قد سبق قَوْلنَا من قبل فِي ذكر الْملك الصَّالح إِسْمَعِيل بن مَحْمُود بن زنكي وَمَا آل إِلَيْهِ أمره بعد وَفَاة أَبِيه من سوء تَدْبِير مدبريه فحين وصل السُّلْطَان من مصر إِلَى الشَّام لما وَصله من احتلال الثغور وَأَرَادَ إِصْلَاحه وَأَن يضمه
[ ٥٩ ]
إِلَيْهِ فصده عَن ذَلِك بعض مماليك أَبِيه وَظهر مِنْهُ التأبي فَأخذت بِلَاده بلجاجهم واقتنع بحلب وَلم يزل يحكم المسئولين عَلَيْهِ إِلَى أَن قضى نحبه فأسرع ابْن عَمه عز الدّين مَسْعُود صَاحب الْموصل إِلَى حلب فاستولى على خزانته وَعلم أَنه لَا يسْتَقرّ لَهُ بهَا أَمر فَرغب أَخَاهُ عماد الدّين زنكي صَاحب سنجار فِي تعويضها لَهُ بحلب فتسلمها وَسلم سنجار إِلَيْهِ
وَلما سمع السُّلْطَان بِمصْر بوفاة الْملك الصَّالح وبلغه مَا جرى بعد وَفَاته نَدم على الْبعد عَن الشَّام وَشرع فِي التَّوَجُّه من مصر إِلَى الشَّام فَكتب إِلَى وَالِدي الْملك الظفر رضوَان الله عَلَيْهِ كتابا وَكُنَّا حِينَئِذٍ بحماة وَمَا يجْرِي مَعهَا من الْأَعْمَال والولايات يَأْمُرهُ بالتأهب والنهوض بعسكره ويعرفه أَنه سيدركه إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَكَانَ نَائِبه بِدِمَشْق عمى عز الدّين فرخشاه قد نَهَضَ إِلَى الكرك فِي مُقَابلَة الإبرنس بهَا وَكَانَ يحدث نَفسه أَن يقْصد تيماء فِي الْبَريَّة وَاعد لذَلِك الأزواد والروايا فَعرف السُّلْطَان اشْتِغَاله بِتِلْكَ الْجِهَة
وَكتب أَيْضا كتابا إِلَى الْأَمِير معِين الدّين عبد الرَّحْمَن بن أنر صَاحب الراوندان يَأْمُرهُ أَن يكون فِي مساعدة وَالِدي وَتَحْت رَأْيه ومعاضدته وَكَانَ ذَلِك فِي الْعشْر الآخر من شعْبَان من السّنة مصدره
صدرت هَذِه
[ ٦٠ ]
الْمُكَاتبَة إِلَى حَضْرَة الْأَمِير وَنعم الله عندنَا وارفة الظلال وافرة النوال سائفة الزلَال سابغة الأذيال فائضة المنال رابضة فِي حمى الاسْتقَامَة والاعتدال مستزادة منا بالشكر على الْمَزِيد مستدامة فِي تأييدها على التأييد وَالْحَمْد لله على ذَلِك حمدا يُؤمن شَمل نظامه من التبديد وَيُؤذن لمنهج نهج حِدته بالتحديد وَعِنْدنَا من الارتياح إِلَى بهجته واجتلاء أنوار غرته مَا يشْهد بِهِ ضَمِيره الْكَرِيم وَالله سُبْحَانَهُ هُوَ الشَّهِيد الْعَلِيم والاجتماع بِحَمْد الله قد قرب بعيده وَقصر متطاول أمده ومديده والتداني لكل مَا جنته يَد التنائي كَاف والشفاء الْمُقدر لكل مختل ومعتل مُسَدّد وَورد الِاعْتِدَاد بِهِ بِحَمْد الله صَاف ورداء الالتحاف بالاحتفال لمودته ضاف وَقد عرف مَا تجدّد من وَفَاة صَاحب حلب وَهِي ولاتينا الَّتِي لَا نثنى عَنْهَا عنان الطّلب فَإِنَّهَا فِي تقليدنا من أَمِير الْمُؤمنِينَ صلوَات الله عَلَيْهِ وَمَا تركناها للْملك الصَّالح بعد التَّصَرُّف فِيهَا وَحُصُول حصونها ومعاقلها فِي أَيْدِينَا إِلَّا رِعَايَة لحقوق أَبِيه ورغبة فِيهِ وَلَا مَانع الْآن عَنْهَا من يَمِين معقودة وَلَا عدَّة معهودة وَقد وَفينَا للمتوفى بعهده وأرجأنا الْيَوْم مَعَه الْأَمر إِلَى غده والآن فقد سفر لنا وَجه الْحق وَبَان ودنا لنا مصعبه وأصحب ودان وولدنا تَقِيّ الدّين هُنَاكَ بِالْقربِ وعساكرنا جَارِيَة على حكمه ومعذوقة عزائمنا بماضي عزمه فلتكن أَيْدِيكُم متساعدة متعاضدة ونياتكم وعزماتكم على التعاون متعاقدة والقلوب وَاحِدَة والعساكر فِي استخلاص الْحق مترادفة متوافدة والأمير أولى من توفر بِرَأْيهِ الصائب وعزمه الثاقب على هَذَا الْأَمر المهم وَجرى من مألوف نَفَقَته ومعهود مناصحته على الرَّسْم وَنحن واصلون بعون الله تَعَالَى على الْأَثر بالنصر وَالظفر والعديد الأوفر والعتاد الْأَكْثَر وقادمون فِي همة وعساكر جمة ومضاء عزمه لَا عائق لما بلغت وُجُوه اللهاذم وَلَا مَانع بِحَمْد الله يجلى عَن وردهَا ظماء الصوارم ومعين الدّين أوفى معِين وأندى يَمِين وأروى وأعذب معِين وَأقرب قرين وَأَشْجَع لَيْث عرين فلينهض بِنَفسِهِ وَعَسْكَره ويوثق فِي هَذَا الْمقَام حسن أَثَره وَيعْمل عمل الْمَرْء لنَفسِهِ وينتصف ليومه من أمسه
[ ٦١ ]