وَلما دخلت سنة سبع وَسبعين رَحل شرف الدّين عَن جِهَة مطماطة وَمضى
[ ٦٧ ]
إِلَى إفريقية وَنزل على اربس وَهِي مَدِينَة عَظِيمَة وَقد اجْتمع مَعَه جمَاعَة من الْعَرَب من مرداس وَمن الرجالة وَأقَام عَلَيْهَا أَيَّامًا وَعمل عَلَيْهَا منجنيقا فَلم يقدر عَلَيْهَا ورحل عَنْهَا إِلَى سوبيريه وَلم ينزل عَلَيْهَا بل أغار على بلادها وترددت إغاراته على اربس وبلادها وَمَا حولهَا أشهرا وَجعل يرحل من مَوضِع إِلَى مَوضِع لِأَنَّهَا كَانَت أَيَّام الرّبيع إِلَى أَن انْقَضى الرّبيع وَجَاء الصَّيف فَرَحل وأوغل فِي بِلَاد إفريقية وانتهب مِنْهَا مَا قدر عَلَيْهِ وغنم أَصْحَابه الْغَنِيمَة الْعَظِيمَة وَعَاد إِلَى قفصة بمكاتبة كَانَت من بعض شيوخها إِلَيْهِ وواعده لَيْلَة بِعَينهَا لِأَن الْمُوَحِّدين كَانُوا قد أخذوها من بني الربذ فِي سنة خمس وَسبعين وَخَمْسمِائة وَأَهْلهَا كثير وفيهَا من أَصْحَاب ابْن عبد الْمُؤمن جمَاعَة فوصل إِلَيْهَا فِي اللَّيْلَة الَّتِي واعده الشَّيْخ على شرفتها فَمَا تهَيَّأ لَهُ ذَلِك بل عمل السلاليم الَّتِي أعدهَا للشرفة وطلع أَصْحَابه فشعر بهم الموحدون وَجَاءُوا إِلَيْهِم فأنزلوهم أَشد إِنْزَال وَكَانَ الشَّيْخ على السُّور فَأَخذه مَعَه وَقبض عَلَيْهِ وَقَيده وَترك فِي رقبته غلا ورحل عَن قفصة فَلَمَّا أبعد عَنْهَا أطلقهُ وَقَالَ لَهُ
عملت بك مَا عملت خشيَة عَلَيْك حَتَّى لَا يُقَال عَنْك إِنَّك عاملت على الْمَدِينَة فَتقْتل وَأَنا بعد إِن شَاءَ الله أرجوك فِي وَقت غير هَذَا وعاهده وَمضى
وطالت مُدَّة إِقَامَة شرف الدّين يتَرَدَّد بأفريقية وَانْقطع خَبره الصَّحِيح عَن نَاصِر الدّين إِبْرَاهِيم ووصلته أَخْبَار سارة بِأَن قراقوش هلك فسارع فِي النُّزُول على قلعة أم الْعِزّ وحاصرها وَكَانَت خَالِيَة من الرِّجَال وَإِنَّمَا كَانَ فِيهَا النسوان وَمَعَهُمْ الحسام البقش أحد أَصْحَاب شرف الدّين وثقاته وَمَعَهُ
[ ٦٨ ]
نفر قَلِيل فَلم يزل حَتَّى أَخذ القلعة وَأخذ جَمِيع مَا كَانَ فِيهَا من ذخائر شرف الدّين وأمواله وَأخرج النسوان مِنْهَا ووكل عَلَيْهِنَّ وعَلى الحسام البقش وتركهم فِي مَوضِع
وَاتفقَ أَن شرف الدّين عِنْد رحيله عَن أم لَامة توجه إِلَى بلد القيروان وَنزل على مَوضِع يُقَال لَهُ السِّكَّة فِي أَوَاخِر سنة سبع وَنصب عَلَيْهَا منجنيقا وقاتله وَكَانَ مَعَه من الْعَرَب سليم الشريد فِي قريب من ألف فَارس وَقد وَصله حميد بن جَارِيَة فِي هَذِه السّنة فِي مِائَتي فَارس وَترك قبيلته لما استضعفوه واستهانوه فَلم يشعروا فِي أول النَّهَار إِلَّا وَالْحَرب قد قَامَت بَين حميد والشريد وَكَانَ الشريد أَكثر من حميد فَوَقَعت حمية قراقوش لحميد فنفذ عسكرا عونا لحميد فَلَمَّا شَعرت مَشَايِخ الشريد بذلك ارتحلت عَنهُ وَتركته وَحميد فَمَا بعدوا إِلَّا وعسكر الْمُوَحِّدين فيهم أحد أَوْلَاد عبد الْمُؤمن يُقَال لَهُ أَبُو مُوسَى فِي نَحْو من عشرَة ألف فَارس وَعشرَة ألف راجل وَمَا عِنْد شرف الدّين قراقوش خبر مِنْهُم حَتَّى أطل الْعَسْكَر من نَاحيَة الْجَبَل وَنزل الوطاء فندم على مُفَارقَة الشريد وَنفذ يستصرخهم فعادوا غليه خيالة من غير أهل وَتركُوا أهلهم ومضوا لحالهم ووصلوا إِلَيْهِ وَقَالُوا يَا شرف الدّين يَا سُلْطَان نَحن لَك على مَا تحب إِن طردتنا نزحنا وَإِن استدنيتنا حَضَرنَا وشال الْعَسْكَر أثقاله وَبَقِي المنجنيق ولز وُصُول الْعَسْكَر وَالنَّاس يَقُولُونَ
يَا خوند أطلنا الْعَسْكَر وَهُوَ يَقُول وَالله مَا أروح إِلَّا بالمنجنيق وَلم يزل حَتَّى رَفعه على الْجمال وَضرب لمقدم عَسْكَر الْمُوَحِّدين خيمة وَاحِدَة ووقف الْعَسْكَر بأسره فَسئلَ بعد ذَلِك عَن الْخَيْمَة مَا كَانَ سَبَب ضربهَا فَقَالُوا نزل السَّيِّد يلبس فِيهَا لَامة حربه
[ ٦٩ ]
وَنفذ شرف الدّين الشهَاب ابْن الْمُقدم وَجعله مقدما على الشاليشية وَأَرَادَ أَن يبصر كَيفَ حَرْب الْمُوَحِّدين وطمعوا فيهم فرموا مِنْهُم جمَاعَة وَأتوا بخيولهم إِلَى شرف الدّين فَزَاد الطمع وَنفذ الْعَرَب الشريد وذباب وَأَصْحَاب حميد فَصَارَ الْجَمِيع قَرِيبا من ألف وَخمْس مائَة فَارس وَوَقع الطراد بَينهم وطمعوا فِي الْمُوَحِّدين ونفذوا إِلَى شرف الدّين أَن يقدم إِلَيْهِم
وَكَانَ شرف الدّين قد نفذ الثّقل وأوصله إِلَى رجائل الْعَرَب وَعَاد وَمَعَهُ ثَلَاثمِائَة فَارس فأطل على الْقِتَال وَحمل حَملَة وَاحِدَة بِمن مَعَه وَمن كَانَ تقدمه فانكسر الموحدون وارحت عَلَيْهِم الكرة ولازال الطراد فيهم وَالْأَخْذ إِلَى مَدِينَة القيروان فَدَخلَهَا السَّيِّد أَبُو مُوسَى مقدم الْعَسْكَر وَعَاد شرف الدّين ظافرا وغنم عسكره وأسروا جمَاعَة من المقدمين فَكَانَ مِمَّن أسر ابْن مثنى صَاحب ديوَان أفريقية وَالْقَاضِي قية وَالْقَاضِي ابْن ماسكة قَاضِي إفريقية وَجَمَاعَة كَبِيرَة مِنْهُم من فدى نَفسه بِخَمْسَة ألف دِينَار وَسِتَّة ألف دِينَار إِلَى الف وَأما ابْن الْمثنى فَإِنَّهُ كَانَ قد أَخذه بعض الْعَرَب يُسمى نعيم فنفذ إِلَيْهِ شرف الدّين أَخذه وَأَعْطَاهُ ألفي دِينَار وَتَركه فِي خيمة فترددت الرسائل بَينهمَا فِي الْفِدَاء فَقطع على نَفسه خَمْسَة وَسِتِّينَ ألف دِينَار عينا وبأربعين ألف مَتَاعا من عمل سوسة والمهدية وَمَا بَات شرف الدّين فِي تِلْكَ اللَّيْلَة الَّتِي كَانَت الكسرة فِي يَوْمهَا حَتَّى اخذ السِّكَّة الَّتِي كَانَ يحاصرها لاستسلام أَهلهَا وَقطع عَلَيْهِ عشْرين ألف دِينَار فَرَحل عَنْهَا وَقطع القيروان وَنزل بَينهَا وَبَين المهدية على بلد يُسمى لودر فَلم يزل عَلَيْهَا إِلَى أَن استوفى مَا كَانَ قطعه على ابْن مثنى وَأطْلقهُ من هُنَاكَ
وَمن أعجب الْأَشْيَاء أَن بعض الأتراك أَخذ قماشا فِي الكسرة فَكَانَ لكاتب السَّيِّد أبي مُوسَى فَوجدَ فِيهَا أوراقا وكتبا من الْأَطْرَاف وَوجد فِيهِ كتابا وَقد وصل من قابس إِلَى السَّيِّد يذكر فِيهِ أَن إِبْرَاهِيم نزل على أم الْعِزّ وَأَخذهَا وَأنزل نسَاء قراقوش مِنْهَا لما بعد عَهده بِخَبَرِهِ فَدخل على شرف
[ ٧٠ ]
الدّين من ذَلِك أَمر عَظِيم وَمَا كَانَ بُد لَهُ من الْعود إِلَى بِلَاد طرابلس لأجل مَا سَمعه عَن إِبْرَاهِيم فَعَاد مظفرا قد كسر الْمُوَحِّدين وغنم هُوَ وَأَصْحَابه الْغَنِيمَة الْعَظِيمَة وَاتفقَ فِي طَرِيقه بزغب الَّذين كَانُوا يكونُونَ مَعَ إِبْرَاهِيم فتراسل وإياهم وَحضر إِلَيْهِ أمراؤهم وَقد تقدّمت أَسمَاؤُهُم فتحالف مَعَهم وَكَانَ حميد فَارقه عِنْدَمَا نزل بالجهة وَسَار إِلَى قبيلته وَكَانُوا بنواحي هراره وَكَانَت رعب على مَوضِع يُقَال لَهُ رَدِيف وَهُوَ مَوضِع مليح من عمل قابس وَاقع فِيمَا بَينهَا وَبَين جبلي مطماطة وقلعة حسن فَلَمَّا اتّفق مَا بَين شرف الدّين وَبَين زغب فرج عَنْهُم لِأَن ذُبَاب عِنْدهَا عذر عَظِيم ومكر وخداع وزغب عِنْدهَا عذر وَفَاء ومحبة فِي الأتراك لِأَن ذبابا أعداؤهم وهم خلق كثير يكون فِي خَمْسَة ألف فَارس وزغب مَا تزيدعلى ألف ومائتي فَارس إِلَّا أَن زغب عِنْدهم شجاعة وفروسية وَإِن كَانَ فِي ذُبَاب كَذَلِك إِلَّا أَن زغب إِذا كَانَت مَعَ الغز لَا يقابلها أحد وَسَار شرف الدّين وهم مَعَه إِلَى بِلَاد طرابلس فوصلها وَسمع بِهِ إِبْرَاهِيم وَتحقّق رُجُوعه فَقَامَتْ قِيَامَته وَلم يكن شرف الدّين عَاجِزا وَلَا متوانيا فِي أمره إِذْ سارع إِلَى الْجَبَل جبل نفوسه وطلع إِلَى إِبْرَاهِيم من عقبَة يُقَال لَهَا مكردمين وَسَار إِلَى جادوا فَمَا اسْتَطَاعَ إِبْرَاهِيم أَن يقاتله فَترك الْبِلَاد وَنزل إِلَى قلعته تنزلت وتحصن بهَا وَنزل عَلَيْهِ شرف الدّين وَهِي قلعة لَا تقَاتل لِأَنَّهَا نائية فِي وسط وَاد عَظِيم لَا يقدر أحد على الطُّلُوع إِلَيْهَا وَلَا الْقِتَال إِلَّا أَن بعض الْجبَال الَّتِي حولهَا تشرف عَلَيْهَا فجَاء شرف الدّين إِلَى ذَلِك الْجَبَل وَنصب عَلَيْهِ منجنيقا وَرمى بِهِ فَمَا وصل إِلَيْهَا فطول سَهْمه وَرمى بِهِ فَلم يصل إِلَيْهَا بل زَاد على الأول فتحيل فِي سهم طَوِيل وَضرب بِهِ فَوَقع حجره فِي وسط القلعة فَمَا قدر إِبْرَاهِيم أَن يُقيم وَطلب الْأمان وَخرج حَاجِبه جمال الدّين وَطلب أَمَانًا لإِبْرَاهِيم فَشرط عَلَيْهِ أَن يتَوَجَّه إِلَى طرابلس ينزل فِيهَا فِي مركب إِلَى الديار المصرية فتوقف شرف الدّين عَلَيْهِ فِي الْأمان وَقَالَ مَا آخذه إِلَّا أَسِيرًا هَذَا الغادر الماكر فَلم يزل الأتراك يسْأَلُون فِيهِ إِلَى أَن أعطَاهُ
[ ٧١ ]
يَده وَحلف لَهُ بِرَأْس الْملك المظفر أَنه لَا يضرّهُ فَخرج فِي ليلته وَلم يجْتَمع بِهِ وسيره مَعَ سِتِّينَ فَارِسًا إِلَى مَدِينَة طرابلس فوصلها ودخلها
وَكَانَ صَاحبهَا ابْن مطروح عبد الْمجِيد مُطيعًا لِابْنِ عبد الْمُؤمن صَاحب الْمغرب فَلَمَّا اجْتمع بِهِ إِبْرَاهِيم حسن لَهُ التَّوَجُّه إِلَى ابْن عبد الْمُؤمن وسفره فِي مركب إِلَى تونس وَكَانَ فِيهَا وَال يُقَال لَهُ عبد الْوَاحِد فَتَلقاهُ ملقى حسنا وَأَعْطَاهُ مَالا كثيرا وجهزه وسيره إِلَى مراكش وَكَانَ صَاحبهَا ابْن عبد الْمُؤمن يُوسُف إِذْ ذَاك وَملك قراقوش مَا كَانَ بيد إِبْرَاهِيم وأضافه إِلَى مَا كَانَ فِي يَده وَلما أحس حميد بن جَارِيَة مقدم ذُبَاب بِأَن قراقوش قد حَالف زغب قَامَت قِيَامَته وَأخذ فِي عداوته وَصَارَت ذُبَاب تقتل من لقِيت من الأجناد وتغار على جمَالهمْ فِي مراعيها وَتَأْخُذ قوافلهم فَقضى ذَلِك أَن شرف الدّين أظهر عَدَاوَة حميد وَنفذ إِلَيْهِ إِن أردْت صادقتي فَترد مَا أَخَذته قبيلتك فَقَالَ حميد لَا قدرَة لي على ذَلِك فَقَالَ لَهُ شرف الدّين انْعَزل عَنْهُم بِمن أطاعك فَأبى
وَعلمت ذُبَاب بِإِظْهَار الْعَدَاوَة لشرف الدّين فَصَارَت كلهَا طَوْعًا لَهُ وَكَانَت ذُبَاب إِذا رَأَتْ حميدا قد عادى ملكا أَطَاعَته وَإِذا صَادِق ملكا بغضته
وَعلمت الشريد بعداوة شرف الدّين وذباب فانحازت إِلَيْهِ وحالفته مَعَ زغب وَكَذَلِكَ عَوْف حالفته
وَكَانَت سليم كلهَا الَّتِي بطرابلس إِذا جَاءَ لذباب عَدو انْحَازَتْ إِلَيْهِ لِأَن ذُبَاب أبدا كَثِيرَة الْأَذَى لسليم لكثرتها وسأذكر واقعته فِي موضعهَا من سنة ثَمَان وَسبعين وَخَمْسمِائة إِن شَاءَ الله تَعَالَى
[ ٧٢ ]