَّام باستاذ الدَّار ابْن الصاحب فَلَمَّا جَاءَ إِلَيْهِ عرفه
أَن جمال الدّين خشترين قد هرب من أهل الْموصل وَقد التجأ بالعتبة الشَّرِيفَة النَّبَوِيَّة وَهُوَ يطلبك فَقَالَ الْحَمَوِيّ
مَا أقدر أمضى مَعَك إِلَّا بِإِذن من أستاذ الدَّار فَقَالَ لَهُ
افْعَل وَمضى وعرفه وُصُول الْمَذْكُور واستأذنه فِي الْخُرُوج إِلَيْهِ فَخرج إِلَيْهِ
فَلَمَّا رأى الْمَذْكُور ترجل لَهُ وترجل لَهُ خشترين وَسلم عَلَيْهِ وَسَأَلَهُ كَيفَ كَانَ الْمُوجب فَقَالَ إِنَّنِي كنت فِي السّنة الخالية يَعْنِي سنة ثَمَان وَسبعين قد وصلت إِلَى بَغْدَاد فِي خدمَة أتابك صَاحب الْموصل لما تَوَجَّهت إِلَى الْحَج وَمَعِي جمَاعَة من الْأُمَرَاء وَكنت كثير الِاجْتِمَاع بك وَكتب الْأُمَرَاء الَّذين كَانُوا معي إِلَى الْموصل يَقُولُونَ لمجاهد الدّين الْخَادِم الَّذِي فِي الْموصل أَن ختشترين قد قرر أمره فِي بَغْدَاد وَأَن الْوَاسِطَة بَينه وَبَين أستاذ الدَّار رجل من أهل حماة فأرادوا الْقَبْض عَليّ وَأخذ مَالِي فهربت مِنْهُ وَقد أتيت إِلَى هَاهُنَا على عزم الْخدمَة بالديوان الْعَزِيز فَمضى الْحَمَوِيّ إِلَى أستاذ الدَّار وعرفه بِهَذِهِ الْحَال فَتقدم أستاذ الدَّار إِلَى الْحَمَوِيّ بِأَن يمْضِي إِلَى خشترين وَيَقُول لَهُ قد رسم أَن تضرب خيمك ظَاهر سور بَغْدَاد على شاطئ دجلة حَتَّى يعين لَك مَوضِع ونستأذن الْخَلِيفَة فِي معناك فَأنْزل عِنْد جَامع السُّلْطَان ظَاهر السُّور وَتقدم لحمل إِقَامَة كَبِيرَة إِلَيْهِ فَحملت على يَد الْحَمَوِيّ
فَلَمَّا مضى ثَلَاثَة أَيَّام سَأَلَ خشترين أَن يدْخل الْبَلَد وَأَن يقبل الأَرْض بِبَاب النوبى وَأَن يدْخل إِلَى الدِّيوَان الْعَزِيز فَأخْرج إِلَيْهِ الْحَاجِب على صَاحب
[ ١٢٥ ]
شمس الدّين الركاب سلار صَاحب الْخَلِيفَة وَالْمُتوَلِّيّ لديوان الْبَرِيد وَحَدِيث من يصل من الجوانب فَقَالَ لَهُ الصاحب مجد الدّين أستاذ يسلم عَلَيْك وَيَقُول قد أذن لَك أَن تحضر إِلَى الدِّيوَان فِي غَدَاة غَد وَأما تَقْبِيل العتبة الشَّرِيفَة فمالك بذلك حَاجَة لِأَن الرُّسُل يقبلُونَ الْبَاب الشريف نِيَابَة عَن مرسلهم وَأَنت عَمَّن تقبل هَذِه العتبة قد أعفيناك عَن هَذَا ثمَّ مضى من عِنْده وَأصْبح فِي ذَلِك الْيَوْم الَّذِي تقدم إِلَيْهِ فِيهِ أَن يحضر وَلبس قبَاء أَحْمَر بباولي نَسِيج من ثِيَاب أتابك صَاحب الْموصل وَركب مَعَه جماعته بالأعلام المنشورة والبيارق وَمَعَهُ خادمان وَدخل فِي جمَاعَة وَمَعَهُ الْحَمَوِيّ إِلَى الدِّيوَان الْعَزِيز وَفِيه النَّائِب ابْن البُخَارِيّ
فَلَمَّا وصل إِلَى الدِّيوَان وَدخل تقدم إِلَيْهِ
أَن اجْلِسْ على طرف الإيوان الَّذِي فِيهِ مُسْند الوزارة سَاعَة ثمَّ أذن لَهُ بِالدُّخُولِ إِلَى نَائِب الوزارة فَقَامَ وَدخل إِلَى السّتْر الأول فَمنع جَمِيع من كَانَ مَعَه وَدخل هُوَ والحموي فَحسب وَكَانَ النَّائِب جَالِسا فِي الدِّيوَان فِي حجرَة الصَّلَاة الَّتِي على بَاب بَيت الْجَيْش وَعِنْده صَاحب الْحجاب شمس الدّين بن جَعْفَر فَجَذَبَهُ جمال الدّين بِيَدِهِ إِلَى الأَرْض ثَلَاث مَرَّات فَلَمَّا قَارب أَن يصعدوا للصفة قَالَ لَهُ النَّائِب
مرْحَبًا بِجَمَال الدّين وتحرك إِلَيْهِ فتحول وَجلسَ جمال الدّين خشترين فَقَالَ لَهُ النَّائِب
كَيفَ كنت فِي هَذِه الْحَرَكَة فَقَامَ وخدم فَقَالَ لَهُ
طب نفسا ثمَّ أخلا لَهُ الْمجْلس وَلم يبْق مَعَه سواهُ فَحسب وَخرج الْحَمَوِيّ مَعَ الْجَمَاعَة ثمَّ قَالَ لَهُ
مَا يُرِيد الْأَمِير فَذكر لَهُ حَاله مَعَ أهل الْموصل وَأَنَّهُمْ أَرَادوا قَبضه وَلم يكن السَّبَب إِلَّا محبتي للديوان الْعَزِيز مجده الله تَعَالَى
فَقَالَ لَهُ النَّائِب هَذَا قد عَرفْنَاهُ نُرِيد أَن تعرفنا كم كَانَ لَك عِنْد صَلَاح الدّين وَلم فارقته وَكَيف تُرِيدُ تكون عندنَا بِحَيْثُ نطالع
[ ١٢٦ ]
الْخَلِيفَة خلد الله ملكه وَمهما تقدم بِهِ عمل فَقَالَ لَهُ خشترين لما كنت مَعَ صَلَاح الدّين كَانَ لي عِنْده إقطاع بِمِائَة ألف دِينَار وَعشْرين ألف دِينَار صورية فَقَالَ لَهُ ابْن البُخَارِيّ أيتم أَو يَصح فَقَالَ لَهُ يَصح أَكثر من هَذَا الِاعْتِدَاد فَقَالَ لَهُ يَا أَمِير لأي سَبَب فَارَقت هَذَا الْحَال هَذَا مبلغ كَبِير فَقَالَ غضِبت وَسَببه أنني طلبت مِنْهُ موضعا مَا أَعْطَانِي فَحَلَفت أنني لَا أخدم مَعَه وَأَنا مَا أُرِيد من الْخَلِيفَة هَذَا بل ينعم ويتقدم إِلَيّ أَن أمنع خفاجة من هَذِه الديار وآخذ مَا تأخذونه وأحمل إِلَى الدِّيوَان مِنْهُ وَالْبَاقِي آخذه أَنا وجماعتي وَمَا أُرِيد أَن أَقُول كنت وَلَا كَانَ لي وَالْإِنْسَان ابْن سَاعَته وَأَنا السَّاعَة قد جِئْت فَقَالَ لَهُ النَّائِب هَذَا الْقدر كَبِير هَا هُنَا مماليك الْخَلِيفَة أَرْزَاقهم مقررة بِقدر حَاجتهم حَتَّى إننا نعطيهم من المخزن الْخبز وَاللَّحم وَثيَاب الصَّيف والشتاء بِقدر مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من النَّفَقَة وَهَذَا الْقدر مَا يُمكن أَن يعْطى لأحد عندنَا وَلَو أَن جمال الدّين قد ربى عندنَا مَا كُنَّا نجد بِحقِّهِ لصلاح الدّين أَكثر من أَن يحملهُ إِلَيْهِ يُجَاهد الْكفَّار وَمَعَ هَذَا طيب نَفسك نذْكر هَذَا كُله للخليفة وَمهما تقدم بِهِ عرفتك على لِسَان الْحَمَوِيّ قُم الله مَعَك
فَقَامَ وَلم يَتَحَرَّك لَهُ
فَلَمَّا خرج قَالَ للحموي أما رَأَيْت إِلَى هَذِه الْأَفْعَال نجئ إِلَى صَاحب عِمَامَة لَا يَقُول لنا فَقَالَ هَذَا نَائِب الْخلَافَة لَا يقدر يقوم لأحد إِلَّا بِإِذن فَلَا تغْضب من هَذَا وَلَا تَتَحَدَّث بِهِ ثمَّ خرج من الدِّيوَان وأتى إِلَى دَار أستاذ الدَّار فَجَلَسَ على بَابه سَاعَة ثمَّ خرج الْحَاجِب أَبُو الرِّضَا فاستدعاه فَدخل هُوَ والحموي فَقَامَ أستاذ الدَّار قَائِما واعتنقه وَقَالَ لَهُ
كَيفَ بت وقلبي إِلَيْك وَإِلَى تعبك فَقَالَ لَهُ
يَا مَوْلَانَا قد ضَاقَ صَدْرِي من النَّائِب وَقد قَالَ لي مَا يتحف صَلَاح الدّين بِأَكْثَرَ مِنْك فَقَالَ لَهُ
لَا تقف عِنْد هَذَا لَو أَنَّك عِنْد صَلَاح الدّين
[ ١٢٧ ]
نفذنا أخذناك مِنْهُ أَنْت قد جِئْت إِلَى بلدك ودارك فَلَا تقف مَعَ هَذَا القَوْل ثمَّ أمره بِالرُّجُوعِ إِلَى مخيمه وَقَالَ أَنا أكفيك المؤونة فِي هَذَا كُله فَخرج وَهُوَ فرحان طيب الْقلب من قَول أستاذ الدَّار واغتر بقوله وَكَلَامه كَمَا قَالَ الحريري
هَذَا كَلَام كالصهباء وَفعل كالحصباء وأتى خشترين إِلَى مخيمه وَهُوَ كَبِير الْفَرح وَالسُّرُور بقول أستاذ الدَّار فَلم يزل فِي مخيمه أَيَّامًا وَلَا يرى لذَلِك القَوْل فَائِدَة وَلَا ثَمَرَة وَلم يُخَاطب لَهُ بِقَلِيل وَكثير
وَلما كَانَ بعد أَيَّام نفذ أستاذ الدَّار إِلَى الْحَمَوِيّ أحضرهُ بَين يَدَيْهِ وأحضر الْحَاجِب عليا صَاحب الركاب سلار صَاحب ديوَان الْبَرِيد وَقَالَ لَهُ
تمْضِي أَنْت وَهَذَا وَتَقُولَانِ لهَذَا الْكرْدِي أَنْت تعرف إشفاقي عَلَيْك وأنني أُرِيد مصلحتك وأنني قد رَأَيْت لَك من الْمصلحَة أَن نكتب مَعَك مَكْتُوبًا عَن الْخَلِيفَة يكون مضمونه أَنا سألناه أَن يخْدم الدِّيوَان الْعَزِيز فَلم يفعل وَطلب الْعود إِلَيْك والشفاعة فِي حَقه وَقد تقدم الْخَلِيفَة بِأَن تشرف وينعم عَلَيْك فَمضى الْحَمَوِيّ والحاجب عَليّ إِلَى عِنْد خشترين وعرفاه بقول أستاذ الدَّار فَضَاقَ صَدره لذَلِك وَقَالَ مبارك
فَلَمَّا مضى الْحَاجِب عَليّ قَالَ خشترين للحموي مَا أُرِيد مِنْهُم كتابا وَلَا شَفَاعَة إِلَى صَلَاح الدّين إِن أحب مَا إِلَيْهِ أَن أَعُود إِلَى خدمته وَلَكِن أُرِيد أَن تمْضِي إِلَى أستاذ الدَّار وَتقول لَهُ ينعم عَليّ وَيسْأل الْخَلِيفَة أَن يقبل هديتي حَتَّى أقدم لَهُ قَمِيص زرد وثيابا وخيلا وخادمين وَذكر أَشْيَاء
فَمضى وَعرف أستاذ الدَّار ذَلِك فَكتب بذلك إِلَى الْخَلِيفَة فَكتب إِلَى أستاذ الدَّار يَقُول لَهُ
هَذَا رجل غَرِيب وضيف مَا يجوز أَن تثقل عَلَيْهِ فَلَا تقبل مِنْهُ شَيْئا فَمضى الْحَمَوِيّ وَعرف خشترين ذَلِك فَقَالَ مبارك أَنا أبذل خَمْسَة ألف دِينَار وَأَن ينعم عَليّ بخلعة سَوْدَاء وعمامة سَوْدَاء وَأَن ينعم عَليّ
[ ١٢٨ ]
بكوسات فَمضى الْحَمَوِيّ وَذكر ذَلِك لأستاذ الدَّار فَضَحِك وَقَالَ تَقول لَهُ إِن الَّذِي تُرِيدُ أَن تمْضِي إِلَيْهِ ويشفع إِلَيْهِ فِي حَقك إِذا رأى أَن قد أعطيناك مثل مَا أعطيناه مَا يطيب لَهُ ذَلِك ثمَّ قَالَ للحموي أنكر عَلَيْهِ هَذِه الْحَالة وعرفه الْوَاجِب
فَمضى الْحَمَوِيّ وعرفه الْحَال فَجعل يوبخ نَفسه ويلومها كَيفَ أَتَى إِلَى بَغْدَاد وَقَالَ مَا أقدر أرجع إِلَى الْموصل وَهَذِه طَرِيق لَا أعرفهَا فَقَالَ الْحَمَوِيّ تطلب من أستاذ الدَّار أَن ينفذ مَعَك جمَاعَة من خفاجة يعرفونك الطريف ويمضون مَعَك إِلَى الْبِلَاد الشامية فَقَالَ لَهُ حبا وكرامة فَمضى الْحَمَوِيّ إِلَى أستاذ الدَّار وعرفه الْحَال ثمَّ نفذ بعد أَيَّام إِلَيْهِ بالحاجب على صَاحب شمس الدّين الركاب سلار وَمَعَهُ حَاجِب من حجاب الدِّيوَان الْعَزِيز يعرف بتاج الدولة بن أبي حَرْب ومعهما كتاب مختوم لَا يعلم مَا فِيهِ سوى أَنَّهُمَا قَالَا إِنَّه شَفَاعَة من الدِّيوَان الْعَزِيز إِلَى صَلَاح الدّين فِي حَقك فَقُمْ وَقبل الأَرْض فَقَامَ وَقبل الأَرْض ثمَّ قَالَ لَهُ الْحَاجِب خُذ هَذَا الْكتاب وَقَبله واتركه على رَأسك فَفعل
ثمَّ أخرج لَهُ من خرقَة قبَاء أطلس أَحْمَر وقلنسوة زركش فَقَامَ ولبسهما ثمَّ أَعْطوهُ نَفَقَة مبلغها مائَة دِينَار وَخمْس خلع لأَصْحَابه وَقيل لَهُ هَذَا برسم نَفَقَة الطَّرِيق وَقد تقدمنا إِلَى ثَلَاثَة أُمَرَاء من خفاجة يمضون فِي خدمتك إِلَى مَوضِع تخْتَار وتكتب مَعَهم تعرفنا إِلَى أَيْن وصلوا مَعَك ثمَّ أَمر لَهُ بسفن عبر بهَا إِلَى الْجَانِب الغربي فَأَقَامَ أَيَّامًا ثمَّ جَاءَت الْأُمَرَاء من خفاجة ورحل من بَغْدَاد على طَرِيق الْبَريَّة وَكَانَ حَيْثُ وصل إِلَى بَغْدَاد مَعَه طير يُسمى الزاع وَهُوَ الْغُرَاب الصَّغِير وَكَانَ خشترين إِذا مد الطَّبَق ينزل هَذَا الطير من رَأس الْخَيْمَة وَكَانَ قد رباه خشترين وألفه فَكَانَ مَعَهم يطير على رُؤُوس الأجناد وَإِذا تَعب نزل على بعض الْجمال
[ ١٢٩ ]
فَلَمَّا توجه إِلَى الشَّام وَمَعَهُ أُمَرَاء خفاجة أوصلوه قَرِيبا من حمص وفارقوه بعد مَا خلع عَلَيْهِم وَأكْرمهمْ وسألوه أَن يعطيهم الْغُرَاب فَأَعْطَاهُمْ إِيَّاه فجعلوه فِي قفص فَلَمَّا رجعُوا إِلَى جِهَة الْعرَاق طَار الطَّائِر من القفص وَمضى فَلَمَّا وصل خشترين إِلَى ثية الْعقَاب مَا أحس إِلَّا والطائر قد سقط عَلَيْهِ وَنزل على بعض جمال الرجل فتعجب من ذَلِك وَكتب بِهَذِهِ الْحَال إِلَى الْحَمَوِيّ فَأَعْرض كِتَابه على أستاذ الدَّار فتعجب من ذَلِك
وفيهَا مَاتَ فَخر الدولة بن الْمطلب وَكَانَ رجلا صَالح أوحد زَمَانه وَكَانَ مَعَ ذَلِك زاهدا كثير الْعِبَادَة وَكَانَ يعْتَكف نصف السّنة لَا يخرج إِلَى أحد وَلَا يجْتَمع بِأحد وَكَانَ كثير المَال والأملاك والضياع وَعمر مدرسته الْمَعْرُوفَة بدار الذَّهَب وَسلمهَا إِلَى جمال الدّين بن فضلان الشَّافِعِي وأوقف عَلَيْهَا وَقفا حرا مَا يكون محصوله فِي كل سنة ألفا وَخَمْسمِائة دِينَار إمامية وَعمر رِبَاطًا للصوفية مجاورا لمدرسته وأوقف عَلَيْهِ جملَة كَثِيرَة وَعمر جَامعا كَبِيرا فِي الْجَانِب الغربي من مَدِينَة السَّلَام وَغرم عَلَيْهِ حدودا من ثَلَاثِينَ ألف دِينَار وأوقف عَلَيْهِ وقوفا كَبِيرَة وَجعل الْولَايَة وَالْوَصِيَّة إِلَى جلال الدّين بن البُخَارِيّ نَائِب الوزارة وأوقف عدَّة نواحي وبساتين على ابْنَته وَلم يكن لَهُ ولد سواهَا وَشرط عَلَيْهَا إِن تزوجت لَا تسْتَحقّ شَيْئا من هَذَا الْوَقْف وأكد الْوَصِيَّة إِلَى نَائِب الوزارة بذلك وَحمل إِلَى جَامع الْقصر وَتقدم الْخَلِيفَة بفتحه لَهُ لِأَن جَامع الْقصر لَا يفتح لمَيت إِلَّا بِإِذن شرِيف وَحضر جَمِيع أَرْبَاب الدولة ونائب الوزارة وأستاذ الدَّار إِلَى الْمَقْصُورَة الشَّرِيفَة الَّتِي يُصَلِّي فِيهَا الْوَزير وَكَانَ أستاذ الدَّار وَاقِفًا فوقا
[ ١٣٠ ]
من النَّائِب وَهَذِه الْحَال لم تكن لأحد مِمَّن تقدم من أستاذية الدَّار أَن يترفع على نَائِب وزارة إِلَّا هَذَا لكَون الْمَذْكُور كَانَ غُلَامه واختياره ونائبه وَصلى عَلَيْهِ الشَّيْخ أَبُو طَالب الْمُبَارك صَاحب ابْن الْخلّ وَحمل إِلَى الْجَانِب الغربي من بَغْدَاد وَدفن فِي جَامعه على الطَّرِيق من وَرَاء شباك الْجَامِع الْمَذْكُور
وَكَانَ النَّاس بِبَغْدَاد يتأسفون عَلَيْهِ شاكرين لطريقته وَحسن سيرته وإعراضه عَن الدُّنْيَا بعد أَن أَقبلت عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كلف أَن يكون وزيرا مرَارًا وَكَانَ ﵀ حسن الِاعْتِقَاد كَبِير الإمدادات لأرباب البيوتات وَكَانَ كَبِير والخشونة فِي الْخطاب لأرباب الدولة حَتَّى إِنَّه حكى عَنهُ أَنه كَانَ عِنْده يَوْمًا وَقد دخل إِلَيْهِ نقيب النُّقَبَاء على الهاشميين يُقَال لَهُ ابْن الروال وَكَانَ يلقب بأمين الدّين فعثر فِي ثَوْبه فَقَالَ لَهُ فَخر الدولة أَرض دَاري تأبى أَن تدوسها أَو تجئ إِلَيْهَا وَأَنت مَا تَنْقَطِع وَكَانَ يعرف ذَلِك مِنْهُ ويحتمله
وَذكر أَيْضا أَنه كَانَ عِنْده وَقد حضر زعيم الدّين بن النَّاقِد وَهُوَ حِينَئِذٍ نَاظر الْخَاص وَكَانَ قبل ذَلِك حَاجِب الْبَاب فَسلم عَلَيْهِ وَأخذ يشكو من الْوَقْت وضيقته فَقَالَ لَهُ
وَالله لَو أَن الخيوط الَّتِي فِي رَأسك تعْمل سلسلة فِي الجسر لبقى ألفي سنة من شدَّة حماقتك وَإِلَّا لَو بِعْت هَذَا المقيار الذَّهَب وَالثيَاب الَّذِي عَلَيْك والمماليك وَالْخَيْل ولبست جُبَّة صوف وقنعت وأزلت هَذَا الْحمق عَنْك مَا كنت تحْتَاج إِلَى هَذِه الشكوى وَلَكِن دُخان المشاعل ورائحة الشمع إِذا تعلق بِأم الدِّمَاغ لَا يُزِيلهُ إِلَّا مَا تعلم وَكَانَ هَذَا بِمحضر من جمَاعَة
وَكَانَ ابْن النَّاقِد هَذَا زعيم الدّين ذَا منزلَة عَظِيمَة وَصَارَ صَاحب مخزن
[ ١٣١ ]
وَولده هُوَ الْمَوْجُود شرف الدّين وَهُوَ صَاحب المخزن يَوْمئِذٍ وَمَا كَانَ يقدر أحد من أَرْبَاب الدولة وَلَا غَيرهم يَقُول لَهُ هَذَا القَوْل من شدَّة تكبره على أهل بَغْدَاد وَكَانَ يَقُول فِي فَخر الدولة أَضْعَاف هَذَا وَلَا يثقل عَلَيْهِ
وَكَانَ فَخر الدولة مَقْبُول القَوْل ذَا حُرْمَة عَظِيمَة وَكَانَ الْخَلِيفَة أدام الله ظله يقعده بَين يَدَيْهِ ويحدثه وَلَا يجلس عِنْده أحد وَكَانَ يكْتب على رَأس رقعته إِلَيْهِ الْخَادِم الدَّاعِي وَيكْتب على رَأس رقْعَة أستاذ الدَّار وَالِده وَكَانَ لَا يمْضِي إِلَى أحد جملَة إِلَّا إِلَى الْخَلِيفَة فَحسب وَمَا كَانَ يتَخَلَّف عَن خدمته أحد من أَرْبَاب الدولة وَكَذَلِكَ جَمِيع أَرْبَاب الْعلم وَالْأَدب والتصوف وَسَائِر طَبَقَات النَّاس
وفيهَا تقدم الْخَلِيفَة بإحضار شيخ الشُّيُوخ بَين يَدَيْهِ إِلَى التَّاج الشريف فَلَمَّا حضر قَالَ لَهُ اقعد فخدم وَلم يفعل فَقَالَ لَهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ يَا شيخ لَو قلت لَك وَأَنت قَاعد قُم كَانَ يجوز لَك أَن لَا تفعل فخدم وَجلسَ بَين يَدَيْهِ فَأَشَارَ إِلَيْهِ أَن يمْضِي رَسُولا إِلَى صَلَاح الدّين وَكَانَت هَذِه الْحَال من جَانب أستاذ الدَّار ليتشفع إِلَيْهِ فِي حق صَاحب الْموصل والكف عَنْهُم لِأَن أستاذ الدَّار كَانَ كَبِير الْميل إِلَى صَاحب الْموصل فَقَالَ شيخ الشُّيُوخ السّمع الطَّاعَة
فَلَمَّا انْفَصل من عِنْده خدم وَخرج فنفذ إِلَيْهِ كل مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من خيم وخيل وبرك وبغال وفراشين وغلمان ومحفة وَأطلق لَهُ ذَهَبا كثيرا للنَّفَقَة فَكتب يستعفى من ذَلِك فَتقدم إِلَيْهِ بالتوجه وَتقدم أَيْضا إِلَى بشير الْخَادِم أَن يمْضِي فِي خدمته فَتوجه وَمَعَهُ جمَاعَة من أَصْحَابه الصُّوفِيَّة وَولده عز الدّين وَكَانَ حَاجِبه زين الدّين الْقزْوِينِي واستخلف بالرباط وَلَده الأسن نَاصِر الدّين وَكَانَ أحسن النَّاس صُورَة وَمضى على ذَلِك مُدَّة يسيرَة ثمَّ رَجَعَ فَأمر الْخَلِيفَة بِإِخْرَاج الموكب إِلَى خدمته
[ ١٣٢ ]
وتلقيه وَأَن يخرج إِلَيْهِ قَاضِي الْقُضَاة ويلقاه أَيْن كَانَ وَلَا يُرَاعِي مَعَه قَاعِدَة فالمقصود إكرامه فنفذ نَائِب الوزارة إِلَى قَاضِي الْقُضَاة وعرفه ذَلِك وَأَن يركب مَعَه صندل الْخَادِم وجمال الدولة إقبال وَجَمِيع الْحجاب وَخرج مَعَ قَاضِي الْقُضَاة جمَاعَة من الْعُدُول عَلَيْهِم اللبَاس الْأسود
وَسَار الموكب الشريف وَمَعَهُمْ المماليك الْخَاص وَجَمَاعَة الْأُمَرَاء الْكِبَار وَعبر الْعَسْكَر أَيْضا مَعَهم إِلَى الْجَانِب الغربي إِلَى قَرْيَة الشّحْنَة فَلَمَّا وصلوا إِلَى رَأس السويقة وقف قَاضِي الْقُضَاة فَقَالَ لَهُ عماد الدّين صندل
مَا هَذَا الْوُقُوف هَا هُنَا نَحن قد رسم لنا أَن نمضي إِلَى خدمَة الرجل أَيْن كَانَ فَقَالَ
أَنا مَا أتجاوز هَذَا الْموضع خطْوَة وَهَاهُنَا الْعَادة لتلقى الرُّسُل وموكب الْخَلِيفَة دَامَ ظله لَا يجوز أَن يتَجَاوَز أَكثر من هَذَا الْموضع فَقَالَ لَهُ يَا سيدنَا أَنْت تَقول هَذَا والخليفة هُوَ صَاحب الْأَمر قد تقدم إِلَى نَائِب الوزارة بِهَذَا فَقَالَ
أَنا مَا أتجاوز هَذَا فَبَيْنَمَا هما فِي المحاورة والتجاذب وَإِذا بشيخ الشُّيُوخ قد أقبل فتحدر إِلَيْهِ من الْمَكَان الَّذِي كَانُوا فِيهِ لأَنهم كَانُوا على نشز من الأَرْض فسلضم على شيخ الشُّيُوخ الأول فَالْأول إِلَى أَن جَاءَ جمال الدولة إقبال فَسلم عَلَيْهِ وتعانقا على الْخَيل ثمَّ تَأَخّر عَنهُ وَجَاء صندل فَفعل كَذَلِك وَجَاء قَاضِي الْقُضَاة فَسلم أَيْضا واعتنقه وَعَاد رَاجعا إِلَى بَغْدَاد فَقَالَ لَهُ صندل إِلَى أَيْن فَقَالَ نمضي رسم لنا أَن نتلقاه وَقد لَا قيناه وَسلمنَا عَلَيْهِ فَقَالَ إيش هَذَا الْفِعْل أَنْت تعرضنا للهلاك هَذَا هُوَ الْعَادة فِي تلقي الرُّسُل وَكَذَا عَادَة الموكب الشريف تُرِيدُ تتْرك وَتقول كَلِمَات مَا جرت بِمِثْلِهَا الْعَادة وَتَكون أَنْت وَاقِفًا وَالرجل على الأَرْض فَقَالَ لَهُ قَاضِي الْقُضَاة أَنا مَا يجْرِي مجراي أحد وَلَا يجوز لي أَن أَقُول إِلَّا مَا يُقَال لي وَإِنَّمَا
[ ١٣٣ ]
مَا قيل لي شَيْء إِنَّمَا قيل لي تلق شيخ الشُّيُوخ وَقد لَقيته فَقَالَ الْجَمَاعَة
لَا تفعل تهْلك هَذَا مَا يرضى بِهِ الْخَلِيفَة
وَكثر القَوْل فِي ذَلِك وَالنَّاس على طبقاتهم قيام فَقَالَ قَاضِي الْقُضَاة
مبارك أنزل إِلَيْهِ وَأَقُول لَهُ كَمَا جرت الْعَادة أَن يُقَال فَقل لَهُ ينزل قبلي حَتَّى أنزل إِلَيْهِ فَمضى ابْن السلماسي الْحَاجِب وَجَمَاعَة من الْحجاب الْكِبَار فَقَالَ لشيخ الشُّيُوخ قد اسْتَقر أَن تنزل حَتَّى ينزل قَاضِي الْقُضَاة فَقَالَ لَهُ أَنا مَا أنزل وَمَا تقدم بِإِخْرَاج الموكب الشريف إِلَّا لاجلي وإكراما لي مَا كنت أَنا أُرِيد هَذَا وَمَا ينزل إِلَّا هُوَ فجَاء ابْن الْمُعْتَمد الْحَاجِب وَقَالَ لقَاضِي الْقُضَاة مَا ذكره شيخ الشُّيُوخ وَقَالَ أَنا مَا أنزل وَكثر الحَدِيث فَمضى إِلَى شيخ الشُّيُوخ وَقَالَ
قد افتضحنا وَالنَّاس يَضْحَكُونَ علينا وأنتما صَدرا هَذِه الْأمة من جَانب الشَّرْع وَالدّين كَيفَ يسمع هَذَا عنكما وَبَالغ فِي القَوْل وَقرر أَن ينزلا مَعًا من غير أَن يتَقَدَّم أَحدهمَا على الآخر
وَمضى ابْن السلماسي الْحَاجِب إِلَى عِنْد شيخ الشُّيُوخ يعضده وينزله وَمضى ابْن الْمُعْتَمد إِلَى قَاضِي الْقُضَاة يعضده وَالنَّاس ينظرُونَ إِلَيْهِمَا والخدم أَيْضا والمماليك والأمراء مَعًا
فَلَمَّا نزل شيخ الشُّيُوخ وَسَار على الأَرْض رَجَعَ قَاضِي الْقُضَاة وَترك رَحْله فِي الركاب واستوى رَاكِبًا فَرَآهُ شيخ الشُّيُوخ فَقَالَ هَذِه كَانَت حِيلَة مبارك حسن أَنا أمضي إِلَى بَين يَدي مركوبه وَجَاء مسرعا إِلَى بَين يَدي بغلة قَاضِي الْقُضَاة ووقف هُوَ وَشَيخ الشُّيُوخ وَالنَّاس ينظرُونَ مَا يَقُول قَاضِي الْقُضَاة فَقَالَ أَمر بِإِخْرَاج الموكب الشريف لتلقيك يَا شيخ الشُّيُوخ إِكْرَاما لَك فتقابل مَا شملك من الإنعام بتقبيل الرغام وَالله الْمُوفق للإتمام وَلم يذكر سوى هَذَا وَركب وَالنَّاس بأسرهم ركبُوا تبعا لَهما وَجَاء الموكب إِلَى بَاب الْحُجْرَة الشَّرِيفَة وَاسْتَأْذَنَ الْخَلِيفَة فَخرج إِلَيْهِ مُجَاهِد الدّين خَالص فَأذن لَهُ وَكَانَ أستاذ الدَّار هُنَاكَ فَدخل وَجلسَ على كرْسِي بَين يَدي
[ ١٣٤ ]
الْخَلِيفَة وَشرح لَهُ جَمِيع مَا جرى فِي رسَالَته وَأطَال وَالنَّاس يترقبون خُرُوجه ويرجفون على قَاضِي الْقُضَاة ابْن الدَّامغَانِي بِالْعَزْلِ لكَونه عرض الموكب الشريف إِلَى ضحك الْعَوام وَكَيف أَنه آذَى قلب شيخ الشُّيُوخ مَعَ مكانته من الْخَلِيفَة فَخرج شيخ الشُّيُوخ وَمضى إِلَى رباطه وَلم يجر شَيْء فنفذ ابْن البُخَارِيّ وَأنكر على قَاضِي الْقُضَاة فعله فَركب قَاضِي الْقُضَاة بعد يَوْم وَجَاء إِلَى شيخ الشُّيُوخ وَهُوَ فِي رباطه وهنأه بمقدمه وَقَالَ لَهُ إِن أستاذ الدَّار والنائب قد اتفقَا على عزلي ويريدون أَن يجْعَلُوا لي حجَّة وَتَقولُوا للخليفة فَلَمَّا خرجت إِلَى خدمتك كنت كثير الْخَوْف من أَن أعمل مَا لَا يجوز فَيكون هُوَ الطَّرِيق لَهُم وَلَا بُد من إنعامك فِي أَن تعرف الْخَلِيفَة هَذِه الْحَال وَلَا يكون عنْدك مِنْهَا شَيْء فَقَالَ
لَا وَالله أَنْت عِنْدِي مَعْذُور وَحضر أَرْبَاب الدولة يهنئون شيخ الشُّيُوخ بمقدمه سوى أستاذ الدَّار وَابْن البُخَارِيّ فَإِنَّهُمَا لَا يقدران أَن يمضيا إِلَى أحد جملَة وَكَانَ الْخَلِيفَة قد أَمر بِأَن لَا يعْتَرض أحد اعْتصمَ برباط شيخ الشُّيُوخ وَلَو كَانَ عَلَيْهِ المَال وَالدَّم وَكَانَ قد اعْتصمَ بِهِ جمَاعَة من أَوْلَاد رَئِيس الرؤساء وَجَمَاعَة من أَوْلَاد ابْن الْعَطَّار وَابْن القبيبى حَاجِب ابْن رَئِيس الرؤساء الْوَزير
وفيهَا مَاتَ سديد الدولة ابْن الْأَنْبَارِي كَاتب الْإِنْشَاء وَفتح لَهُ جَامع الْقصر للصَّلَاة عَلَيْهِ وَمَا تخلف أحد من أَرْبَاب الدولة خدمَة لأستاذ الدَّار وَصلى عَلَيْهِ الشَّيْخ أَبُو طَالب بن الْخلّ وَحمل إِلَى مشْهد مُوسَى بن جَعْفَر على ساكنه السَّلَام وَتقدم إِلَى أبي غَالب بن الْخلال مشرف الدِّيوَان أَن يكْتب إِلَى الْأَطْرَاف وَلم يكن عَالما بالإنشاء بل كَانَ خطه جيدا وَتقدم إِلَى ابْن البُخَارِيّ وَإِلَى شمس الدّين بن السَّرخسِيّ أَن يتَّفقَا على نسخ الْكتب إِلَى الْأَطْرَاف وتنفذ إِلَى ابْن الْخلال ليكتبها وَلَا يُكَلف سوى الْخط
[ ١٣٥ ]
وَلَا يتَصَرَّف فِي حرف وَاحِد فَتقدم إِلَيْهِ بذلك
وَكَانَ موت سديد الدولة ابْن الْأَنْبَارِي فِي ذِي الْحجَّة من السّنة