وفيهَا توجه شرف الدّين قراقوش إِلَى دمر ورزيقا وَقَابِس وَذَلِكَ بَعْدَمَا نفذ إِلَى إِبْرَاهِيم وجدد فِيمَا بَينهمَا الْيَمين والمواثيق بِأَنَّهُ لَا يغدر أحد مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ وَقَالَ تركت هَذِه الْبِلَاد وَأَهلي بقلعة أم الْعِزّ فِي وديعتك وَأَنا مُتَوَجّه فَإِن فتح الله تَعَالَى على واستغنيت عَنْهَا أَعطيتك الْجَمِيع وَسَار فوصل إِلَى دمر وَكَانَ بهَا مقدم سُلْطَان يُقَال لَهُ عُثْمَان وَله قلعة منيعة وبلاد كَثِيرَة فاستولى على الْبِلَاد كلهَا وبقى عُثْمَان فِي القلعة فَلم يقدر عَلَيْهَا وَكَانَ بدمر إِنْسَان مقدم يُسمى فروخا لَهُ قلعة لَيست بالحصينة وَكَانَ عدوا لعُثْمَان فوصل إِلَى شرف الدّين وأطاعه وحالفه وَعلم عُثْمَان بذلك فَقَامَتْ قِيَامَته وَخرج من قلعته يستنفر البربر وَيَقُول لَهُم إِنَّمَا هَؤُلَاءِ الغز قافلة فَلَمَّا سمع شرف الدّين بِخُرُوج عُثْمَان من قلعته
[ ٥٣ ]
وإبعاده عَنْهَا قَالَ إِن لم أدْرك الفرصة مِنْهَا الْآن مَا أَعُود أقدر عَلَيْهَا فَرَحل من الْموضع الَّذِي كَانَ فِيهِ واستقبل طريقها فَلَمَّا وَصلهَا أَخذ ربضها من سَاعَته وَأطلق يَده بِالْقَتْلِ فَقتل من البربر الَّذين بهَا مَا زَادَت عدته على ألفى رجل وَكَانَ سكان هَذَا الْجَبَل وجبل نفوسة ومطماطة وزنزفا وملاقة ومقرة وعربان وَكلهمْ خوارج يلعنون عليا ﵇
وَلما رآي أهل القلعة مَا حل بِأَهْل الربض من الْقَتْل والنهب ارتاعوا واعتقدوا أَن لَا منجا لَهُم وَكَانُوا غير خبراء بِحِفْظ القلاع فراسلوه على أَنهم يأمنون على أنفسهم وَأَمْوَالهمْ فَأَمنَهُمْ وانتهز الفرصة فِي يومهم وَمَا جَاءَ اللَّيْل حَتَّى خَرجُوا من القلعة بِمَا قدرُوا عَلَيْهِ وأطلقوا جملَة من خيلهم ومتاعهم وبقى الثّقل من الْغلَّة والأثاث فَأخذ مِنْهُ مَا قدر عَلَيْهِ وَبقيت القلعة فِي يَده
وَسمع عُثْمَان مَا جرى فِي قلعته وربضها فضاقت عَلَيْهِ الأَرْض وَمَا كَانَ لَهُ سَبِيل إِلَّا مراسلة شرف الدّين قراقوش وسؤاله الْعَفو عَنهُ وَأَن يكون غُلَاما لَهُ وَأَن يكون الْجَبَل كُله فِي طَاعَته فَأَمنهُ وَأَعَادَهُ إِلَى قلعته وخلع عَلَيْهِ وأحضر لَهُ أهل الْجَبَل من أطاعه مِنْهُم واستحلفه على الطَّاعَة وَأعْطى الْبِلَاد الأجناد إقطاعات وَسَار بِهِ إِلَى مَا بقى من القلاع العاصية فَنزل على قلعة الْعَطش وَهِي قلعة عَجِيبَة حكى لي بعض أَصْحَابِي مِمَّن أَثِق بِهِ بعد مَا أقسم بِاللَّه أَنه مَا رأى بِالشَّام قلعة أَعلَى مِنْهَا وَلَا أحصن فَنزل تحتهَا وَهِي عالية جدا لَا يصل إِلَيْهَا النشاب فَأَقَامَ تحتهَا ثَمَانِيَة عشر يَوْمًا لَا يقاتلها لِأَنَّهَا لَا تقَاتل فاتفق فِي الْيَوْم التَّاسِع عشر أَن إنْسَانا من عبيد شرف الدّين تحيل وتسلق فِي الْجَبَل الَّذِي عَلَيْهِ القلعة وَلم يزل يتسلق من مَوضِع إِلَى مَوضِع إِلَى أَن قَارب سورها واختبى تَحت قلاعة لَا يصل إِلَيْهِ حجر لِأَن النشاب عِنْدهم قَلِيل
[ ٥٤ ]
فَلَمَّا رأى النَّاس ذَلِك العَبْد قد تسلق انهالوا فِي دفْعَة وَاحِدَة وصعدوا الْجَبَل كَمَا صعد العَبْد فَصَارَ عِنْده جمَاعَة وَمَا كَانَ نصر أهل القلعة كَون أُولَئِكَ صَارُوا فِي ذَلِك الْموضع إِلَّا ان الله تَعَالَى خذلهم فَلَمَّا شَاهد من بالقلعة أُولَئِكَ نادوا وطلبوا الْأمان فَقطع عَلَيْهِم فطيعة أَعْطوهُ مبلغها وأبقاهم على حَالهم فِي قلعتهم بعد أَن استحلفهم على الطَّاعَة واقطع عَملهَا الأجناد ورحل عَنْهَا إِلَى قلعة يُقَال لَهَا أم لَامة فَنزل قَرِيبا مِنْهَا وَهِي فِي الحصانة على حَالَة لَا يقدر الْإِنْسَان عَلَيْهَا فَأَقَامَ تحتهَا مُدَّة شهر وَهُوَ لَا يقدر على قتالها بل يغنم الأجناد من الْبِلَاد وينهبون الضّيَاع وَيَأْخُذُونَ البربر يَقْتُلُونَهُمْ بِالسَّيْفِ وَالدُّخَان فِي المغاير وَكَانَ صَاحب هَذِه القلعة لَهُ نسب مُتَّصِل بمناية قبيل من البربر فِي جبل من جبال قفصة يزِيدُونَ على عشْرين ألف راجل فنفذ إِلَيْهِم واستمرت كتبه إِلَيْهِم يستدعيهم فوصلوا بعد هَذِه الْمدَّة
وَأَصْبحُوا فِي باكر يومهم يَنْسلونَ من كل حدب من الْجَبَل فَرَأى شرف الدّين وَأَصْحَابه مَا نالهم من كَثْرَة البربر وَكَانَت الطرقات الَّتِي ينزلون مِنْهَا من الْجَبَل كلهَا وعرة وَلم يكن بهَا طَرِيق سهل إِلَّا طَرِيق وَاحِدَة تقدر الْخَيل على الركض فِيهَا والصعود فِيهَا فَاسْتَقْبلهَا شرف الدّين بِجَمَاعَة مِمَّن مَعَه وبقى جمَاعَة فِي الخيم قَائِمين لحفظها وَلم يكن بالعاجز إِلَى أَن وصل إِلَى تِلْكَ الطَّرِيق وَقصد من كَانَ بهَا نازلا فَانْهَزَمُوا طالعين من حَيْثُ كَانُوا نزلُوا فلحق مِنْهُم جمَاعَة قَتلهمْ هُوَ وَأَصْحَابه وَأخذُوا عشْرين رجلا أسرى وَكَانَ من الْأُسَارَى صبى أَمْرَد مليح الصُّورَة عَلَيْهِ شعر طَوِيل كثيف وَجَاء إِلَى الْخَيْمَة وَقد انهزم كل من جَاءَ من الرجالة من كل طَرِيق نزلُوا مِنْهَا بانهزام من هَزَمه شرف الدّين من الطَّرِيق السهلة فَلَمَّا وقف
[ ٥٥ ]
تَحت القلعة وَقد أشرف أَهلهَا مِنْهَا عَلَيْهِم كلهم من نَاحيَة الخيم قَالَ الْأَمِير جندار أقتل وَاحِدًا وَاحِدًا فَلم يزل يقتل وَاحِدًا وَاحِدًا إِلَى أَن قدم الصَّبِي الْأَمْرَد وَهُوَ مَعَ ذَلِك يضْحك غير مكثرت بِالْقَتْلِ فصاح أهل القلعة
أَمْسكُوا عَن قَتله وَنزل وَاحِد من القلعة وَقَالَ لشرف الدّين
نَحن نفتدي هَذَا مِنْك بِعشْرَة ألف دِينَار فَقَالَ شرف الدّين مَا أفعل فَبَلغهُ إِلَى عشْرين ألف دِينَار فَقَالَ
مَا أفعل ثمَّ قَالَ لأمير جندار
اضْرِب عُنُقه فصاحوا من القلعة لَا تفعل نَحن نفتديه بِمَا تُرِيدُ فَقَالَ لَا سَبِيل إِلَى تَركه ثمَّ ضربه أَمِير جندار ضَرْبَة أبان بهَا رَأسه عَن جسده فَمَا استتم قتل البَاقِينَ إِلَّا وَقد نزل من القلعة شيخ أحسن مَا يكون بَين الشُّيُوخ وَجَاء إِلَى شرف الدّين وَقَالَ
هَذِه مَفَاتِيح هَذِه القلعة خُذْهَا بَارك الله لَك فِيهَا فَأَنا صَاحبهَا فَعجب شرف الدّين من ذَلِك وَمَا أعْطى أَمَانًا وَلَا قولا فَلم يكن شرف الدّين بالعاجز أَن نفذ فِي فوره من قبل أَن يتقصى من الشَّيْخ مَا سَبَب ذَلِك فجَاء من أَصْحَابه مائَة رجل طلعوا إِلَى القلعة وَحين صَارُوا بهَا أنزلوا من كَانَ فِيهَا وَأَغْلقُوا بَابهَا وَكَانَ بهَا ذخائر عَظِيمَة
ثمَّ إِن شرف الدّين أحضر الشَّيْخ وتقصى مِنْهُ بعد ذَلِك وَقَالَ لَهُ يَا شيخ مَا السَّبَب الَّذِي أوجب أَن تُعْطى هَذِه القلعة الَّتِي مَا يقدر عَلَيْهَا أحد من غير عهد وَلَا أَمَان فَقَالَ إِن فِي قصتي عجبا هَذَا الشَّاب الْأَمْرَد الَّذِي قتلته وَلَدي وَمَا كَانَ لي ولد غَيره وَكَانَ بَينه وَبَين أَوْلَاد أخي معاداة وَكنت أوثر أَن تكون هَذِه القلعة لَهُ فَلَمَّا قتلته
[ ٥٦ ]
علمت أنني إِن تركت القلعة فِي يَدي وأصابني الْمَوْت أَخذهَا أَوْلَاد أخي بعد وَلَدي وَمَا آثرت ذَلِك وآثرت أَن أمنعهم من ذَلِك بعده وسلمتها إِلَيْك فرق لَهُ شرف الدّين عِنْد ذَلِك وَقَالَ لَو أعلم هَذَا مَا قتلته
وَأخذ شرف الدّين مِنْهَا أَمْوَالًا وذخائر عَظِيمَة ورحل عَنْهَا بعد مَا سلمهَا للشَّيْخ واستحلفه أَنه مَتى طلبَهَا وسير إِلَيْهِ من يكون فِيهَا سلمهَا إِلَيْهِ وَتوجه شرف الدّين إِلَى قلعة حسن فَنزل عَلَيْهَا أَيَّامًا وَلم يقدر مِنْهَا على شَيْء وَكَانَ أَهلهَا ينزلون فيقاتلون فِي الوطا فَرَحل عَنْهَا وَمضى إِلَى نَاحيَة جِهَة مطاطة ونازلها وَهِي بلد مَا بَين قابس وقفصة وَإِلَى قابس أقرب مِقْدَار نصف نَهَار فَنزل عَلَيْهَا وقاتلها أَيَّامًا
وَدخلت سنة سبع وَسبعين وَخمْس مائَة
فِيهَا نقل المستضئ قدس الله روحه من الدَّار الَّتِي كَانَ مَدْفُونا فِيهَا إِلَى الدَّار العتيقة لبَعض الْجِهَات غربي دجلة من بَغْدَاد عِنْد رَأس الجسر مجاورة لجامع فَخر الدولة بن الْمطلب وَكَانَت الْعَادة أَن يدْفن الْخُلَفَاء بمقابر قُرَيْش بالمحلة الْمَعْرُوفَة بالرصافة إِلَّا المستضئ رضوَان الله عَلَيْهِ فَإِنَّهُ ذكر عَنهُ أَنه أوصى بذلك وَقيل إِن الإِمَام النَّاصِر لدين الله صلوَات الله عَلَيْهِ اخْتَار هَذِه الْحَال لأجل خريدة أَمِير الْمُؤمنِينَ لِئَلَّا تبعد عَلَيْهَا زيارته وَلَا تَجِد من بدله بعد الطَّرِيق فَاخْتَارَ ذَلِك لقُرْبه وَأقَام للموضع فراشين وبوابين فَلَا يقدر أحد على الدُّخُول لزيارته إِلَّا بِإِذن وأوقف عَلَيْهِ وقوفا كَثِيرَة وَجعل لتربته الرَّاتِب من الشموع والوظائف من المخزن الشريف وَعمل على ضريحه صندوقا من الساج وَغرم عَلَيْهِ مبلغا من المَال
[ ٥٧ ]
وَلما أَرَادَ الْخَلِيفَة أيد الله دولته حمل الإِمَام المستضئ بِأَمْر الله من الدَّار الَّتِي كَانَ مَدْفُونا بهَا إِلَى التربة الْمَذْكُورَة فِي الْجَانِب الغربي من بَغْدَاد أَمر بِأَن تهبأ السَّفِينَة الْمَعْرُوفَة بالزبزب وَقد غرم عَلَيْهَا مَالا جزيلا وَهِي عَجِيبَة الصَّنْعَة يجدف بهَا ملاحون عدَّة جمَاعَة مِنْهُم يجدفون فِي الْهوى من مؤخرها وَجَمَاعَة يجدفون فِي المَاء من صدرها فبرز الْأَمر النَّبَوِيّ بِحُضُور أَرْبَاب الدولة وَأهل الْعلم والصوفية والقراء وأشراف النَّاس على طبقاتهم لتحويل الإِمَام السعيد المستضئ بِأَمْر الله فَحَضَرَ النَّاس واكترى كل وَاحِد مِنْهُم سفينة على قدر وَسعه وَأخذُوا من الشموع مَا لَا يُحْصى حصرا وَلَا عدَّة فَأشْعلَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَة فَكَانَ الشط بأسره من كلا جانبيه لَا يرى فِيهِ مَوضِع خَال إِلَّا وَفِيه سفينة أَو سمارية يزحم بَعْضهَا بَعْضًا فَكَانَت الدجلة تتقد من الْجَانِبَيْنِ كشعلة نَار من كَثْرَة الشموع الَّتِي أشعلت فِي تِلْكَ اللَّيْلَة وَكَانَ النَّاس قيَاما فِي أماكنهم والقراء يقرءُون الْقُرْآن وَأهل بَغْدَاد من الْجَانِبَيْنِ لَا يُحْصى عدتهمْ إِلَّا الله تَعَالَى بِحَيْثُ لم يتَخَلَّف عَن الْخُرُوج فِي تِلْكَ اللَّيْلَة إِلَّا من هُوَ عَاجز لم يقدر على الْخُرُوج
وَكَانَ أستاذ الدَّار أَبُو الْفضل بن الصاحب هُوَ الْمُبَاشر لهَذِهِ الْحَال والمرتب لَهَا فَنقل رضوَان الله عَلَيْهِ وَدفن بَاقِي ليلته وأحضرت الربعات فَكَانَ النَّاس يقرءُون ويختمون وَالْعُلَمَاء يعظمون وَاحِد بعد وَاحِد إِلَى أَن مَضَت ثَلَاثَة أَيَّام بلياليهن وهم فِي التربة الْمَذْكُورَة فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الثَّالِث آخِرَة نَهَاره حضر عماد الدّين صندل الْخَادِم الْخَاص وَتقدم إِلَى النَّاس بالانكفاء فَتَفَرَّقُوا
[ ٥٨ ]
وَفِي هَذِه السّنة تقدم النَّاصِر لدين الله ينْقض السَّفِينَة الْمَذْكُورَة الْمَعْرُوفَة بالزبزب وَقَالَ
لَا حَاجَة أَن تكون هَذِه بالدجلة بِإِزَاءِ التَّاج الشريف لترقب من يَمُوت يحمل بهَا وَإِنِّي كلما رَأَيْتهَا تكدرت عَليّ الْحَيَاة وَإِذا مت مَا يتَعَذَّر أَن يعْمل مثلهَا فَأمر ينقضها فنقضت وَكَانَ قد غرم عَلَيْهَا أَمْوَالًا عَظِيمَة وَكَانَت من أحسن السفن المركوبة وَكَانَ إِذا ورد إِلَى بَغْدَاد سُلْطَان وتغلب على دَار الْخلَافَة وَأَرَادَ الْحُضُور إِلَى الْخدمَة فَلَا يركب إِلَى التَّاج الشريف إِلَّا فِي هَذِه السَّفِينَة