وَكَانَ هَلَاكه يَوْم الْخَامِس من ذِي الْقعدَة
ذكر السَّبَب فِي ذَلِك
كَانَ خَالص الْخَادِم من خَواص الحضرة الشَّرِيفَة فبرز الْأَمر العالي أَن يُوقع لَهُ بلحف الْجَبَل والبندنجين وَمَا يجْرِي مَعهَا فنفذ أستاذ الدَّار أَبُو الْفضل بن الصاحب إِلَيْهِ يَأْمُرهُ بالتوقيع لخالص الْخَادِم كَمَا أَمر أَمِير
[ ١١ ]
الْمُؤمنِينَ فاستعظم ذَلِك وَلم يمتثل المراسم النَّبَوِيَّة فَكَانَ فِي جَوَاب ذَلِك التَّقَدُّم بِالْقَبْضِ على ابْن الْعَطَّار وَنَقله إِلَى التَّاج الْعَتِيق فعذب بأنواع الْعَذَاب وَمَات بعد أَيَّام فَحمل لَيْلًا إِلَى دَار أُخْته فَجَعَلته فِي تَابُوت وأرادت إِخْرَاجه خُفْيَة لِئَلَّا يعلم بِهِ أحد فَجعل أستاذ الدَّار على إِخْرَاجه عينا من حَيْثُ لَا يعلم بِهِ وَنبهَ الأعوام على إِخْرَاجه وأوقف جماعته على بَاب النوبي ينتظرون خُرُوجه وَكَانَ النَّاس يبغضونه لما كَانَ يَبْدُو مِنْهُ فِي سنى الْمحل من منع البيع الْعَام على النَّاس والضمانات الْجَارِيَة فِي أَيَّامه وَمَا كَانَ يجْرِي مِنْهُ فِي حق الأجناد والمماليك فَلَمَّا خرج تَابُوت ابْن الْعَطَّار وَلَيْسَ وَرَاءه أحد يؤبه لَهُ وَوصل خَارج بَاب النوبى من دَار الْخَلِيفَة أَشَارَ بعض من كَانَ الْعين على خُرُوجه إِلَى الْعَوام والمماليك هَذَا تَابُوت ابْن الْعَطَّار فتكاثرت الْعَوام على أَخذه وَألقى من رُءُوس الحمالين وَكسر وَأخرج من التابوت ومزقت أَكْفَانه وربطوا فِي إِحْدَى رجلَيْهِ حبلا من لِيف وَجعلُوا يسحبونه فِي الْأَسْوَاق والدروب بِمَدِينَة السَّلَام وَكَانُوا ينادون عَلَيْهِ وَفعل بِهِ كَمَا فعل بِابْن القرايا المشد حَتَّى إِن من النَّاس من قطع خِنْصره وَأذنه وَكَانَ ذَلِك فِي الْخَامِس عشر من ذِي الْقعدَة كَمَا ذكرنَا
استدعاء فَخر الدولة بن الْمطلب بَين يَدي النَّاصِر لدين الله ليستوزر وَذَلِكَ فِي الشَّهْر الْمَذْكُور من السّنة
كَانَ فَخر الدولة بن الْمطلب رجلا عَالما زاهدا ورعا كثير الْمَعْرُوف مَشْهُورا بالصلاح والتقى فَلَمَّا كَانَت الْأَيَّام المستنجدية سقى الله عهودها
[ ١٢ ]
الرضْوَان دَعَاهُ ليستوزره فَامْتنعَ وَطلب الْإِقَالَة فَلم يفعل مَا امْر وقصته مَشْهُورَة بذلك فَلَمَّا كَانَت الْأَيَّام المستضية طُولِبَ بِمَا طُولِبَ بِهِ من قبل فَسَأَلَ أَن لَا يُكَلف ذَلِك فَلَمَّا أنعم الله تَعَالَى على عباده بِالْأَيَّامِ الناصرة لدين الله أَمر بإحضار فَخر الدولة بن الْمطلب فَحَضَرَ بَين يَدي السدة الشَّرِيفَة النَّبَوِيَّة وخدم فَلَمَّا اسْتَقل بِهِ الْمَكَان تقدم إِلَيْهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ بِأَن يكون لَهُ وزيرا ومشيرا لمكانته من الدّين وَالْعلم وَالْبَيْت فَلَمَّا سمع كَلَامه قبل الأَرْض وخدم وَقَالَ
يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَمْلُوك رجل شيخ وَمَا يجوز أَن يفتح لَهُ كتابا بعد الْعَصْر فَقَالَ لَهُ بهاء الدّين صندل الْخَادِم أجب أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ لَيْسَ لَك فِي إجَابَتِي مصلحَة لأننى لَو قبلت هَذِه الْولَايَة مَا كنت أقرك على مَا بِيَدِك من الإقطاع والولايات بل كنت أجريك على قَاعِدَة بِلَال وأزيل عَنْك هَذِه الثِّيَاب وأمنعك من الرّكُوب وَبَين يَديك سيوف مَشْهُورَة فَضَحِك أَمِير الْمُؤمنِينَ من قَوْله وَقَالَ لَهُ تُشِير عَليّ بِمن يصلح فَقَالَ هَذَا أصلح من عنْدك وَأَشَارَ إِلَى مجد الدّين بن الصاحب وَهُوَ إِذْ ذَاك أستاذ الدَّار العزيزة فَضَاقَ صدر أستاذ الدَّار من قَول فَخر الدولة وَلم يُعجبهُ ذَلِك فَقَالَ لَهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ
لم لَا يرضيك قَوْله وَهِي أرفع دَرَجَة فَقَالَ
يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا أبيع حضوري فِي هَذِه الْخدمَة بالدنيا وَمَا فِيهَا وَسَأَلَ أَن يقر على خدمته وَهِي أستاذية الدَّار فأقره على ذَلِك وَكَانَ أعظم النَّاس مكانة عِنْده إِلَى أَن قتل
[ ١٣ ]
ثمَّ قَالَ لَهُ
شَرّ علينا بِمن نوليه فَقَالَ فَخر الدولة
إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن يول سُلَيْمَان بن جاووش نَائِب وزارة فرأيه أعلا فأحضر سُلَيْمَان بن جاووش وَكَانَ يلقب بحسام الدّين إِلَى التَّاج الشريف وَمن كَانَ يخْتَص بالديوان الْعَزِيز من أَرْبَاب الدولة والأجناد ليقضوا شهر المستضئ بِاللَّه رَحْمَة الله عَلَيْهِ ورضوانه
وَكَانَ على حسام الدّين بن جاووش قلنسوة فَخلع عَلَيْهِ جُبَّة وعمامة بَيْضَاء وخلع على أَرْبَاب الدولة كَافَّة فِي ذَلِك الْيَوْم وَركب ورتب نَائِب وزارة فبقى يَنُوب فِي الدِّيوَان الْعَزِيز شهرا فَوجدَ عَلَيْهِ أستاذ الدَّار ابْن الصاحب لكَونه كَانَ يقف فِي تقدماته فَعَزله ورتب عوضه ابْن البُخَارِيّ وَذَلِكَ فِي محرم سنة سِتّ وَسبعين وسنذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وفيهَا أقطع آل تنبه الشطرنجي واسطا وَأعْطى قيطرمش شحنكية بَغْدَاد أجمع
وفيهَا صرف ابْن طَلْحَة من حجبة الْبَاب الشريف ورتب عوضه قوام الدّين بن زِيَادَة
وفيهَا رتب ابْن شبيب صَاحب مخزن ورتب زين الدّين مشرف مخزن أَيْضا ورتب ابْن جَعْفَر صَاحب بَاب الْمَرَاتِب وَأقر أَبُو عَليّ بن الْوَكِيل
[ ١٤ ]
على عمله صَاحب ديوَان وَأقر أَمِين الدّين مهيمنا على إشراف الدِّيوَان الْعَزِيز
وفيهَا خلع التشريفات الجميلة على آل تنبه الشطرنجي وقيطرمش شحنة بَغْدَاد وَسيف الدّين طغلو شحنة الْخَواص وميزوا على جمَاعَة المماليك والأمراء