وَذَلِكَ أَن سُلْطَان الرّوم السلاجقة قلج أرسلان أرسل فِي طلب حصن رعبان يدعى أَنه من بِلَاده وَإِنَّمَا أَخذه مِنْهُ نور الدّين بِغَيْر أَمر
[ ١٨ ]
وَأَن وَلَده الْملك الصَّالح قد أنعم بِهِ عَلَيْهِ فَأبى ذَلِك الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين فَجهز قلج أرسلان عسكرا وَنزل على حصاره فندب السُّلْطَان الْملك المظفر إِلَى لقائهم بِجَمَاعَة يسيرَة وَكَانَ جُمْلَتهمْ ثَمَانِي مائَة فَارس وَكَانَ عَسْكَر قلج أرسلان نيفا وَعشْرين ألف فَارس مجتمعة على النهب والغارة فَسَار بِمن مَعَه من الْعدة الْيَسِيرَة الْمَذْكُورَة حَتَّى أشرف على عَسْكَر قلج أرسلان لَيْلًا وَقد تلاحق بِهِ من أَصْحَابه نَحْو من مِائَتَيْنِ وَالْبَاقُونَ فِي إثرهم لم يتَّفق اجْتِمَاعهم جملَة وَاحِدَة لِأَن طريقهم كَانَت وعرة لم يَسِيرُوا معظمها إِلَّا رجالة فَلَمَّا أشرف عَلَيْهِم ضربت كوساته وبوقاته فركض بِمن مَعَه وخالط الْقَوْم وَذَلِكَ فِي سوق الربض وَكَانَ لعسكر قلج أرسلان من فرسانهم ثَلَاثَة آلَاف فِي حِصَار الْحصن فحين وَقع الصَّالح تحادروا عَلَيْهِ وضايقوه وَمن مَعَه فَأَشَارَ إِلَى غُلَامه بِأَن يُعْطِيهِ قنطاريته فَنَاوَلَهُ إِيَّاهَا فَحمل عَلَيْهِم وَقَالَ إِنَّا الْملك المظفر ثمَّ طعن فَارِسًا فأرداه وَحمل أَصْحَابه فِي إثره فكسروا فُرْسَانًا فَلَمَّا نظر الْقَوْم إِلَى ذَلِك انْهَزمُوا من بَين يَدَيْهِ عَن آخِرهم وَوَقع الصَّالح بهم فَجعل يتبع بَعضهم بَعْضًا وَتركُوا خيامهم بِمَا فِيهَا من أثقالهم وَمِنْهُم من أَصَابَهُ بذلك واسر من مقدميهم بذلك جمَاعَة فَلَمَّا أصبح خلع عَلَيْهِم وَأعْطِي كل وَاحِد مِنْهُم فرسا يحملهُ وسير النجب من هُنَاكَ إِلَى السُّلْطَان والكتب تخبره بِمَا رزقه الله من النَّصْر وَالظفر بعسكر قلج أرسلان وَوَافَقَ ذَلِك مَا من الله تَعَالَى بِهِ على السُّلْطَان من ظفره
[ ١٩ ]
بالإفرنج فِي مرج عُيُون وسارت بذلك البشائر إِلَى بِلَاد الْإِسْلَام وسيرت كَلِمَات الشُّعَرَاء إِلَيْهِ من أقاصي الْبِلَاد وأدانيها فَمن ذَلِك كلمة أَمِين الدولة أبي الْفَتْح مُحَمَّد بن عبد الله التعاويذي الْبَغْدَادِيّ وَهُوَ من شعراء الدِّيوَان الْعَزِيز بِمَدِينَة السَّلَام سَيرهَا إِلَيْهِ فِي السّنة الْمَذْكُورَة إِلَى دمشق وَهِي
(إِن كَانَ دينك فِي الصبابة ديني فقف الْمطِي برملتي بيرين)
(والثم ثرى لَو شارفت فِي هضبه أَيدي الركاب لثمته بجفوني)
(وَأنْشد فُؤَادِي فِي الظباء معرضًا فبغير غزلان الصريم جنوني)
(ونشيدتي بَين الْخيام وَإِنَّمَا غالطت عَنْهَا بالظباء الْعين)
(لَوْلَا العدى لم أكن عَن ألحاظها وقدودها بحوازن وغصون)
(لله مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ قبابهم يَوْم النَّوَى من لُؤْلُؤ مَكْنُون)
(من كل تائهة على أترابها بالْحسنِ غانية عَن التحسين)
(خود ترى قمر السَّمَاء إِذا بَدَت مَا بَين سالفة لَهَا وجبين)
(غادين مَا لمعت بروق ثغورهم إِلَّا استهلت بالدموع شؤوني)
(إِن ينكروا نفس الصِّبَا فَلِأَنَّهَا مرت بِزَفْرَةٍ قلبِي المحزون)
[ ٢٠ ]
(وَإِذا الركائب فِي الحبال تلفتت فحنينها لتلفتي وحنيني)
(يَا سلم إِن ضَاعَت عهودي عنْدكُمْ فَأَنا الَّذِي اسْتوْدعت غير أَمِين)
(أَو عدت مغبونا فَمَا أَنا فِي الْهوى لكمو بِأول عاشق مغبون)
(رفقا فقد عسف الْفِرَاق بِمُطلق العبرات فِي أسر الغرام رهين)
(مَالِي وَوصل الغانيات أرومه وَلَقَد بخلن عَليّ بالماعون)
(وعلام أَشْكُو والدماء مطاحة بلحاظهن إِذْ الْجمال ديوني)
(هَيْهَات مَا للبيض فِي ود امْرِئ أرب وَقد أربي على الْخمسين)
(وَمن البلية أَن تكون مطالبي جدوى بخيل أَو وَفَاء خؤون)
(لَيْت الضنين على الْمُحب بوصله لقن السماحة من صَلَاح الدّين)
(ملك إِذا علقت يَد بزمامه علقت بحيل فِي الْحفاظ متين)
(قاد الْجِيَاد معاقلا وَإِن اكْتفى بمعاقل من رَأْيه وحصون)
(وَأعد للأعداء كل مهند ومثقف ومضاعف موصون)
[ ٢١ ]
(سهرت جفون عداهُ خيفة ماجد خلقت صوارمه بِغَيْر جفون)
(لَو أَن لليث الهزبر سطاه لم يلجأ إِلَى غَابَ لَهُ وعرين)
(وَالْبَحْر لَو مزجت بِهِ أخلاقه لغدت مياه الْبَحْر غير أجون)
(وَالْأَرْض لَو شيبت بِطيب ثناه لم تنْبت سوى الخيري والنسرين)
(والدهر لَو أعداه حسن طباعه ماشين من أبنائه بضنين)
(قسما لقد فضل ابْن أَيُّوب الحيا بسماح كف بالنضار هتون)
(مخلوقة من سؤدد وندى وَقد خلق الْأَنَام سلالة من طين)
(يَا من إِذا نزل الْوُفُود بِبَابِهِ نزلُوا بجم من نداه معِين)
(أضحت دمشق وَقد حللت بجوها مأوى الطريد وموئل الْمِسْكِين)
(وغدت بعدلك وَهِي أكْرم منزل تلقى الرّحال بِهِ وَخير قطين)
(يثنى عَلَيْك المعدمون بهَا كَمَا تثنى الرياض على الساحب الجون)
(لَك عفة فِي قدرَة وتواضع فِي عزة وشراسة فِي لين)
[ ٢٢ ]
(قسمت يَمِينك فِي الورى الأرزاق والآجال بَين منى وَبَين منون)
(وأريتنا بجميل صنعك مَا روى الراوون عَن أُمَم خلت وقرون)
(وضمنت أَن تحيى لنا أيامهم بالمكرمات فَكنت خير ضمين)
(كَاد الأعادي أَن يصيبك كيدها لَو لم تكدك برأيها المأفون)
(تخفى عداوتها وَرَاء بشاشة فتشف عَن نظر لَهَا مشفون)
(دفنت حبائل مكْرها فرددتها تذوي بغيظ صدورها المدفون)
(وَعلمت مَا أخفوا كَأَن قُلُوبهم أفضت إِلَيْك بسرها المخزون)
(كمنوا وَكم لَك من كمين سَعَادَة فِي الْغَيْب يظْهر من وَرَاء كمين)
(فهوت نُجُوم سعودهم وَقضى لَهُم بالنحس طَائِر جدك الميمون)
(فتمل دولتك الَّتِي حكمت لَهَا الأقدار بالتأييد والتمكين)
[ ٢٣ ]
وَمِنْهَا بعد أَبْيَات يذكر فِيهَا حَاله ويصف من كَلمته
(وأقصد حمى ملك عَزِيز جَاره سامي الذؤابة شامخ الْعرنِين)
(واهد الثَّنَاء إِلَى أغر فسيح أقطار المحامد بالثناء قمين)