وَلما سَار شرف الدّين قراقوش إِلَى بِلَاد إفريقية وَنزل على الْحمام وَأقَام عَلَيْهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا يقاتلها وَهدم فِيهَا ثغرة سدها أَصْحَابهَا بِالنَّخْلِ وأحرق مَا سدوا بِهِ وَقَاتلهمْ فَلم يقدر مِنْهُم على شَيْء ورحل عَنْهَا وهرب مِنْهُ ابْن شكل وَصَارَ إِلَى عرب يُقَال لَهُم عَوْف عِنْد مقدم مَعَهم يُقَال لَهُ جنَاح بن عقيل وَكَانَ الأكراد قد أفسدوا عقله وَقَالُوا لَهُ إِذا صرت عِنْده لحقناك وَتَكون سُلْطَانا لنا وتملك الْبِلَاد فَلَمَّا مضى لم يلْحقهُ من الأكراد أحد وَبَقِي عِنْد الْعَرَب مَعَه قريب من عشْرين رجلا لَا غير وَوصل سيد النَّاس وَأَخُوهُ الْمَنْصُور إِلَى شرف الدّين قراقوش ودخلوا فِي طَاعَته وحالفهما وحلفا لَهُ وأعطاهما عطايا جزيلة ولدخولهم فِي طَاعَته فَرح أهل بشترى وانقادوا خوفًا من أَن يحصرهم بِأَهْل بِلَادهمْ وَولى عَلَيْهِم رجلا يُقَال لَهُ حراج كَانَ يخْدم عِنْد وَالِدي الْملك المظفر بديار مصر وَوصل إِلَيْهِ فِي الْجَمَاعَة الَّتِي وصل فِيهَا ابْن شكل وَسَار عَنهُ وَتَوَلَّى بفزارة وَكَانَت ولَايَته فِيهَا ولَايَة ضَعِيفَة
ورحل شرف الدّين عَن الْحمام وَدخل إِلَى إفريقية وَنزل بِجَزِيرَة باشو
[ ٢٠٢ ]
من أَعمال تونس وَهِي من أحسن الْأَعْمَال يكون فِيهَا ألف ضَيْعَة وَثَلَاث جِهَات مِنْهَا غيط بهَا الْبَحْر ووجهة وَاحِدَة مِنْهَا إِلَى الْجَبَل وَمَا رآى النَّاس أحسن مِنْهَا عملا فَأَقَامَ بهَا مُدَّة ثَلَاثَة أشهر يستغل الْبِلَاد وينهبون النَّاس مَا يقدرُونَ عَلَيْهِ ورحل عَنْهَا إِلَى الْجَبَل يستغله فَجَاءَت عَوْف مَعَ ابْن شكل وَجَاءَت إِلَى مَوضِع يُقَال لَهُ سردانية قريب من القيروان وَسمع بهم شرف الدّين فَركب إِلَيْهِم وَنزل إِلَيْهِم وسير قبله جمَاعَة من زغب بِقدر خَمْسمِائَة فَارس وَمن أَصْحَابه مِائَتي فَارس فالقوا مَعَهم وكسروهم قبل وُصُول شرف الدّين وَنزل فِي مَوْضِعه على قصر يُقَال لَهُ قصر أبي نصر وَكَانَ يحاصره فَأَخذه وَلم يجد فِيهِ طائلا ورحل وَخرج من غفريقية وَعَاد إِلَى النُّزُول على الحامة ووصلت مَشَايِخ عَوْف وأمراؤهم قَرِيبا مِنْهُ ونفذوا إِلَيْهِ يستأذنونه فِي الْحُضُور إِلَيْهِ فَأَمرهمْ فَحَضَرُوا وَلما سلمُوا عَلَيْهِ وَقَامُوا قيَاما بَين يَدَيْهِ شفعوا لَهُ فِي ابْن شكل فَقبل شفاعتهم وَاسْتقر بهم الْمجْلس فَقَامُوا ثَانِيَة فشفعوا فِي حميد بن جَارِيَة وذباب وَأَن يستخدمهم ويعيدهم إِلَى بِلَادهمْ ويصالحهم فَفعل
وأحضروا فِي ذَلِك الْيَوْم حميد بن جَارِيَة وحالف بَينه وَبَين زغب وعَوْف وَكَثُرت الْعَرَب مَعَه فطلبوا أَن يدخلُوا مَعَه إِلَى إفريقية إِلَى تونس وَغَيرهَا من الْبِلَاد الَّتِي مَا وَطئهَا ليكتالوا مِنْهَا فَفعل ورحل عَائِدًا إِلَى إفريقية فغنم النَّاس أَكثر من الدفعتين الْأَوليين وَوصل إِلَى تونس ووقف بإزائها ورحل إِلَيْهَا فقفز ابْن شكل وَدخل ولحقه وَقت التقفيز رجل من أَصْحَاب شرف الدّين كَانَ قَدِيما يخْدم وَالِدي الْملك المظفر يُقَال لَهُ حمدَان القواس واعتقد كل من رَآهُ أَنه قفز مَعَه فَلَمَّا أدْركهُ عِنْد الرجالة أَخذ شربوشه وثنى
[ ٢٠٣ ]
فرسه رَاجعا وَضرب بنشاب الجرخ فَمَا أَصَابَهُ شَيْء وَعَاد شرف الدّين وَقت الْعشَاء من ذَلِك الْيَوْم عَن تونس وَنزل بِموضع يُقَال لَهُ قصر نعامه وَأصْبح فَرَحل عَنهُ وأدركه الشتَاء فَخرج من إفريقية وَسَار يطْلب النُّزُول على الحامة فوصلها فِي سِتَّة أَيَّام وَيَوْم السَّابِع وَقت الصُّبْح كَانَ الْعَسْكَر على أسوارها فوجدوا كل من بهَا قد ارتحل وَنزل الْجَمِيع الْجَبَل بقلعة لَهُم على رَأس جبل كَانَت تكون خَالِيَة وَافق أَن مقدميها بني ثمال كَانُوا بعد فِي المهدية فَأخذُوا وَكَانُوا ثَلَاثَة عَليّ وحسين ومفرح فَلَمَّا أخذُوا وأحضروا إِلَيْهِ قَالَ قد أمكن الله تَعَالَى مِنْكُم وَأما أهل الحامة فَمَا لَهُم عِنْدِي ذَنْب ثمَّ أَمر من سَار إِلَى القلعة ونادى من بهَا أَلا إِن المقدمين قد أخذُوا وَأَنْتُم إِن نزلتم إِلَى بلدكم فَأنْتم آمنون بِأَمَان الله تَعَالَى وأمان رَسُوله لَا نَأْخُذ مِنْكُم شَيْئا بل نجريكم على الْعَادة فِي أَيَّام من تقدم من أَخذ الْخراج والأعشار فَلَمَّا تحققوا ذَلِك نزل الْجَمِيع وعادوا إِلَى الحامة وعمرت أحسن عمَارَة
وَأَرَادَ قتل أَوْلَاد ثمال فَحَضَرَ سيد النَّاس مقدم طره وشفع فِي نُفُوسهم بِشَرْط أَن يؤدوا قطيعة على رقابهم مائَة ألف دِينَار مأمونية فَقبل شَفَاعَته وعجلوا من ذَلِك ثَلَاثِينَ ألفا وضمنهم سيد النَّاس بِمَا بَقِي عَلَيْهِم وَأَخذهم وانكفأ إِلَى طرة وَأقَام شرف الدّين تَحت الحامة قَرِيبا مِنْهَا واضطرب أهل قابس بِأخذ الحامة لِأَنَّهَا قريبَة مِنْهَا وَخرج إِلَيْهِ عَليّ بن عِيسَى بن شكاب وَهُوَ من كبار مَشَايِخ قابس اتهمه الموحدون بِأَنَّهُ يُكَاتب قراقوش وَكَانَ بهَا فَقِيه كَبِير يُقَال لَهُ ابْن نزار قَتله أهل قابس لاعتقادهم أَنه كَاتب قراقوش فثارت عَلَيْهِ الْعَوام وحصروه فِي دَاره وَقتل بهَا
[ ٢٠٤ ]