وَفِي هَذِه السّنة كَانَ خُرُوج شرف الدّين قراقوش إِلَى نَاحيَة طرابلس وحد نفوسة وَوصل إِلَى السويقة فِي الْيَوْم الرَّابِع من صفر من السّنة الْمَذْكُورَة وتلقاه أُمَرَاء ذُبَاب حميد بن جَارِيَة وَكَانَ عظيمهم وَرَئِيسهمْ المطاع وشكر بن ثاقب وَبدر بن هَدِيَّة وَفرج بن مُنَبّه وَعلي بن طلحاب وثائر بن روق وحبوس بن جماز وَجَمِيع بن مُوسَى ومناس بن عَمْرو وعريف بن سِنَان وَجَمَاعَة من مقدميهم يطول بذكرهم الْكتاب وَأَقَامُوا وإياه بالسويقة عشرَة أَيَّام يستحضرون الْقَبَائِل من ذُبَاب ويستحلفونهم على الْخدمَة والنصح وَسَار وإياهم حَتَّى نزل بر ليطن وَهِي قُصُور حَسَنَة على مرحلة من السويقة فِي وطاة كَثِيرَة الزَّيْتُون وعيون المَاء ورحل مِنْهَا فَنزل الطابية وَأقَام بهَا يَوْمَيْنِ ورحل عَنْهَا فَنزل لبدة وَأقَام بهَا ثَلَاثَة أَيَّام ورحل عَنْهَا فَنزل مسلاتة وَهِي جبل إِلَى نَاحيَة نفوسة فَأَقَامَ بهَا يَوْمًا وَاحِدًا وَنزل مِنْهَا إِلَى الوطا الَّذِي لبلاط طرابلس وانهالت عَلَيْهِ دباب من كل مَكَان حَتَّى صَار فِي خَمْسَة ألف مِنْهُم وَمَعَهُ من أَصْحَابه أَرْبَعمِائَة فَارس أتراك وأكراد وأكادش
[ ٣٤ ]
وَكَانَ نَاصِر الدّين قد جمع زغب وانحاز إِلَى جبل نفوسة إِلَى نَاحيَة مَا عرمس وَترك شَرق جبل نفوسة خوفًا من شرف الدّين وَلم يزل شرف الدّين مُقيما بِتِلْكَ النواحي أَرْبَعَة عشر يَوْمًا وَتقدم إِلَى وَاد يُقَال لَهُ محسن فَنزل فِيهِ وقلعة أم الْعِزّ مطلة عَلَيْهِ فَأَقَامَ بِهِ يَوْمَيْنِ ثمَّ ارتحل بعجلة حميد بن جَارِيَة ولزه كثيرا فِي المصاف
وَبعد أَن جرى بَينه وَبَين حميد كَلَام كثير من جملَته أَن قَالَ لَهُ شرف الدّين
يَا أَمِير إِنَّمَا قصدي أَن أستفسد جمَاعَة من الأتراك الَّذين عِنْد إِبْرَاهِيم ويقل أَصْحَابه ونقوى عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ يَا شرف الدّين أَنا سُلْطَان إِن أَنْت أَقمت وَلم تتقدم علمت أَنَّك وَصَاحِبك متعاملان علينا وتريد أَن تصالحه وتصالح زغب وتكونون كلكُمْ علينا يدا وَاحِدَة فَقَالَ لَهُ شرف الدّين أرحل لأجل هَذَا الْكَلَام غير أَنَّك سترى أَصْحَابك وَقد تفللوا عَنْك وعادوا عَلَيْك وعلينا إِن جرى لنا أيسر سَبَب
وَكَانَ شرف الدّين خَائفًا من أَصْحَاب المبارز لِئَلَّا يخامروا فَأَرَادَ أَن يتَوَقَّف حَتَّى يستفسد من أَصْحَاب إِبْرَاهِيم جمَاعَة تكون خيرا لَهُ مِنْهُم وَمَا يبْقى عَلَيْهِ بَأْس وَالَّذِي خافه وَقع فِيهِ لأجل استعجال حميد لَهُ فَسَار بدباب ليلته وَنزل إِبْرَاهِيم وَاديا يُقَال لَهُ أرقطين وَأصْبح شرف الدّين بجمعه مُقَابلا لَهُ فَركب العسكران وَوَقع المصاف وحملت دباب على زغب فتأخرت قَلِيلا ووقف إِبْرَاهِيم وَكَانَ فِي القلبوقوفا جيدا وَكَانَ عَالما بإقدام شرف الدّين وَأَنه إِذا حمل لَا يرد رَأس فرسه فألبس تشاهيره لغلام لَهُ وأركبه فرسا كَانَ لَهُ أَشهب وَتَركه وَاقِفًا فِي مَوْضِعه
[ ٣٥ ]
وحاد عَن وسط الطّلب الَّذِي لَهُ
قَالَ شرف الدّين عِنْدَمَا وقف طلب إِبْرَاهِيم وَسَأَلَ عَن حليته وإيش ملبوسه وَعَن فرسه الَّذِي هُوَ رَاكِبه فعرفوه بذلك فَقَالَ لمن يَثِق بِهِ لَا بُد لي من إِبْرَاهِيم فَحمل وَتَبعهُ من أَصْحَابه أَرْبَعُونَ فَارِسًا إِلَى أَن أخرق طلب إِبْرَاهِيم وزعزعه عَن مَكَانَهُ الَّذِي كَانَ فِيهِ وَلحق صَاحب الحصان الْأَشْهب الَّذِي عَلَيْهِ تشاهير إِبْرَاهِيم فطعنه فأرداه عَن فرسه وَهُوَ يظنّ أَنه إِبْرَاهِيم فَلَمَّا وَقع قَالَ لَهُ
زنهار يَا خوند فَقَالَ لَهُ
مَا أَنْت إِبْرَاهِيم فَقَالَ
لَا فبصق عَلَيْهِ وَقَالَ
شه عَلَيْك وانحرف
وَكَانَ أَصْحَاب المبارز سَبْعَة نفر قد طلبُوا التقفيز ومنعهم حُضُور شرف الدّين مَعَهم فِي الطّلب فَلَمَّا حمل وخلا لَهُم الْموضع قفزوا الْجمع وَمن مَعَهم مرّة وَاحِدَة وَكَانُوا يزِيدُونَ على مائَة فَارس وصاحوا
نَاصِر الدّين يَا مَنْصُور وصاروا قَرِيبا من طلبه فَردُّوا رُؤُوس خيولهم إِلَى نَاحيَة الْقِتَال فتراجع أَصْحَاب إِبْرَاهِيم وهم دباب وَقد قفزوا فظنوا أَن الْجَمِيع يَفْعَلُونَ كَمَا فعل أُولَئِكَ فانتشرت دباب وهم فِي خَمْسَة ألف فَارس وطلبتها زعب فَقلعت مِنْهُم جمَاعَة ووصلوا إِلَى أثقال شرف الدّين فانتهبوها وانتهبت مَعَهم أَيْضا دباب مَا قدرت عَلَيْهِ
وَلما رَأَتْ الأتراك مَا فعلته دباب خَافُوا الْقَتْل فقوم قفزوا وَقوم أخذُوا وَصَارَت الكسرة على شرف الدّين وَعَاد فَلم يجد ثقلا وَلَا شَيْئا
[ ٣٦ ]
وَكَانَ لَهُ من الأثقال شَيْء عَظِيم وَلَقَد حَدثنِي من أَثِق بِهِ أَن شرف الدّين حلف لَهُ بِاللَّه تَعَالَى أَن الَّذِي كَانَ تَحت ثقله لنَفسِهِ ألفا وثلاثمائة جمل وَأما الأتراك فللواحد أَرْبَعُونَ جملا وَثَلَاثُونَ جملا وَأَقل وَأكْثر
وَأما شرف الدّين فَإِنَّهُ رَجَعَ إِلَى نَاحيَة محسن وَمَعَهُ مائَة وَأَرْبَعُونَ فَارِسًا من أَصْحَابه فَحسب كل مِنْهُم عَلَيْهِ درعه ولامة حربه وفرسه وَلم يبْق لوَاحِد مِنْهُم شَيْء يلْبسهُ وَلَا يَأْكُلهُ وَبَقِي حميد مَعَه مازال فَقَالَ لَهُ
يَا أَبَا عَسْكَر كَيفَ رَأَيْت حَدِيثي وَمَا فعله أَصْحَابك وقبيلتك غدروا بِنَا وَأخذُوا مَا لنا ودوابنا وَقد حضرت لنصرتهم وَلم يقدر أَن يَقُول لَهُ أَكثر من هَذَا فَقَالَ لَهُ حميد
لقد غدر الملاعين وَالله تَعَالَى ينْتَقم مِنْهُم ولابد من دَائِرَة تَدور عَلَيْهِم وَكَانَ حميد شجاعا بطلا فَارِسًا متكلما ممولا وَبَات بمحسن فأحضر لَهُ حميد وَمن كَانَ فِيهِ من الْعَرَب من دباب مَا أكلُوا ورد عَلَيْهِ إِنْسَان خيمة كَانَت لبَعض أَصْحَابه أَخذهَا فِي جملَة مَا أَخذه نضربوها لَهُ وَأصْبح راحلا طَالبا طرابلس الْمَدِينَة نَفسهَا وَقد ثاب إِلَيْهِ فِي اللَّيْل من أَصْحَابه قريب من أَرْبَعِينَ فَارِسًا وَصَارَ أَصْحَابه يتواصلون إِلَيْهِ مِنْهُم من أطلقهُ إِبْرَاهِيم وَمِنْهُم من كَانَ منحازا فوصل إِلَيْهِ وَنزل على تاجرة بلد قريب من مَدِينَة طرابلس فتحهَا وَأَخذهَا فنهب مِنْهَا أَمْوَالًا عَظِيمَة
فَلَمَّا رَأَتْ زعب أَن أَصْحَاب إِبْرَاهِيم لَا يبْقى مِنْهُم أحد أشاروا عَلَيْهِ بِأَن ينفذ إِلَى شرف الدّين ويصالحه وَيُعْطِيه شَرْقي نفوسه وَيَأْخُذ غربية فَعلم
[ ٣٧ ]
أَن فِي ذَلِك الْمصلحَة فنفذ إِلَيْهِ وراسله فِي الْمُصَالحَة وَلم تزل المراسلة بَينهمَا إِلَى أَن اسْتَقر أَن يَأْخُذ شرف الدّين مقرة وعربان وقلعة أم الْعِزّ ويفرن وسماح وَيكون من سماح إِلَى غربي نفوسة لإِبْرَاهِيم وَمهما فتح كَانَ بَينهمَا فاختلفا على ذَلِك وأطلع شرف الدّين نِسَاءَهُ إِلَى قلعة أم الْعِزّ وَبقيت قلعة تيركب لإِبْرَاهِيم وَصَارَ شرف الدّين فِي الوطا يَأْخُذ الْبِلَاد أَخذ دواره وزواغة ولمايه وسيرة فِي كل وَاحِدَة مِنْهُنَّ بِلَاد كَبِيرَة وَأقَام بَاقِي سنته فِي بِلَاد طرابلس وَأمنت دباب من غَارة إِبْرَاهِيم فَصَارَت فِي كل وَقت تسرق أَصْحَاب شرف الدّين وَمن لقوه من الأتراك مُنْفَردا قَتَلُوهُ وَعلم شرف الدّين غدرهم ونحسهم
وَكَانَت زغب قد غربت بعد أَن قَالَت لإِبْرَاهِيم
من الرَّأْي أَن تغرب مَعنا فَإِن شرف الدّين فِي قُوَّة وَهُوَ قَلِيل الْغدر مَا يَأْخُذ لَك شَيْئا من بلادك وتملك فِي الغرب مَوَاضِع وَتَأْخُذ أَمْوَالًا إِلَى أَن يتَبَيَّن شرف الدّين نحس دباب وغدرهم فَيَعُود إِلَى مصالحتك والاتفاق أَنْت وَهُوَ وَنحن وَنخرج دباب من الْبِلَاد فَأبى عَلَيْهِم فَمَضَوْا بعد أَن وَدعوهُ وداع من لَا يعود يلتقى
فَلَمَّا أحس شرف الدّين كَمَا ذكرُوا بغدر دباب ونحسهم وانهم قد أمنُوا من زغب وَإِبْرَاهِيم عزم على التَّغْرِيب إِلَى دمر وقطماطة وزريقا وَقَابِس وَمَا إِلَى تِلْكَ الْبِلَاد وَتوجه إِلَى دمر وَذَلِكَ فِي مُسْتَقْبل سنة سِتّ وَسبعين وَسَنذكر قصَّته فِي مَكَانهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
[ ٣٨ ]
وفيهَا عزل سُلَيْمَان بن جاووش عَن نِيَابَة الوزارة وَسبب ذَلِك أَن أستاذ الدَّار أَبَا الْفضل كَانَ يكرههُ فَحسن للخليفة عَزله وَقَالَ
إِن هَذَا رجل قد كبر وَعجز عَن التَّدْبِير للدولة فَتقدم إِلَيْهِ يسْتَبْدل بِهِ من شَاءَ فَتقدم أستاذ الدَّار إِلَى مقرب الدّين بن بختيار بإحضار أبي المظفر هبة الله بن مُحَمَّد بن البُخَارِيّ فَأحْضرهُ لَيْلًا إِلَى دَار الْخَلِيفَة فبقى فِي الدَّار ثَلَاثَة أَيَّام وَلَا يعلم أحد ثمَّ أنفذ فِي الْيَوْم الثَّالِث فَأمر بعزل سُلَيْمَان بن جاووش فعزل من الدِّيوَان الْعَزِيز وَركب ابْن البُخَارِيّ فَجَلَسَ فِي الدِّيوَان نَائِب وزارة وأفردت لَهُ الدَّار الَّتِي كَانَت لِابْنِ هُبَيْرَة فِي المطبق فَكَانَ لَا يخرج عَن أوَامِر أستاذ الدَّار وَلَا ينْفَرد بِأَمْر دونه
وفيهَا تراخت الأسعار جدا وَكَثُرت الأمطار وأخصبت الْبِلَاد ونمت الزروع
وفيهَا أَمر الْخَلِيفَة بِالْخلْعِ والتشريفات على الْأُمَرَاء وأرباب الدولة وضاعف أرزاق المماليك وَغَيرهم
وفيهَا أَمر بِإِخْرَاج السرادق الشريف وَكَانَ سرادقا عَظِيما لم يعْمل مثله وَكَانَ من الأطلس الْمُخْتَلف الألوان وَأمر أَن يضْرب السرادق عِنْد الكشك الْجَدِيد قَرِيبا من الميدان وَأَن يخرج الْأُمَرَاء والمماليك وأرباب الدولة خيامهم فَتضْرب هُنَاكَ وَتقدم إِلَى أَرْبَاب الدولة أَن يتأهبوا للرُّكُوب فِي الْخدمَة الشَّرِيفَة وَأَن يحضروا إِلَى بَاب النَّصْر وَركب النَّاس لامتثال الْأَمر وَذَلِكَ فِي أول شهر ربيع الأول من السّنة وحضروا إِلَى بَاب النَّصْر فَفتح لَهُم وَخرج الخدم وتقدموا إِلَى الْأُمَرَاء وأرباب الدولة بِالدُّخُولِ إِلَى الْحرم وَأَن يكون مقامهم فِي
بُسْتَان الْأَرْبَعين فَدَخَلُوا وَكَانَ فِي جُمْلَتهمْ
[ ٣٩ ]
الْأَمِير قَاسم بن مهنا الْعلوِي الْحُسَيْنِي أَمِير مَدِينَة الرَّسُول صلوَات الله عَلَيْهِ وَسَلَامه فَخرج الْخَلِيفَة وَعَلِيهِ جُبَّة بَيْضَاء وطيلسان أَبيض وَبَين يَدَيْهِ أستاذ الدَّار أَبُو الْفضل بن الصاحب والخدم وَبَين يَدَيْهِ عَن يَمِينه وَعَن شِمَاله فَقَامَ النَّاس وقبلوا الأَرْض وخدموا ودعوا وَكَانَ أَوَّلهمْ خدمَة جلال الدّين أَبُو المظفر بن البُخَارِيّ نَائِب الوزارة فَتقدم وَقبل الأَرْض ثمَّ قبل الركاب الشريف ثمَّ تلاه الْأُمَرَاء وأرباب الدولة فخدموا ودعوا والخليفة لَا يرد على وَاحِد مِنْهُم جَهرا وَلَا يسمع مِنْهُ منطقا حَتَّى تقدم الْأَمِير قَاسم أَمِير الْمَدِينَة فَقبل الأَرْض ثمَّ قبل الركاب الشريف ثمَّ دَعَا وَأحسن وأبلغ فِي دُعَائِهِ فَوقف لَهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ ورد ﵇ جَهرا وَرفع يَده فوضعها عَلَيْهِ وَأحسن لَهُ الْبُشْرَى ثمَّ مضى رَاكِبًا وَالنَّاس بَين يَدَيْهِ مشَاة حَتَّى خرج من بَاب النَّصْر فَأَشَارَ إِلَى أستاذ الدَّار أبي الْفضل بالركوب فَركب ثمَّ ركب بعده نَائِب الوزارة ثمَّ الْأُمَرَاء وأرباب الدولة وَسَار فَخرج إِلَى ظَاهر بَغْدَاد إِلَى أَن وصل إِلَى الميدان الَّذِي فِيهِ الكشك فَدخل إِلَيْهِ وَلم يدْخل مَعَه إِلَّا أستاذ الدَّار ابْن الصاحب ثمَّ دخل إِلَى الكشك فبقى فِيهِ ذَلِك الْيَوْم وَبَات فِيهِ
فَلَمَّا أصبح ركب فِي الميدان وَجعل يسير فِيهِ ثمَّ أذن للنَّاس من الْأُمَرَاء وأرباب الدولة بِالدُّخُولِ إِلَى الميدان فَدَخَلُوا فَكَانَ أستاذ الدَّار عَن يَمِينه وَابْن البُخَارِيّ عَن شِمَاله
ثمَّ إِنَّه خرج فِي يَوْمه ذَلِك إِلَى الصَّيْد وَمَعَهُ جمَاعَة الْأُمَرَاء والمماليك وَلم يخرج مَعَه من أَرْبَاب الدولة سوى أستاذ الدَّار ابْن الصاحب وَكَانَ فِي كل يَوْم يتصيد وَيرجع إِلَى الكشك فَلم يزل ذَلِك إِلَى يَوْم الْجُمُعَة فَتوجه إِلَى جَامع الرصافة لصَلَاة الْجُمُعَة وَكَانَ يَوْمًا مشهودا فَلَمَّا قضى صَلَاة الْجُمُعَة وَكَانَ الْخَطِيب يَوْمئِذٍ أَبُو الْفرج بن المنصوري أَمر أَن تهَيَّأ لَهُ
[ ٤٠ ]
سمارية خَفِيفَة فَنزل بهَا وَسَار فِي دجلة والأمراء فِي السماريات بَين يَدَيْهِ يَسِيرُونَ فِي خدمته وَكَانَ الْخَلِيفَة جَالِسا فِي صدر السمارية فِي قبَّة سَوْدَاء وأستاذ الدَّار قَائِم بَين يَدَيْهِ وَكَذَلِكَ جمَاعَة
ثمَّ أَفَاضَ من كرمه على جَمِيع من كَانَ من اصحاب ابْن قرا أرسلان مَا لم ينْحَصر من مركوب وكراع وَثيَاب ومتاع وَغير ذَلِك وَعمل وَالِدي الْملك المظفر لِابْنِ قَرَأَ أرسلان دَعْوَة جميلَة أَيْضا وَحمل لَهُ عشرَة آلَاف دِينَار ثمَّ عمل نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن شيركوه ابْن عَم السُّلْطَان صَلَاح الدّين لَهُ دَعْوَة عَامَّة وأفاض عَلَيْهِ مَالا جزيلا وَكَذَلِكَ عمى عز الدّين فرخشاه عمل لَهُ دَعْوَة وأوسع لَهُ الْعَطاء وَلمن كَانَ مَعَه وَلم يزل السُّلْطَان هُنَاكَ فِي تِلْكَ الْأَيَّام يبْذل الْجُود فِي اقتناء المحامد إِلَى أَن وصلت رسل قلج أرسلان بِالطَّاعَةِ والإذعان لما أَرَادَهُ السُّلْطَان من أَمر نور الدّين بن قَرَأَ أرسلان وَكَانَ المنفذ من جَانِبه الْأَمِير اخْتِيَار الدّين حسن بن عفراس وَكَانَ كَبِيرا مقدما عِنْد ملك الرّوم وَكتب لَهُ السُّلْطَان عهدا أكد فِيهِ الشَّرَائِط بالِاتِّفَاقِ فِيمَا بَينهمَا وَانْصَرف هُوَ وَأَصْحَابه بالتحف وَالْخلْع والتشريفات الجميلة وَعَاد كل مِنْهُم إِلَى جِهَته
[ ٤١ ]