وَلما وصل الْملك الْعَادِل من مصر إِلَى الكرك طلب من السُّلْطَان ولَايَة حلب وأعمالها وَقد سبق وعد السُّلْطَان بهَا لوالدي فأنعم السُّلْطَان لِأَخِيهِ بحلب وأعمالها وأنعم لوالدي ابْن أَخِيه بِولَايَة الديار المصرية وَحكمه فِيهَا وَالَّذِي أعْطى وَالِدي الْملك المظفر ﵀ بِمصْر فَمن ذَلِك الْبحيرَة جَمِيعهَا بِمصْر وَهِي بِأَرْبَع مائَة ألف دِينَار والفيوم وَهُوَ بثلاثمائة ألف دِينَار وقاي وقايات وبوش وَهِي بسبعين ألف دِينَار
[ ١٥٤ ]
ثمَّ عوض عَن بوش بسمنود والواحات وَهِي بستين ألف دِينَار وفوة والمزاحمتين وَهِي بِأَرْبَعِينَ ألف دِينَار وحوف رمسيس وَهُوَ بِثَلَاثِينَ ألف دِينَار وَكَانَ لَهُ فِي كل شهر على الْإسْكَنْدَريَّة ألف وَخمْس مائَة دِينَار وَحكمه على جَمِيع مصر وَالْولَايَة بأسرها وَصَرفه فِيهَا تصرف الْملاك وَكتب لَهُ بذلك تقليدا وَذَلِكَ فِي شعْبَان من السّنة
وَهَذِه نُسْخَة المنشور
الْحَمد لله المتعالي جَلَاله المتوالي أفضاله الْقَدِيم كَمَا لَهُ العديم مِثَاله نحمده على إحسانه الْعَظِيم نواله العميم اتِّصَاله ونسأله أَن يُصَلِّي على سيدنَا نبيه مُحَمَّد الْمُصْطَفى الفصيح مقاله الفسيح فِي الشَّرْع مجاله الشَّفِيع المقبول فِي الْأمة سُؤَاله وعَلى آله وَصَحبه الَّذين هم نُجُوم الْهدى وأنصار الْحق وَرِجَاله أما بعد فَإنَّا مُنْذُ استودعنا الله ملك بِلَاده واسترعانا أَمر عباده وَمكن لنا فِي الأَرْض وَبسط أَيْدِينَا بالبسط وَالْقَبْض وأقدرنا فِي ممالكه على العقد والحل والإبرام والنقض وملكنا زِمَام الزَّمَان بِالْأَمر وَالنَّهْي ونهج لنا وبنا سبل ارشاد وَعفى طرق الغي وناط الْهدى بتوفيقنا وأماط الضَّلَالَة عَن ملكنا فَهُوَ للإحكام وَهِي للوهى وأعز بنصرنا الْإِسْلَام وأداله وأذل الْكفْر وأزاله وَثَبت الْحق ومكنه وَنفى الْبَاطِل وأزاله نفترض أَدَاء شكر نعْمَته وَإِن كُنَّا معترفين بالقصور عَن أَدَائِهِ وَنرعى لَهُ فِي بِلَاده وعباده حق مَا خصنا بِهِ من عُمُوم استرعائه فَلَا يسترعيها من
[ ١٥٥ ]
الْوُلَاة إِلَّا أولاهم برعاية الرّعية وَأكْرمهمْ للتقوى الَّتِي تقوى بهَا المكارم وتوقي المكاره وأحكمهم فِي الرَّأْي الَّذِي يَصح وَيصِح بِهِ فِي الْأُمُور الْمُحكم والمتشابه وأقومهم على سنتنا على إِقَامَة فروض الْعدْل وسننه وأعرضهم بِحَق إنعامنا فِي تقبل منحه وتقلد مننه وأطولهم فِي الطول باعا وأفضلهم اتساقا فِي المنائح واتساعا واسماهم فِي بقاع العلى ارتفاعا وأولاهم لأبكار المحامد والمفاخر افتراعا وأجلاهم فِي مَشَارِق السَّعَادَة طلوعا وأجلهم على واجباتها اطلاعا وأبذلهم فِي الْجِهَاد اجْتِهَادًا وَأَكْثَرهم فِي سداد الثغور الإسلامية سدادا حَتَّى تعود الْولَايَة بإيالته منتظمة الْعُقُود والمملكة ببهجته مبتسمة السُّعُود والسياسة بنضرة نظره مورقة الْعود والمصالح بصوب صَوَابه مصوبة الْمعَاهد ونصل النَّصْر بمضاء مضاربه مغمودا فِي مفارق الْأَعْدَاء مفارقا للغمود وتمحو أيامنا الْبيض بتوليته سيئات اللَّيَالِي السود وَلما كَانَ ولدنَا الْأَجَل الْملك المظفر تَقِيّ الدّين أدام الله علوه وضاعف رفعته وسموه ذَا الْمجد الشامخ وَالْجد الباذخ والرأي الرَّاجِح الراسخ وَالْعدْل المجير الْمُجيب استصراخ الصَّارِخ والإصابة الَّتِي تقصر عَنْهَا خطى الخطوب الخاطية وَالْقُدْرَة المتوالية الَّتِي لَدَيْهَا العظائم ذَوَات الأقدار المتواطية والشيمة الزكية الذكية الَّتِي تضوع نشرها المتأرج وتوضح نشرها المتبلج وشيم عَارض كرمها المتوج ورجى بَحر سماحها المتموج والمناقب الَّتِي أشرقت زواهرها فِي سَمَاء السمو وَأَلْقَتْ أزهارها فِي رياض النمو وتليت آيَات مدائحها بِلِسَان الْعَدو وجليت عرائس محاسنها فِي مطالع الْعُلُوّ والبسالة الَّتِي فرق جموع الْأَعْدَاء بأسها الشَّديد وثلم حد الْكفْر حَدهَا الْحَدِيد وَأَعْلَى جد الْإِسْلَام جدها الْجَدِيد وهد ركن الْمُنكر ركن عرفهَا المشيد وَهُوَ مقتد بسنتنا العادلة فِي إحْيَاء سنة الْعدْل وتقوية بنية الْفضل وَرفع منار الشَّرْع الْمُنِير وَأَعْلَى معالم الْمجد الأثيل الْأَثِير وخفض جنَاح الرَّحْمَة للصَّغِير وَالْكَبِير وإسعاف الْعَافِي وإعانة العاني وإغاثة المستجير وقلدناه ولَايَة الممالك والبلاد والثغور والديار المصرية وعذقناها
[ ١٥٦ ]
بكفايته وأوليناها النظام بولايته حليناها بحلية إيالته وعولنا عَلَيْهِ سياسة مملكتها وحماية حوزتها والذب عَن بيضتها وفوضنا إِلَى نظره أمورها وجلونا فِي آفَاق تدبيراته الْمُوَافقَة الموفقة الموفقة نورها
وأمرنا كَافَّة الْأُمَرَاء والنواب والعساكر المنصورة المصرية على اخْتِلَاف طبقاتهم وتفاوت درجاتهم بامتثال أمره والانقياد لحكمه وَالتَّصَرُّف على رسمه والحضور إِذا طَلَبهمْ والهبوب إِذا ندبهم فَإنَّا عضدنا بِهِ سلطاننا وأمضينا سَيْفه إِذا اقتضته حُدُود الله تَعَالَى فِي الْآجَال وأطلقنا قلمه فِي الأرزاق الَّتِي يجيزها الله تَعَالَى لكافة الْأَوْلِيَاء وَالرِّجَال وفوضنا إِلَيْهِ هَذِه الْبِلَاد تفويضا مَاضِيَة أَحْكَامه متسق نظامه مَوْصُولَة بِمَشِيئَة الله تَعَالَى أَيَّامه ووليناه إِيَّاه تَوْلِيَة من قد عرف قِيَامه بِحَق الْولَايَة وانتهاءه فِي مصَالح الْإِسْلَام إِلَى الْغَايَة وانتظام خلاله الْكَرِيمَة بِشُرُوط الْكِفَايَة وَالْكَفَالَة وإضاءئه فِي قَضَاء الْفَضَائِل بالْحسنِ وَالْحُسْنَى من الْحِلْية وَالْحَالة وتوفره على الْجِهَاد فِي سَبِيل الله ﷿ بحرا وَبرا بتجهيز أساطيله وكتائبه واعتماد كل مَا يدل مِنْهُ على مزِيد الشُّكْر فِي استمداد مزِيد مواهبه وقيامه بِتَوْفِيق الله الْمعد لَهُ وكشفه بِالرَّأْيِ الثاقب مهمات الخطوب المشكلة وَبسط الْيَد وَالْقَوْل فِي العارفة والعاطفة للأولياء بِالنَّبلِ واللين وانتضاء سَيْفه وَسَوْطه فِي السطو على الْأَعْدَاء لاقْتِضَاء دين الدّين حَتَّى تعلو كلمة الْإِسْلَام وَتثبت وَحَتَّى تنْبت عروق الْكفْر من أَرض الله وتنبت وَحَتَّى تكْتب المذلة على العداة فتكبت وَحَتَّى تجمع الْقُلُوب والألسنة على محبته وشكره وتتفق الكافة على الائتمار لطاعة أمره وَنحن نسْأَل الله تَعَالَى أَن يوفقه ويسدده وَأَن يعضدنا بِهِ ويعضده ويؤيدنا بِحسن تَدْبيره وَيُؤَيِّدهُ والمستقر لَهُ من إقطاعه مَا أثبت فِي الدِّيوَان ذكره وَبَين فِي هَذَا المنشور قدره وَهُوَ مَا سبق ذكره فليتول نعْمَة الله تَعَالَى بالشكر الَّذِي يرتبطها وَبسط الْيَد الَّذِي ينشر عَلَيْهِ ويبسطها ونشاط الهمة الَّذِي يطلقهَا من عقال التَّوَقُّف وينشطها مستمسكا
[ ١٥٧ ]
من التَّقْوَى بأوثق عُرْوَة عاقدا بهَا من حب بذل الحباء أصدق حبوة فائزا من النَّصْر بالنجح فِي مغازيه ومساعيه بأوفق خطْوَة ساميا من الْعِزّ وَالْجَلالَة والمهابة على أسمق ذرْوَة مؤيدا من الله بالتسديد فِي صرف كل حطب وتصريف كل خطْوَة
ثمَّ توجهنا إِلَى مصر بالعسكر الْمصْرِيّ وَذَلِكَ فِي شعْبَان بِمُقْتَضى المنشور فَسَار فِيهَا أحسن سيرة محمودة وَأقَام فِيهَا منار الْعدْل بأتم سياسة