كَانَ شيخ الشُّيُوخ جَالِسا على الطَّبَق مَعَ الصُّوفِيَّة وَقت الْإِفْطَار فَجَاءَهُ بعض الصُّوفِيَّة وساره فِي أُذُنه على الطَّعَام فَسجدَ سَجْدَة طَوِيلَة ثمَّ رفع رَأسه وَأكل مَعَ الصُّوفِيَّة إِلَى أَن استوفوا الطَّعَام على جاري عَادَتهم ثمَّ تقدم إِلَى خَادِم الصُّوفِيَّة بإحضار حلوى فأحضرت فَلَمَّا علم أَن النَّاس قد قضوا حَاجتهم من الطَّعَام والحلوى قَالَ
عَن إذنكم فَإِن وَلَدي قد مَاتَ فَلَمَّا كَانَ صَبِيحَة ذَلِك الْيَوْم شرع فِي تَجْهِيزه وغسله وتكفينه وَهُوَ جَالس فِي وسط النَّاس يتحدث على جاري عَادَته ويضحك مَعَ النَّاس وتعجب النَّاس من صبره وَحسن طَرِيقَته
وَتقدم الْخَلِيفَة إِلَى أستاذ الدَّار بإنفاذ جَمِيع الْقُرَّاء إِلَى رِبَاط شيخ الشُّيُوخ لحضور موت وَلَده وَأَن يمضوا مَعَ الْأُمَرَاء والمماليك الْخَاص وَكَانَ يَوْمًا مشهودا
وفيهَا تقدم الْخَلِيفَة بعمارة دَار الْفلك وَكَانَ الْفلك رجلا ضريرا معنى وَكَانَ قد مَاتَ فِي أَيَّام الدولة المستضيئة سقى الله عهودها الرضْوَان وَكَانَ يلقب بالفلك وَكَانَ مِمَّن يحاضر الإِمَام المستضئ بِأَمْر الله فَلَمَّا مَاتَ لم يكن لَهُ وَارِث إِلَّا بَيت المَال فَأمر الْخَلِيفَة صلوَات الله عَلَيْهِ فِي أَيَّامه بعمارة دَار الْفلك الضَّرِير فوطئت أرْضهَا ودكت وَأمر بِحُضُور ابْن العويلة وأستاذ الدَّار
[ ١٧٥ ]
إِلَى هَذِه الدَّار الْمَذْكُورَة وَقَالَ أُرِيد أَن تقسم هَذِه الدَّار وَأَنا حَاضر فإنني قد كرهت عدَّة دور لأجل قسمتهَا فَقَسمهَا مُتَقَدم البنائين وأستاذ الدَّار فَأبْطل مَا قسموه جَمِيعًا وَأخذ ورقة بَيَاض كَبِيرَة وَخط فِيهَا صُورَة الدَّار وَتقدم إِلَى أستاذ الدَّار أَن لَا يُمكن أحدا من عمَارَة إِلَى أَن يفرغ من هَذِه الدَّار فَجمع إِلَيْهَا جَمِيع الصناع والأمانين والنجارين فَلم يتَخَلَّف أحد من الصناع بِبَغْدَاد إِلَّا وَحضر إِلَيْهَا وَتقدم الْخَلِيفَة أَن يحضر الْحَاجِب ابْن مُسَافر وَيُؤمر بِأَن يزوق بَيت الخيش الَّذِي يَلِي الشط صُورَة جمَاعَة يذكرُونَ فأحضر ابْن مُسَافر إِلَى دَار الْفلك وَقيل لَهُ أَن يصور صُورَة مَمْلُوك أحضروه عِنْده فقله على الْحَائِط مثله من غير أَن ينقصهُ شَيْئا فَلَمَّا حضر الْخَلِيفَة ورآي تِلْكَ الصُّورَة أَعْجَبته صَنعته فَأمره بِأَن يلازم الْمَكَان فَقَالَ ابْن مُسَافر أُرِيد أَن يكون معي غُلَام مَعَه زبدية الأصباغ ويناولني مَا أُرِيد فَقَالُوا لَهُ إختر من أردْت فَقَالَ أُرِيد معتوق النَّقِيب وَكَانَ من نقباء الدِّيوَان الْعَزِيز فنفذ إِلَى معتوق وأحضر وَكَانَ طوال النَّهَار على الْخشب رَاكِبًا وَكَانَ الْخَلِيفَة يدْخل ويضحك عَليّ ابْن مُسَافر ورفيقه النَّقِيب فَلَمَّا فرغت الدَّار أَمر الْخَلِيفَة أَن يخلع على ابْن مُسَافر وعَلى معتوق رَفِيقه ورسم أَن يرتب ابْن مُسَافر حَاجِب منْطقَة وَزَادُوا معتوقا فِي معيشته
وَأمر الْخَلِيفَة الفراشين بِغسْل دَار الْفلك وَأَن ينْقل إِلَيْهَا من ال فرش جَمِيع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من الْآنِية وَغير ذَلِك ورتب فِيهَا مُحَمَّد بن جِلْدك فراشا وَمَعَهُ جمَاعَة من الفراشين وزخرفت الدَّار بِالذَّهَب وَالْفِضَّة حَتَّى ذكر أَنه لم يعمر مثلهَا وَكَانَ الْخَلِيفَة إِذا أَرَادَ أَن يصعد إِلَيْهَا من دجلة وقف النَّاس يرقبون صُعُوده فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ لِأَن بَين دَار الْفلك ودجلة خطوَات فَتقدم فَأمر بِأَن يعمر حائطان مشرفان من بَاب دَار الْفلك إِلَى شاطئ دجلة فَيكون مثل الدَّرْب وَيجْعَل فِيهَا طَرِيق للْمُسلمين بِحَيْثُ إِذا صعد
[ ١٧٦ ]
لَا يبصره أحد ورتب فِي الدَّار جمَاعَة كَثِيرَة لحفظها وَجعل لهَذِهِ الدَّار حُرْمَة كَحُرْمَةِ التَّاج الشريف
وفيهَا تقدم الْخَلِيفَة بِأَن يعمر للشَّيْخ عبد الْجَبَّار مُتَقَدم الفتيان صومعة تَحت بَغْدَاد يكون دائرها سور داير فعمرت وانتقل إِلَيْهَا الشَّيْخ عبد الْجَبَّار وَصَارَ الْخَلِيفَة يكثر التَّرَدُّد إِلَى عِنْده والْحَدِيث فِي الفتوة وَمَعْرِفَة الفتيان وَكَانَ النَّاس يمضون إِلَى الشَّيْخ عبد الْجَبَّار ويزورونه ويخدمونه ويتقربون إِلَيْهِ الْأَجَل الْخَلِيفَة ثَبت الله دَعوته وَكَانَ الْخَلِيفَة إِذا أَتَى إِلَى عبد الْجَبَّار رأى عِنْده الْعقَاب نسيبه وَهُوَ ملازمه فَصَارَ الْعقَاب يتحدث مَعَ الْخَلِيفَة ويحضر عِنْده وَيَأْتِي إِلَيْهِ
وَكَانَ بِبَغْدَاد رجل يُقَال لَهُ دَاوُد بن سَمُرَة مُتَقَدم فتيَان جمَاعَة فَأَرَادَ الْخَلِيفَة أَن يحضر عِنْده وَيسمع كَلَامه عِنْده وَمَال إِلَى كَلَامه وَقرب لَدَيْهِ وَصَارَ الْخَلِيفَة ينفذ إِلَيْهِ يحضر عِنْده فِي البدرية ويتبسط مَعَه وَكَانَ عبد الْجَبَّار لَا يسره ذَلِك وَلَا يشتهيه وَكَذَلِكَ الْعقَاب وَعبد الْجَبَّار أَيْضا مَا كَانَ يسرهم ذَلِك والخليفة لَا يعلم حَقِيقَة ذَلِك وَكلما جَاءَ دَاوُد بن سَمُرَة كثر عِنْد الْخَلِيفَة وَزَاد مَوْضِعه وَصَارَ خَلفه حُدُود عشرَة ألف رجل ينسبون إِلَيْهِ وَخَافَ مِنْهُ عبد الْجَبَّار وجماعته
وَفِي هَذِه السّنة سَأَلت أم الْخَلِيفَة أَن يُؤذن لَهَا فِي زِيَارَة مشْهد سر من رأى على ساكنه السَّلَام ومشهد صندوديا فَتقدم الْخَلِيفَة إِلَى المخزن الْمَعْمُور أَن يعْمل لَهَا مَا تحْتَاج من الْإِقَامَة وَتقدم إِلَى ابْن يُونُس الْوَكِيل بِبَاب الْحُجْرَة الشَّرِيفَة أَن يكون على عزم السّفر وَأَن يتسلم جَمِيع مَا عمل للسَّفر وَأَن يتَقَدَّم إِلَى جَمِيع الْعَسْكَر والمماليك أَن يَكُونُوا فِي الْخدمَة وَأَن يُنَادي فِي جَمِيع الْعَسْكَر أَن الْخَلِيفَة فِي الصُّحْبَة للزيارة فأخرجت الخيم وَالْمُضَارب والنوتيات وَخرج الْخَلِيفَة وَأمه إِلَى الزِّيَارَة وَكَانَ يركب
[ ١٧٧ ]
ويتصيد والعسكر فِي خدمته وَهُوَ غير متظاهر وَكَانَ الْأَمِير عماد الدّين طغرل مَعَه وَكَانَ الْخَلِيفَة يفرق كل يَوْم على الْأُمَرَاء صناديق الحلاوات وأصناف المأكل والفاكهة وَابْن يُونُس يتَوَلَّى ذَلِك جَمِيعه وَكَانَ على ابْن أبي الْكَتَائِب ويوسف بن عنبر وَأَبُو الْعِزّ وَمُحَمّد بن يحيى وَأَبُو الْحسن ابْن الْكَرْخِي والطاهر شرف الدّين أَبُو الْفضل بن الطَّاهِر نقيب الطالبيين وَكَانَ الْخَلِيفَة يدْخل للزيارة هُوَ وَأمه وَلَا يُمكن أحد من الدُّخُول إِلَى الزِّيَارَة إِلَّا بعد خروجهما وَأنْفق من الْأَمْوَال حدودا من عشْرين ألف دِينَار وَكَانَ سعود الْخَادِم مُتَوَلِّي دجيل فَكَانَ ينفذ فِي كل يَوْم إِلَى الْعَسْكَر إِقَامَة من شعير وتبن وأغنام وأبقار وَغير ذَلِك أَشْيَاء كَثِيرَة وَكَانَ جَمِيع من كَانَ عِنْد الْخَلِيفَة مَنْسُوبا إِلَى أستاذ الدَّار ابْن الصاحب يذكر جَمِيع مَا يجْرِي يَوْمًا فيوما وَسَاعَة بساعة وَعَاد الْخَلِيفَة دَامَ ظله من تِلْكَ الزِّيَارَة وَمن مَعَه من الْأَصْحَاب والأمراء فِي السفن إِلَى تَحت التَّاج من بَاب الْبُشْرَى وَكَانَ جمَاعَة من المماليك والأمراء يذمون ابْن يُونُس ويقبحون ذكره لكَونه كَانَ الْخَلِيفَة يَأْمُرهُ أَن يُعْطي النَّاس فَكَانَ يُعْطي قَلِيلا حَتَّى إِنَّه رد من صناديق الْحَلْوَى والأطعمة كثيرا فَعلم الْخَلِيفَة بذلك فَأنْكر عَلَيْهِ وَفرق جَمِيع ذَلِك على دور الْأُمَرَاء والمماليك وأرباب الدولة وَكَانَ الْخَلِيفَة قد تقدم إِلَى أستاذ الدَّار أَن يعمر مشْهد سر من رأى وَأَن يشيده وَينفذ إِلَيْهِ فرشا وبسطا وَجَمِيع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَكَذَلِكَ أَيْضا فعل بمشهد صدوديا وَأَن يعْطى جَمِيع المجاورين بِهَذَيْنِ المشهدين ثَلَاثَة ألف دِينَار وَأعْطى مشْهد مُوسَى بن جَعْفَر على ساكنه السَّلَام ألف دِينَار لعمارته وَخمْس مائَة دِينَار تفرق على ساكنيه
وفيهَا عمرت أم الْخَلِيفَة مَسْجِدا بمشرعة السقائين على شاطئ دجلة
[ ١٧٨ ]
بمشرعة الحطابين وغرمت عَلَيْهِ جملَة كَبِيرَة وَقَالَت لَا يُصَلِّي فِيهِ إِلَّا رجل حنبلي فأحضر إِلَيْهَا من بَاب الأزج مقرئ جيد فَأمرت بِهِ أَن يحمل إِلَى بَاب الْحُجْرَة وَأَن يخلع عَلَيْهِ فَفعل بِهِ ذَلِك وَجعل إِمَامًا لذَلِك الْمَسْجِد
وفيهَا تقدّمت أم الْخَلِيفَة بعمارة مشْهد لرجل يُقَال لَهُ الشَّيْخ عَليّ بن الهيتي ورباطا هُنَاكَ فَعمل لَهُ قبَّة عَجِيبَة الْبناء وَكَانَ هَذَا الشَّيْخ عَليّ بن الهيتي رجلا صَالحا يَحْكِي عَن عماد الدّين بن رَئِيس الرؤساء أَنه خرج من بَغْدَاد وَتوجه إِلَى نَاحيَة زويدان لتلقي الْحَاج وَكَانَ مَعَه ابْن يُوسُف الدِّمَشْقِي الْوَاعِظ فَقَالَ ابْن يُوسُف لعماد الدّين ابْن الْوَزير إِن الشَّيْخ عَليّ الهيتي كَبِير السن فِي عشر التسعين فَقَالَ عماد الدّين لَا يعقل بل يكون لَهُ سبعين أَو فِي عشر السّبْعين ثمَّ خَاضُوا فِي حَدِيث غَيره إِلَى أَن وصل الوزيران وجاءا إِلَى الشَّيْخ عَليّ بن الهيتي وَهُوَ يُصَلِّي الْعَصْر وَقد سبق الْعِمَاد بِرَكْعَة وَاحِدَة فَلَمَّا دخل مَعَه فِي الصَّلَاة وَفرغ من صلَاته تقدم عماد الدّين ليَأْخُذ يَده ويصافحه فَلَمَّا ترك يَده فِي يَده قَالَ لَهُ أَنْت على الصَّحِيح فِي عشر السّبْعين نَحن قَالَ الْعِمَاد
فَقبلت يَده وَعلمنَا أَنه صَاحب كرامات
ثمَّ إِن أم الْخَلِيفَة لما أكملت بُنيان تِلْكَ الْقبَّة أوقفت عَلَيْهَا قَرْيَة جميلَة يكون ارتفاعها خَمْسمِائَة دِينَار وحملت إِلَيْهَا جَمِيع مَا تحْتَاج إِلَيْهِ من فرش وقناديل من جُمْلَتهَا قنديلان أَحدهمَا فضَّة وَالْآخر ذهب ثمَّ عملت على قَبره لما مَاتَ صندوقا من الساج وغرمت عَلَيْهِ جملَة كَبِيرَة وكتبت اسْمهَا على داير الصندوق هَذَا مَا أوقفته بَحر درة أَمِير الْمُؤمنِينَ
وفيهَا تقدم الْخَلِيفَة إِلَى أستاذ الدَّار أَن يعمر لَهُ دَارا فِي نَاحيَة حسناباذ
[ ١٧٩ ]
من مُعَاملَة نهر ملك وَتقدم إِلَيْهِ بِأَن يعجل فِي عَملهَا فَجمع إِلَيْهَا جمَاعَة من الصناع وَحشر إِلَيْهَا أَرْبَاب الصَّنَائِع ففرغت فِي مُدَّة يسيرَة وَكَانَ يخرج وَمَعَهُ جمَاعَة لرمي البندق ويلبس ثِيَاب الرُّمَاة يَرْمِي مَعَ جمَاعَة مِنْهُم لَيْلًا وبكرة وَعَشِيَّة وَكَانَ يجد الْمَشَقَّة فِي ذَلِك ويلبس قميصين من قطن أَزْرَق وَيفْعل ذَلِك بِيَدِهِ أَيَّام الرَّمْي
وفيهَا أحضر جمَاعَة من قباض الْحمام مثل ابْن الدوامي وَابْن جَابر صَاحب المخزن وَابْن رزين وَغَيرهم من المعروفين بلعب الْحمام وَأمرهمْ أَن يقبضوا مِنْهُ فَفَعَلُوا ذَلِك وَتقدم إِلَى أَصْحَابه أَن يعمروا مبارح ودورا للحمام وَكثر ذَلِك وَصَارَ كل من يُرِيد الْقرب من الْخَلِيفَة يتَقرَّب إِلَيْهِ بِأَن يقبض مِنْهُ الْحمام ولأصحاب الْحمام فِي ذَلِك قَول مَحْفُوظ إِذا حلف أحدهم يَقُول أَصْحَاب الْحمام لزمَه ذَلِك فَلَا يكذب أبدا لقَوْله فِي الفتوة وَرمي البندق
ثَلَاث خِصَال لَا يقدر أحد أَن يكذب بهَا
وفيهَا تقدم عِنْده شمس الدّين عَليّ بن أبي الْكَتَائِب الْمَعْرُوف بالخواجا وَكَانَ يخْدم الْأُمَرَاء وَكبر أمره عِنْد الْخَلِيفَة والأمراء وقربه وَأَدْنَاهُ وَجعل حَدِيث الْأُمَرَاء مَعَه وَكَانَ رجلا كيسا بغداديا دمثا يتمسخر للخليفة ويتطاول حِين يبسطه وَكَانَ الْمَذْكُور حسن المحاضرة كريم الطَّبْع وَحسن حَاله وزادت مَنْزِلَته وتضاعفت حرمته وَكَانَ مسموع القَوْل عِنْد الْخَلِيفَة عَظِيم الْقدر عِنْد أَرْبَاب دولته وَكَانَ إِذا سَأَلَ الْخَلِيفَة بِأَيّ أَمر أَجَابَهُ حَتَّى إِنَّه كَانَ يسْأَله فِي إِطْلَاق من وَجب عَلَيْهِ قتل أَو صَاحب جِنَايَة ويشفع فِيهِ فيشفعه
[ ١٨٠ ]
وفيهَا صعد رجل شَاب على سطح ابْن البُخَارِيّ اسْمه مُحَمَّد الْفراش وَقد انحل حَبل البرادة وَكَانَت طَوِيلَة ملساء فَجعل يُكَلف نَفسه الصعُود لتِلْك الْخَشَبَة وصعدها وَعمل الْحَبل فِي البكرة وَنزل وَكَانَ فِي تِلْكَ السَّاعَة أستاذ الدَّار ابْن الصاحب على سطح دَاره فشاهد هَذِه الْحَال من الْفراش وَبعد أَيَّام نزل إِلَى الدِّيوَان من فتح خزانَة المَال الَّتِي للخليفة وَأخذ خرقَة فِيهَا سبع مائَة دِينَار فَتقدم بِأخذ الخازن والفراشين الَّذين للديوان وعرضهم على الضَّرْب وَكَانَ الخازن رجلا شَيخا كَبِيرا مَا عرف لَهُ وَلَا سمع عَنهُ إِلَّا الْخَيْر وَكَانَ قَرِيبا لأستاذ الدَّار ابْن الصاحب وطولب الخازن بِالذَّهَب وصعب ذَلِك على أستاذ الدَّار كَيفَ تجْرِي مثل هَذِه الْوَاقِعَة فِي ديوَان الْخَلِيفَة فِي أَيَّام ولَايَته فأحضر غلْمَان الدِّيوَان وسألهم عَن هَذِه الْحَال فَقَالُوا لَهُ الَّذِي قد فعل هَذَا قد أَخذ حبلا وشده فِي كَنِيسَة الدِّيوَان وَنزل وَفتح المخزن وَأخذ الذَّهَب وَرجع فَصَعدَ بالحبل فَقَالَ أستاذ الدَّار إِنَّنِي كنت من أَيَّام على سطح دَاري رَأَيْت على سطح ابْن البُخَارِيّ صَبيا فراشا قد صعد فِي حَبل وَتعلق بِهِ وَترك الْحَبل فِي البكرة الَّتِي فِي خَشَبَة البرادة أريده السَّاعَة فنفذ إِلَى ابْن البُخَارِيّ فَسَأَلَ عَن ذَلِك الصَّبِي فَقيل إِنَّه هُوَ مُحَمَّد الْفراش فنفذه إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ أستاذ الدَّار أَيْن الذَّهَب الَّذِي أَخَذته من الدِّيوَان فَأنْكر فَتقدم بضربه فَضرب ودام عَلَيْهِ الضَّرْب فاعترف بسرقته فنفذ مَعَ جمَاعَة من الغلمان فأحضر الذَّهَب وَقد نقص مِنْهُ عشرُون دِينَارا واستؤذن الْخَلِيفَة فِي قطعه فَتقدم أَن يحمل إِلَى حبس اللُّصُوص وَلَا تقطع يَده فَهَذَا مَال من بَيت مَال الْمُسلمين وَله فِيهِ حق بل يحبس فنفذ إِلَى الْحَبْس فَأَقَامَ فِيهِ عشرَة أشهر ثمَّ نقب الْحَبْس وَكسر الْقَيْد الَّذِي فِي رجله وَحسن لجَماعَة من الْعَرَب والمحتسبين أَن يهربوا مَعَه وَعلم بذلك
[ ١٨١ ]
السجان قبل أَن يتم لَهُم أَمرهم فأحضر شُهُودًا وأوقفهم على نقب الْحَبْس وأحضر إِلَيْهِم الْعَرَب وَقد كسرت الْقُيُود من أَرجُلهم فَاعْتَرفُوا بِمَا عمل مُحَمَّد الْفراش وَكَتَبُوا بذلك مطالعة وَرفعت إِلَى الْعرض الْأَشْرَف فبرز الْخط الشريف بِقطع يَده وَرجله فَإِن مثل هَذَا لَا يَأْتِي على الْمُسلمين مِنْهُ خير فَقطعت يَده وَرجله وَحمل إِلَى البيمار ستان العضدي
وَأما خَازِن الدِّيوَان فَإِنَّهُ كَانَ يلقب بالسديد واسْمه الْأَعَز فَأحْضرهُ أستاذ الدَّار وخلع عَلَيْهِ وَاعْتذر إِلَيْهِ وَأَعَادَهُ إِلَى خدمته وَتقدم الْخَلِيفَة بِأَن يكون الذَّهَب فِي الخزانة فِي صناديق عَلَيْهَا أقفال جِيَاد ويحرس الْمَكَان وَتقدم بِأَن تعلى حيطان الدِّيوَان وَيمْنَع كل طَرِيق إِلَيْهِ وَأَن يعْمل لَهُ سياج من شوك فَفعل ذَلِك فَصَارَ الدِّيوَان لَا سَبِيل لأحد عَلَيْهِ من جِهَة من الْجِهَات ورتب لَهُ الحراس
وفيهَا زَاد إِبْرَاهِيم بن إِبْرَاهِيم على أَمِير الْحَاج طاشتكين مائَة ألف دِينَار فِي ضَمَان الْحلَّة والبلاد السيفية وَمَا ينْسب إلهيا فَتقدم الْخَلِيفَة بإحضار قَاضِي الْقُضَاة وإحضار أَمِير الْحَاج وَأَن يجمع بَينه وَبَين إِبْرَاهِيم بن إِبْرَاهِيم وَأَن يكون من جَانب أستاذ الدَّار ابْن يُونُس الْوَكِيل فَحَضَرَ الْجَمِيع وَأَشَارَ ابْن البُخَارِيّ إِلَى إِبْرَاهِيم بالْكلَام فَقَالَ إِن هَذِه الْحلَّة فِيهَا زِيَادَة على الْمبلغ الَّذِي على هَذَا الْأَمر مائَة ألف دِينَار وَأَنا أضمن الْموضع بِهَذَا وَكَانَ وزيره حِينَئِذٍ المقرب ابْن بختيار فَقَالَ اذكر لنا وُجُوه الزِّيَادَة فَأخذ يذكر وأمير الْحَاج يُنكر وأستاذ الدَّار كَبِير التعصب لأمير الْحَاج وطولع الْخَلِيفَة بِالْحَال فَكتب إِن الْمصلحَة فِي ذَاك أَن تقرر على أَمِير الْحَاج أَن يحمل فِي كل سنة شَيْئا وَيقطع الحَدِيث وَلَا يعين عَلَيْهِ فإننا قد كسرناه فأحضر أَمِير الْحَاج ووزيره ابْن بختيار وَأخذ خطهما بِمَا تقرر على أَمِير الْحَاج وَتقدم إِلَى ابْن إِبْرَاهِيم بالانصراف وكف لِسَانه
[ ١٨٢ ]
وفيهَا عجز ابْن البُخَارِيّ عَن الرّكُوب ليَوْم الْعِيد إِلَى الدِّيوَان لِأَنَّهُ كَانَ بِهِ مرض قد أعجزه وأثقله وَكَانَ يُكَلف نَفسه الْجُلُوس فِي الدِّيوَان لأجل المنصب وَقد ذكر أَن سَبَب ذَلِك الْمَرَض من جِهَة زَوجته وَأَنَّهَا أسقته سما فتطاول مَرضه لذَلِك فَاسْتَأْذن الْخَلِيفَة أَن يَجْعَل فِي محفة وَيحمل إِلَى صفة الزَّيْتُون فَجَلَسَ فِي مَوْضِعه وَكَانَ قد تناهى بِهِ الْمَرَض وَعجز عَن الْحَرَكَة فَحَضَرَ أَرْبَاب الدولة وَأنْشد الشُّعَرَاء مدحهم وَكَانَ عِنْده شغل من شدَّة مَرضه
وفيهَا وضع أستاذ الدَّار من نقل إِلَى الْخَلِيفَة أَن أَبَا الْحسن بن الْكَرْخِي يسمج وَيَقُول عَنهُ أَشْيَاء وَيذكر جَمِيع مَا يكون فِيهِ من أَحْوَال تجْرِي فِي خلْوَة أَو مجْلِس ويتحدث بذلك فِي الْأَسْوَاق وَأَن الدَّلِيل على صِحَة مَا نقل عَنهُ أَن الخطير الْبَزَّاز قد حكى عَنهُ جَمِيع ذَلِك فَتقدم الْخَلِيفَة بإحضار الخطير الْبَزَّاز وَسمع كَلَامه فَتقدم الْخَلِيفَة بِمَنْع ابْن الْكَرْخِي من الدُّخُول إِلَيْهِ ثمَّ تقدم أستاذ الدَّار إِلَى كل من أَخذ مِنْهُ ابْن الْكَرْخِي هَدِيَّة أَو قرضا أَو شَيْئا أَن يُطَالِبهُ بِهِ إِلَى أَن استوعب مَاله وَابْن الْكَرْخِي يعْتَقد أَن ذَلِك يُرْضِي الْخَلِيفَة وَتقدم بِقطع معيشته من الدِّيوَان ومعيشة أَبِيه أَيْضا وَكَانَ أَبوهُ حَاجِب منْطقَة وحاجب مِنْبَر فَكتب عَمْرو الْعلي بن النشال الْهَاشِمِي وَكَانَ هَذَا الْمَذْكُور يخْدم الْخَلِيفَة لما كَانَ أَمِيرا فَلَمَّا ولى الْخلَافَة تقدم بِأَن يرتب حاجبا صَغِيرا فرتب وَكَانَ النَّاس يستعظمون ذَلِك لِأَنَّهُ كَانَ يَبِيع الْحَطب وَكتب رقْعَة يسْأَل فِيهَا أَن يرتب حَاجِب منْطقَة وحاجب مِنْبَر مَوضِع ابْن الْكَرْخِي الشَّيْخ الملقب بولِي الدّين فَوَقع الْخَلِيفَة عَلَيْهَا بِالْإِذْنِ وَعرضت على ابْن البُخَارِيّ فنفذ إِلَى أستاذ الدَّار وَقَالَ
إِن النَّاس يستعظمون ذَلِك وَكَون هَذَا فِي الدِّيوَان حَاجِب صَغِير فاستقبح قَوْله فَقَالَ إِن الْخَلِيفَة قد تقدم بذلك وَلَا يسيئه بَيْعه الْحَطب مَعَ أَنه من الأسرة الهاشمية فَلَا تقل فِي هَذَا شَيْئا أَلْبَتَّة ثمَّ أحضر ابْن النشال وَأَجْلسهُ بَين يَدَيْهِ وَصَارَ مَوضِع ابْن الْكَرْخِي وَعلم
[ ١٨٣ ]
النَّاس أَن الْخَلِيفَة قد تعصب لهَذَا ثمَّ تقدم إِلَى هَذَا الْمَذْكُور أَن يكْتب مطالعة تشْتَمل على أَحْوَال الدِّيوَان سرا بِحَيْثُ لَا يعلم أحد وَكبر عِنْد النَّاس بِهَذِهِ الْحَال
وفيهَا ورد ضِيَاء الدّين ابْن الشهرزوري إِلَى بَغْدَاد رَسُولا من عِنْد صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب وَكَانَ ابْن البُخَارِيّ قد تناهى بِهِ الْمَرَض وَعمل فِيهِ السم حَتَّى تساقطت أَظْفَاره ومعظم شعره وَبَقِي كالفرخ وَتقدم بِإِخْرَاج الموكب للقاء ابْن الشهرزوري فَلَمَّا كَانَ بعد ثَلَاثَة أَيَّام من قدومه تقدم إِلَى ابْن البُخَارِيّ أَن يجلس لَهُ وَيسمع كَلَامه وَرَأى أَنه لَا يقدر على ذَلِك لشدَّة الْمَرَض فَتقدم أَن يعْمل لَهُ طراحة ومسند فِي بَاب حجرَة صَغِيرَة وَلها دهليز إِلَى النِّسَاء وَجعل على الْبَاب سترا وَجلسَ وَالنِّسَاء عِنْده إِلَى أَن حضر الرَّسُول وَحضر خَالص الْخَادِم ومشرف الدِّيوَان أَبُو غَالب بن الْخلال وَكَانَ يَوْمئِذٍ يَنُوب عَن كَاتب الْإِنْشَاء وَحضر المقربون وَالنَّاس وَلم يتَخَلَّف أحد مِمَّن جرت عَادَته أَن يحضر وَتقدم إِلَى المماليك الْخَواص أَن يحضروا حَتَّى يكثر الْجمع بهم فَحَضَرُوا وأحضر ابْن الشهرزوري وَمَا كَانَ صحبته من التحف وأزالوا السّتْر الَّذِي كَانَ ابْن البُخَارِيّ علقه فَقَامَ النَّاس لقدومه وخدموه وَتقدم إِلَيْهِ أَن يذكر مَا عِنْده فَقَامَ وخطب خطْبَة حَسَنَة بليغة وَأخذ يذكر فتوح صَلَاح الدّين وجهاده وَمَا هُوَ عَلَيْهِ من المرابطة للْكفَّار وَأَنه مَمْلُوك مخلص وَأَن مَا لهَذِهِ الدولة الْقَاهِرَة مثله وَلَا من يجْرِي مجْرَاه وَلَا من يماثله فِي الْعُبُودِيَّة وَبَالغ فِي ذَلِك ثمَّ جلس فَالْتَفت إِلَيْهِ ابْن البُخَارِيّ وَقَالَ لَهُ يَا أَبَا الْقَاسِم إِذا رجعت إِلَى يُوسُف بن أَيُّوب فَقل لَهُ يقْرَأ قَوْله تَعَالَى ﴿قل لَا تمنوا عَليّ إسلامكم بل﴾
[ ١٨٤ ]
الله يمن عَلَيْكُم أَن هدَاكُمْ للْإيمَان) الْمِنَّة للخليفة ثَبت الله دَعوته فِي تقبل مثله وَهَذِه الْبِلَاد الْمَفْتُوحَة بسعادة هَذِه الْأَيَّام وَبِحسن التَّعَبُّد لَهَا وبشمول أنعمه عَلَيْهِ فَيَنْبَغِي لَهُ أَن يعلم ذَلِك ويتحققه فَعجب النَّاس من جَوَابه ثمَّ أحضرت التحف وَكَانَ فِيهَا شَيْء من دهن البلسان وحقة جَوْهَر وَثيَاب مصرية ومقايير مذهبَة وخركاه وَشَيْء من الْعدة الَّتِي قد أخذت من الفرنج فَتقدم لي ابْن الْخلال أَن يكْتب إِلَى الْعرض الْأَشْرَف بشرح الْحَال الَّتِي جرت وَذكر عَن ابْن الشَّهْر زورى مَا أَفَاضَ من الْأَدْعِيَة الصَّالِحَة عَن مرسله وَأَنه قد صَحبه كَذَا وَكَذَا وَأخذ المطالعة ابْن البُخَارِيّ وَكتب عَلَيْهَا أَنه يسْأَل قبُول ذَلِك وَنفذ المطالعة ثمَّ أسبل عَلَيْهِ السّتْر وَلم يزل النَّاس على طبقاتهم حَتَّى رَجَعَ الْجَواب من الْخَلِيفَة وَكَانَ مَضْمُون مَا كتبه
وقف على مَا أنهاه من حُضُور رَسُول صَلَاح الدّين كثر الله فِي الْأَوْلِيَاء مثله وَمَا ذكره من حَال نصرته وَذَلِكَ بِنَا وبآرائنا وهمتنا وَمَا نفذ فقد شرف بقبوله ثمَّ تقدم إِلَى الرَّسُول بالانكفاء إِلَى الْموضع الَّذِي أعد لَهُ وَكَانَ قد أنزل بدار بالخاتونية البرانية وَكَانَ النَّاس يتعجبون من كَلَام ابْن البُخَارِيّ وَحسن ذهنه ودرايته وَهُوَ مشارف للْمَوْت
وفيهَا مَاتَ ابْن البُخَارِيّ نَائِب الوزارة وَذَلِكَ بعد أَيَّام من قدوم ابْن الشَّهْر زورى
وَلما توفّي ابْن البُخَارِيّ نفذ أستاذ الدَّار إِلَى دَاره فاستولى على مَا فِيهَا من قَلِيل وَكثير وَختم عَلَيْهِ وَغير ذَلِك من خيل ودواب وَأمر بتجهيزه فَغسل وكفن وَحمل إِلَى جَامع الْقصر وَصلى عَلَيْهِ وَلم يتَخَلَّف عَنهُ أحد من أَرْبَاب الدولة وَحمل إِلَى مَقَابِر عِنْد قبر أَحْمد بن حَنْبَل ﵁
[ ١٨٥ ]
وَتقدم أستاذ الدَّار أَن يمْضِي جَمِيع أَرْبَاب الدولة إِلَى مَكَان دَفنه وَحمل جَمِيع مَا كَانَ خَلفه من مَال وخيل ورقيق إِلَى المخزن الْمَعْمُور وَكَانَ ابْن البُخَارِيّ قد وهب لبَعض مماليكه بعض أملاكه فَأخذت مِنْهُم الْكتب وَأخذت الْأَمْلَاك وَكَانَ أستاذ الدَّار قد حزن عَلَيْهِ فَلَمَّا مَاتَ احتوى على مَا كَانَ لَهُ من مطالعات يطالعه بهَا وَلَا يَشْتَهِي أَن يظْهر عَلَيْهَا أحد وَكَانَ أستاذ الدَّار يعْمل أَشْيَاء وَلَا يحب أَن يطلع عَلَيْهَا الْخَلِيفَة وَكَانَ أستاذ الدَّار يطْلب من ابْن البُخَارِيّ مَا كَانَ يكاتبه بِهِ من مطالعة وَغَيرهَا فَيَقُول ذَلِك قد غسلته ويتركه عِنْده لوقت حَاجته فَلَمَّا مَاتَ رأى تِلْكَ اللَّيْلَة الخطوط وَلم يغسلهَا فَعلم أَنه كَانَ يُرِيد قَتله ففرح حِينَئِذٍ بِمَوْتِهِ
وفيهَا أنعم الْخَلِيفَة على مُحَمَّد بن يحيى بِجَمِيعِ الأَرْض والبستان المجاور لمحلة قطفتا والأرحاء على نهر عِيسَى فعمر جَمِيع الْبُسْتَان وَعمر فِيهِ دَارا حَسَنَة وَعمر ملاصق الْبُسْتَان خانات وَعمر أَيْضا دَارا حَسَنَة لبيع الْغَزل وَصَارَ هُنَاكَ سوق حسن لم يعرف من قبل وَسَأَلَ الْخَلِيفَة أَن يعْمل هُنَاكَ نَهرا وَيجْرِي فِيهِ المَاء إِلَى الْبُسْتَان الْمَذْكُور إِلَى الْخَانَات من محوله يزدجرد فَأذن لَهُ فِي ذَلِك فَلَمَّا وصل المَاء إِلَى الْمَوَاضِع رغب النَّاس فِي ذَلِك الْموضع وَصَارَت محلّة من محَال بَغْدَاد فِيهَا البيع وَالشِّرَاء ومحط القوافل وَجعل مُحَمَّد بن يحيى الْفراش يحمل إِلَى الْبُسْتَان من سَائِر الْأَشْجَار ويغرس فِيهِ فأينع وأثمر وَوصف للخليفة فَمضى إِلَيْهِ وَأقَام فِيهِ يَوْمًا وَلَيْلَة فَرَآهُ موضعا حسنا نزها وَكَانَت أَكثر فُرْجَة أهل بَغْدَاد على نهر عِيسَى وَكَانَ الخيفة كثير الترداد إِلَى ذَلِك الْموضع وَكَانَ فِي تِلْكَ الدَّار الَّتِي فِي الْبُسْتَان روشن حسن الْبناء فَكَانَ الْخَلِيفَة يجلس فِيهِ
[ ١٨٦ ]
وَكَانَ بهاء الدّين أرغش من المماليك المستنجدية قد كبر عِنْده فَكَانَ يقربهُ الْخَلِيفَة ويتحدث مَعَه وَكَانَ الشرابي يحسده على ذَلِك وَلَا يحب قربه من الْخَلِيفَة
وَلما حسن الْموضع وراق للخليفة تقدم إِلَى مُحَمَّد بن يحيى بزرع الجزيرة الْمُجَاورَة لَهُ مبقلة وخضرا فَصَارَ ذَلِك الْموضع من أنزه الْمَوَاضِع وَصَارَ ذَلِك الخليفه الْموضع محروسا بعد أَن كَانَ طَرِيقا وَكَانَ أهل بَغْدَاد يخرجُون فِي كل يَوْم للفرجة مِمَّن جرت لَهُ عَادَة من الرِّجَال وَالنِّسَاء وَكَانَ يخرج جمَاعَة من الْمُحدثين المتمسخرين إِلَى ذَلِك الْموضع والخليفة قَاعد فِي شباك يتفرج على الْعَوام
وَكَانَ لأهل بَغْدَاد عَادَة إِلَى الْيَوْم فُرْجَة بعد أُسْبُوع من الْعِيد يخرجُون إِلَى الفرجة والتنزه وَيَقُولُونَ ندفن الْعِيد وَيخرج رُؤَسَاء الْمحَال والمقدمون مِنْهُم ويحضرون شخصا يتمسخرون عَلَيْهِ ويكفنونه كالميت ويبكون عَلَيْهِ فَإِذا طابوا ولعبوا سَاعَة من يومهم ذَلِك قَامَ ذَلِك الشَّخْص الَّذِي كفن كَهَيئَةِ الْمَيِّت ويجعلونه مضحكة فَأمر الْخَلِيفَة أَن يدْفن الْعِيد عِنْد بُسْتَان ابْن يحيى وَأَشَارَ إِلَيْهِ بذلك
فَلَمَّا كَانَ بعد الْعِيد تقدم ابْن يحيى إِلَى رُؤَسَاء الْعَوام ومتقدمي المجال أَن يخرجُوا لدفن الْعِيد فِي ذَلِك الْموضع الْمَذْكُور فَخرج خلق لَا يُحْصى عَددهمْ إِلَّا الله ﷾ من الرِّجَال وَالنِّسَاء والأطفال والخليفة ينظر إِلَى الْعَوام وفعالهم فقد أَتَوا بشخص مِنْهُم كَهَيئَةِ الْمَيِّت قد كفن وَحمل فِيمَا بَينهم فقوم مِنْهُم يَبْكُونَ ويصرخون وَقوم يعزون وَقوم يندبون ويعملون عزية للعيد فَإِذا ضجروا نزل النَّاس قُدَّام بَين يَدي السّتْر فيلقون الْمَيِّت فِي المَاء
[ ١٨٧ ]
فَيبقى فِيهِ سَاعَة والخليفة يضْحك عَلَيْهِم فَينزل مُتَقَدم الفراشين وَمَعَهُ مائَة دِينَار إمامية فَيَقُول لمقدم الْعَوام هَذِه الْمِائَة دِينَار لأجل الْمَيِّت فَحِينَئِذٍ يقوم الْمَيِّت المكفن من المَاء فيتصارخ النَّاس لذَلِك وَيضْحَكُونَ وَيدعونَ للخليفة وَكَانَ فِي ذَلِك الْيَوْم على سطح تِلْكَ الدَّار جمَاعَة من المماليك الْخَواص مثل سنجر وَإيَاس الرُّومِي وبرنبا العلائي وَيَاقُوت وقيطرس وَجَمَاعَة من المماليك
فَلَمَّا انْقَضى دفن الْعِيد وَخَرجُوا بأسرهم وَتَحْت كل وَاحِد مِنْهُم حصان عَلَيْهِ سرج بِذَهَب وتخت وطوق وسر فَسَار وَعَلَيْهِم ملابس الزركش وَالثيَاب الطلس فَكَانُوا يركبون يَوْم يكون من الْحِلْية وَالثيَاب فَكَانَ أهل بَغْدَاد يرجعُونَ من فرجتهم يتفرجون على المماليك وَيَقُولُونَ
نَحن كُنَّا نتفرج على الْمَيِّت فَلم لَا نتفرج على هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَة الَّذين قد خَرجُوا