أَمِير الْمُؤمنِينَ صلوَات الله عَلَيْهِ وَذكر مُخْتَصر من إيالته ومحاسن سيرته وَذكر مَا تجدّد فِي أَيَّامه للبيت الأيوبي من الفتوحات والغزوات وَغير ذَلِك وَالشَّام ومصر واليمن ذكرته مفصلا أختم بِهِ كتابي هَذَا الموسوم بِكِتَاب الْمِضْمَار وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَان وَهُوَ حسبي وَنعم الْوَكِيل
هُوَ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد النَّاصِر لدين الله أَمِير الْمُؤمنِينَ ثَبت الله
[ ٤ ]
دَعوته بن الإِمَام أبي مُحَمَّد الْحسن المستضىء بِأَمْر الله بن الإِمَام أبي المظفر يُوسُف المستنجد بِاللَّه بن الإِمَام أبي عبد الله مُحَمَّد المقتفى لأمر الله بن الإِمَام أبي الْعَبَّاس أَحْمد المستظهر بِاللَّه بن الإِمَام أبي الْقَاسِم عبد الله المقتدى بِاللَّه بن مُحَمَّد ذخيرة الدّين وَلَيْسَ بِإِمَام بن الإِمَام أبي جَعْفَر عبد الله الْقَائِم بن الإِمَام أبي الْعَبَّاس أَحْمد الْقَادِر بِاللَّه بن الإِمَام جَعْفَر المقتدر ابْن الإِمَام أبي الْعَبَّاس المعتضد بن مُحَمَّد الْمُوفق وَلَيْسَ بِإِمَام بن الإِمَام أبي الْفضل جَعْفَر المتَوَكل بن الإِمَام أبي أسحق مُحَمَّد المعتصم بن هَارُون الرشيد بن مُحَمَّد الْمهْدي بن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله ابْن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب بن هَاشم بُويِعَ لَهُ يَوْم الْأَحَد مستهل ذِي الْقعدَة من السّنة الْمَذْكُورَة صَبِيحَة الْيَوْم الْمَذْكُور وَتَوَلَّى عقد الْبيعَة ذُو الرياستين مجد الدّين أَبُو الْفضل هبة الله بن عَليّ بن هبة الله بن الصاحب أستاذ الدَّار وظهير الدّين أَبُو بكر مَنْصُور بن الْعَطَّار صَاحب المخزن وَحضر فِي الْبيعَة الْعلية ضِيَاء الدّين الشهرزوري أتفق ذَلِك أَوَان وُصُوله برسالة الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين وخطب لَهُ بِمَدِينَة السَّلَام بِبَغْدَاد وَنَثَرت الدَّنَانِير على المنابر بجوامعها وسيرت الْكتب مَعَ الرُّسُل إِلَى الْبِلَاد الإسلامية فَأرْسل صدر الدّين عبد الرَّحِيم بن إِسْمَعِيل ابْن إِسْمَعِيل
[ ٥ ]
ابْن أبي سعد شيخ الشُّيُوخ النَّيْسَابُورِي إِلَى أتابك بهلوان مُحَمَّد ابْن أيلدكز بهمذان فَبَثَّ الدعْوَة الهادية فِي تِلْكَ الْبِلَاد من أصفهان وَجَمِيع بِلَاد خُرَاسَان وأذربيجان وسيرت رسل الْخلَافَة أَيْضا إِلَى الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب فَأَقَامَ الدعْوَة الهادية الإمامية فِي جَمِيع الْبِلَاد والثغور وَالشَّام والديار المصرية وَحضر شعراء الدِّيوَان الْعَزِيز على جاري الْعَادة لتهنئة مَوْلَانَا الإِمَام النَّاصِر لدين الله أَمِير الْمُؤمنِينَ عِنْد جُلُوسه فِي الْخلَافَة فِي ذِي الْقعدَة فَأَنْشد كل مِنْهُم كَلمته فَمن ذَلِك الْأَجَل أَمِين الدولة مُحَمَّد بن عبد الله سبط التعاويذي وَكَانَ من أفاضل الشُّعَرَاء المقدمين ذكرتها بِتَمَامِهَا لاستحسانها وَهِي
(طَاف يسْعَى بهَا على الْجلاس كقضيب الأراكة المياس)
(بدر تمّ غازلت من لحظه لَيْلَة نادمته غزال الكناس)
(ذللته لي المدام فأمسى لين الْعَطف بعد طول شماس)
(بَات يجلو عَليّ رَوْضَة حسن بت مِنْهَا مَا بَين ورد وآس)
(أمزج الكأس من جناه وَكم ليله صد مزجت بالدمع كامي)
(لَا يبت ذَلِك الحبيب بِمَا بت (م)
أعاني من لوعة وأقاسي)
[ ٦ ]
(قلقي من وشاحه وبقلبي مَا بخلخاله من الوسواس)
(أَي برح لَو كَانَ لي مسعد فِيهِ وجرح لَو كَانَ لي مِنْهُ آسى)
(من تناسى عهد الشَّبَاب فَإِنِّي لحميد من عَهده غير ناسي)
(أخلق الدَّهْر جدتي وغدت منكوبة بعد مرّة أمراسى)
(يَا نَهَار المشيب من لي وهيهات بلَيْل الشبيبة الديماسي)
(حَال بيني وَبَين لهوى وإطرابي دهر أحَال صبغة رَأْسِي)
(ورأي الغانيات شيبي فأعرضن وقلن الشَّبَاب خير لباسي)
(كَيفَ لَا يفضل السوَاد وَقد أضحى شعارا على بني الْعَبَّاس)
(أُمَنَاء الله الْكِرَام وَأهل الْجُود والحلم والتقى والباس)
(عُلَمَاء الدّين الحنيف وأعلام الْهدى والضراغم الأشواس)
(أيد الله دينه بجبال منهمو شمخ الْجبَال رواسي)
(واصطفاهم من كل أغلب مشبوب الذراعين للعدي فراس)
[ ٧ ]
(فهمو الآمرون بِالْعَدْلِ والحاكمون النَّاس بالقسطاس)
(وَلَقَد زينت الْخلَافَة مِنْهُم بِإِمَام الْهدى أبي الْعَبَّاس)
(ملك جلّ قدسه عَن مِثَال وتعالت آلاؤه عَن قِيَاس)
(هاشمي لَهُ زئير ينسى الْأسود الزئير فِي الأخياس)
(وسماح يُغني الْبِلَاد إِذا الأنواء ضنت بصوبة الرجاس)
(جمع الْأَمْن فِي إيالته مَا بَين ذِئْب الغضا وظبي الكناس)
(وعنى خاضعا لعزته كل أبي القياد صَعب المراس)
(بَث فِي الأَرْض رأفة بدلت وحشه سارى الظلام بالإيناس)
(غادرت جفوة اللَّيَالِي صفوا وألانت قلب الزَّمَان القاسي)
(بيد النَّاصِر الإِمَام استجابت بعد مطل مِنْهَا وَطول شماس)
(رد تدبيرها إِلَيْهِ فأضحى ملكهَا وَهُوَ ثَابت الأساس)
[ ٨ ]
(يَا لَهَا بيعَة أَجدت من الْإِسْلَام بالي رسومه الأدراس)
(ولى الله أمرهَا فَلهُ الْمِنَّة فِيهَا عَلَيْهِ لَا للنَّاس)
(جمعتنَا على خَليفَة حق نبوي الأعراق والأغراس)
(فِي مقَام ذلت لهيبته الْأَعْنَاق ذل النقاد للهرماس)
(زَالَ فِيهِ الْحجاب عَن ملك عَار من الْعَار للتقى لِبَاس)
(ورأينا برد النَّبِي على منْكب طود من الْأَئِمَّة رَأْسِي)
(ماليا هَدْيه مَوَاقِف من نور جلال يضىء كالنبراس)
(فَلهُ فِي الرّقاب عهد وَلَاء مُحكم العقد محصد الأمراس)
(يَا مبيد العدى وَيَا طارد الْمحل نداه وَقَاتل الإفلاس)
(حجَّة الله أَنْت وَالسَّبَب الْمَمْدُود مَا بَينه وَبَين النَّاس)
(أَنْت أَحييت رمة الْعدْل والجود وأنشرتها من الأرماس)
(جدت قبل السُّؤَال عفوا وكأي من يَد لَا تدر بالأبساس)
[ ٩ ]
(وأرحت الزَّوْرَاء من جور مزور عَن الْخَيْر فَاجر مكاس)
(أنفًا لِلْإِسْلَامِ مِنْهُ وَمن أشياعه عصبَة الْخَنَا الأرجاس)
(رد فِي نَحره انتقامك مَا فو قه من سهامه الأنكاس)
(دنست بُرْهَة بأفعاله الدُّنْيَا فطهرتها من الأدناس)
(بك عاذت من شَرّ شَيْطَانه الوسواس فِيهَا بمكرة الخناس)
(واشتكت داءها العضال فألفتك لأدوائها الطَّبِيب الآسي)
(فابق للدّين ناصرا وارم بالإرغام جد الْأَعْدَاء والأتعاس)
(واستمعها عذراء شَرط التهاني واقتراح الندمان والجلاس)
(حملت من أُرِيح مدحك نشرا هِيَ مِنْهُ مسكية الأنفاس)
(مدحا فِيك لي ستبقى على الدَّهْر بَقَاء التَّنْزِيل فِي الأطراس)
(مَا أميطت راحه يراع وَمَا خطت يَمِين رقشا على قرطاس)
وَبعد الْبيعَة الشَّرِيفَة بأيام برز الْأَمر الشريف ببسط يَد مجد الدّين ابْن الصاحب وَحكم فِي الدولة ونفذت أوامره فِي جَمِيع أَرْبَاب الدولة
[ ١٠ ]
وَتقدم إِلَيْهِ بِبيع الغلات والحبوب على النَّاس فَفتح الخزائن وَأطلق البيع فِيهَا وَأمر أَن يعْطى الأجناد أَرْزَاقهم من الْحِنْطَة وَالشعِير والحبوب فَفعل ذَلِك فرخصت الأسعار وَكَثُرت الْخيرَات وَفرج الله ﷾ عَن النَّاس مَا كَانُوا فِيهِ من الْقَحْط وَالْمحل وَشدَّة الْجُوع ببركة قدومه وإيالته الميمونة وأنفذ إِلَى الْبِلَاد الواسطية السفن الْكِبَار مَمْلُوءَة طَعَاما من سَائِر الْحُبُوب وتلا ذَلِك تَوَاتر الأمطار والمدود وَكَثْرَة الخصب وَانْقَضَت سنو الجدب عِنْد ولَايَته وَكَانَ النَّاس يسمون أَيَّامه العيسوبية لذهاب مَا كَانُوا فِيهِ من شدَّة الْقَحْط بمدا أَيَّامه الزاهرة زيدت شرفا