وفيهَا سَار شرف الدّين من جبل نفوسة إِلَى قابس فِي يَوْمَيْنِ وليلتين وَذَلِكَ مسيرَة ثَمَانِيَة أَيَّام واعتقد أَنه بقابض قابس أَو يهجمها فَلَمَّا وَصلهَا لم يقدر على ذَلِك وَأخذ الْقَصْد الَّذِي لَهَا على السَّاحِل وَفِيه يَبِيع الرّوم ويشترون واخذ مِنْهُ أَشْيَاء كَثِيرَة من أَمْتعَة وَفِضة وغلة وَغير ذَلِك وَأقَام عَلَيْهَا على قَرْيَة من قراها سَبْعَة أَيَّام وَوَصله فِي الْيَوْم الثَّامِن الثّقل الَّذِي لَهُ ورحل من الْقصر الْمَذْكُور وَنزل على قلعة حسن فَأَقَامَ عَلَيْهَا شهرا يدبر الْحِيلَة فِي أَخذهَا إِلَى أَن كَانَ فِي بعض اللَّيَالِي ساهرا
[ ١٦٤ ]
فأحضر خواصه وَمن يُشِير عَلَيْهِ وَقَالَ
قد رَأَيْت أَن أعمل لهَذِهِ القلعة اللَّيْلَة عملا أَرْجُو أَن آخذها بِمَشِيئَة الله تَعَالَى فَقَالُوا
وَمَا ذَلِك الْعَمَل الَّذِي يكون فَقَالَ
إِن هَؤُلَاءِ ينزلون فِي كل يَوْم يُقَاتلُون أَسْفَل الوطاء وَأُرِيد أَن أكمن اللَّيْلَة ثَلَاثمِائَة فَارس من خلف هَذَا الْمِنْشَار واكون فِي الصُّبْح رجعا نَحْو الْقِتَال وَيكون بيني وَبَين الكمين إِشَارَة من دق كوس أَو ضرب بوق فَإِذا رجعت وَنزل الْقَوْم يُقَاتلُون استجررناهم وانكسرنا قدامهم فيطمعوا فِينَا فَإِذا بعدوا عَن الْموضع وهم لَا يَشْعُرُونَ أَن خَلفهم كمينا ضربنا حِينَئِذٍ البوقات دفْعَة وَاحِدَة فيركض أَصْحَابنَا من موضعهم فَلَا يكون لَهُم عمل إِلَّا أَنهم إِذا وصلوا إِلَى رَأس الْمِنْشَار الَّذِي يتَّصل بعقبة المطلع ترجلوا عَن خيلهم وطلعوا إِلَى القلعة لَا يبْقى فِيهَا من يقاتلهم وَإِذا رأى الْمُقَاتلَة ذَلِك انخذلوا فَإِذا رجعُوا منهزمين ركبنَا أكتافهم وَقَاتلهمْ أُولَئِكَ الَّذين صعدوا الطَّرِيق ومنعوهم من الطُّلُوع قتلناهم عَن آخِرهم أَو أَكْثَرهم وملكنا القلعة ثمَّ قَالَ يروح فلَان وَفُلَان حَتَّى عد ثَلَاثمِائَة وَأمرهمْ أَن يكمنوا بِحَيْثُ قَالَ
فَلَمَّا أصبح ركب وزحف فَكَانَ مَا اعتقده من نزُول أهل القلعة وقتالهم فِي الوطاء واستجرهم وانكسر لَهُم فَلَمَّا أبعدوا ضرب الكوسات والبوقات فَأقبل الكمين من مَوْضِعه فَسبق إِلَى الطَّرِيق إِلَى القلعة وَأَقْبل الْمُقَاتِلُونَ فوجدوا الطَّرِيق قد ملكت عَلَيْهِم فانخذلوا وَوَقع فيهم السَّيْف فَملك أُولَئِكَ القلعة وَمَا احتاجوا إِلَى مساعد فَكَانَ عدَّة من قتل فِي ذَلِك الْيَوْم أَلفَيْنِ وثمان مائَة رجل من البربر وَترك البَاقِينَ واحتوى على القلعة وَمَا فِيهَا وغنم مِنْهَا أَمْوَالًا عَظِيمَة جمة فرقها على أَصْحَابه وَوجد فِيهَا
[ ١٦٥ ]
من الغلات شَيْئا عَظِيما وَكَانَ عِنْدهم بنفوسه غلاء فَأعْطى الأجناد مِنْهَا مَا أَقَامَ بهم بَقِيَّة سنتهمْ ورحل عَنْهَا وَنزل على قلعة يُقَال لَهَا أم أدوت وَهِي لَا يطْمع فِي قتالها فَأَقَامَ عَلَيْهَا أَيَّامًا وراسل أَهلهَا وَقَالَ لَهُم
أُعْطِيكُم الْأمان على أَنفسكُم وَأَمْوَالكُمْ وأعطيكم من الضّيَاع مَا تُرِيدُونَ فَأَبَوا عَلَيْهِ وَلم يُعِيدُوا عَلَيْهِ جَوَابا فَأَقَامَ أَيَّامًا لَا يكلمهم وَلَا يراسلهم فأرسلوا إِلَيْهِ إننا نَفْعل مَا أمرتنا بِهِ وَأَعْطِنَا الْأمان على أَنْفُسنَا وَأَمْوَالنَا وَأَعْطِنَا مَا نريده من الضّيَاع كَمَا بذلت لنا فَقَالَ
قد كَانَ ذَلِك وَأما الْآن فَمَا عِنْدِي لكم أَمَان إِلَّا على أَنفسكُم وَأَمْوَالكُمْ دون عَطاء ضيَاع فأمسكوا عَنهُ أَيَّامًا مَا أجابوه ثمَّ طلبُوا مِنْهُ الْأمان على الْأَنْفس وَالْأَمْوَال لَا غير ثمَّ لم يشْعر بهم إِلَّا وَقد نزلُوا إِلَيْهِ بأجمعهم بكرَة يَوْم من غير أَمَان وَلَا كَلَام فَعجب من عُقُولهمْ وَقَالَ
كَيفَ نزلتم فَقَالُوا
أَبيت أَن تُعْطِينَا الْأمان إِلَّا على أَنْفُسنَا وَمَا نَحن كفار نَخَاف الْأسر وَقد نزلنَا فَقَالَ
مَا منعكم أَن تقبلُوا مَا أَعطيتكُم إِيَّاه أَولا وَثَانِيا فَقَالُوا سعادتك فَإنَّا تجلدنا فِي الأول ورجونا رحيلك وَمَا كَانَ عندنَا مَاء يكفينا فَلَمَّا امتنعنا واقمنا أَيَّامًا وَمَا رحلت رجونا أَنَّك تُعْطِينَا مَا تُعْطِينَا فِي الأول فَلَمَّا امْتنعت مِنْهُ طمعنا فِي الرحيل أَيْضا مثل الدفعة الأولى فَلَمَّا لم ترحل طلبنا الْأمان الثَّانِي فأبيت فَلم يبْق إِلَّا النُّزُول عِنْد فرَاغ المَاء فَأخذ القلعة وَمَا فِيهَا وَمَا كَانَ فِيهَا حَاصِل مثل قلعة حسن وَجعل بهَا نَائِبا وَلم تزل فِي يَده إِلَى أَن أَخذهَا من نَائِبه المايرقي وَأَخذهَا المايرقي بالعطش أَيْضا إِلَّا أَن المايرقي مَا رتب فِيهَا أحدا بل تَركهَا لأَهْلهَا الْأَوَّلين
رَجعْنَا إِلَى الحَدِيث
ثمَّ رَحل شرف الدّين قراقوش عَنْهَا وَعَاد إِلَى نفوسه وَهَذِه
[ ١٦٦ ]
القلعة بِالْقربِ من جِهَة مطماطة وَمن نفزاوة فَأَما الْحَمَامَة فَإِن الَّذِي يكون نازلا عَلَيْهَا يُشَاهد بساتين الْحَمَامَة وَأما نفزاوة فبينها وَبَين القلعة جبل يُسمى اللَّوْح
ونفزاوة بَين بِلَاد كَثِيرَة يكون فِيهَا مَا يزِيد على أَربع عشرَة مَدِينَة وَلها نَحْو من مِائَتي ضَيْعَة وَكلهَا نخيل وزروع على الْعُيُون وَكَانَ فِيهَا مَدِينَة تسمى طرة وَإِلَى جَانبهَا مَدِينَة تسمى بيامن وَلها مقدم يُقَال لَهُ سيد النَّاس وَله أَخ يُقَال لَهُ الْمَنْصُور وَكَانَ بَينه وَبَين أهل بشتري مَدِينَة عَظِيمَة من مَدَائِن نفزاوة عَدَاوَة
وَلما سمع بِقُوَّة شرف الدّين وتدويخه الْبِلَاد الَّتِي إِلَى جَانِبه أَرَادَ أَن يَجْعَل عِنْده يدا ويبلغ غَرَضه من أهل بشتري بيد شرف الدّين فكاتبه وراسله وَحلف أَن يسلم إِلَيْهِ طرة وبلمن وَمَا لَهما من ضيَاع ويعينه على ملك مَا فِي نفزاوة
فَلَمَّا تحقق شرف الدّين مِنْهُ ذَلِك علم أَنه يملك ذَلِك إِذا دخل سيد النَّاس فِي طَاعَته وَكَانَ الحَدِيث بَينهمَا فِي أَيَّام الرّبيع وَكَانَ شرف الدّين ذَلِك الْوَقْت نازلا بالسَّاحل سَاحل طرابلس وَكَانَ قد وصل إِلَيْهِ من الديار المصرية جمَاعَة فيهم شُجَاع الدّين بن شكل وَقد فَرح بهم وَزَاد عسكره فَصَارَ نَحوا من ثَمَانِي مائَة فَارس من الأتراك والأكراد فَأعْطى ابْن شكل شُجَاع الدّين قصورا مَا بَين كِنْدَة والسويقة يكون فِيهِ أَرْبَعُونَ ضَيْعَة جعل لَهُ خَاصّا ولمماليكه مَعَه ثَمَانِيَة وَدخل الْموضع يكون قَرِيبا من أَرْبَعِينَ ألف
[ ١٦٧ ]
دِينَار مأمونية وَقَالَ إِذا فتح الله الْبِلَاد وملكناها أُعْطِيك مَا هُوَ أَكثر من هَذَا وَأعظم هَذَا بعد أَن خلع عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ خمسين جملا وَعشرَة من الْخَيل وَثَمَانِية ألف دِينَار
وَسَار شُجَاع الدّين بن شكل مَعَه فاستغل الْموضع الَّذِي أعطَاهُ وَزَاد فِي استغلاله بحرابه ومصادره أَهله ومطالبتهم بِمَا لَا يقدرُونَ عَلَيْهِ فَرفع ذَلِك إِلَى شرف الدّين فَقَالَ هَذَا الْموضع قد أَعْطيته لَهُ فَلَا أنكده عَلَيْهِ إِن شَاءَ أَن يعمره وَإِن شَاءَ أَن يخربه
وَلم يزل شرف الدّين فِي تِلْكَ الخطة إِلَى آخر السّنة الْمَذْكُورَة