أولًا- في جنوب بلاد العرب:
بدأ الاهتمام منذ أواسط القرن الثامن عشر، ويرجع سبب ذلك إلى أن الأوروبيين في أسفارهم إلى الهند سمعوا ما يتناقله أهل شواطئ اليمن، وحضرموت عن آثار الأبنية المدفونة في رمال تلك البقاع، وما عليها من كتابات عجز العرب واليهود عن قراءتها؛ فخطر لعالم ألماني اسمه "مخايلس" أن يبحث في تلك الآثار وقراءتها واقترح على فريدريك الخامس
[ ٢٤٤ ]
ملك الدانمارك تشكيل لجنة تذهب لارتياد تلك البقاع؛ فأجابه لطلبه وأمر بتشكيل لجنة من خمسة أعضاء١، من بينهم "كارستن نيبور" وجعل تحقيق بعض ما ورد في التوراة عن جغرافية وعادات وحاصلات الشرق؛ ولكن أعضاء الرحلة ماتوا جميعًا فيما عدا نيبور الذي أصدر كتابًا بعد عودته لم يأت بنتائج مهمة، ومع كل فإن هذه الرحلة كانت تمهيدًا لرحلات أوروبية أخرى كما أن الكتاب الذي صدر عنها يعد أول كتاب علمي عن اليمن، حوى نقوشًا مكتوبة بخط المسند وخرائط لأماكن يمنية كانت مجهولة للأوروبين من قبل.
وفي سنة ١٨١٠ تمكن العالم الألماني "سيتزن" من الاهتداء إلى نقوش في ظفار "جنوبي صنعاء" كان نيبور قد أشار إليها في كتابه، كما استطاع أن ينسخ بعض النقوش التي أرسلها إلى أوروبا، ثم اختفى داخل اليمن في ظروف غامضة واختلفت الآراء حول مصيره. وفي سنة ١٨٣٦ تمكن جروتفند الألماني من نشر خمسة نقوش سبئية عثر عليها في صنعاء، كما تمكن الضابط الإنجليزي ولستد ١٨٣٨ من اكتشاف حصن الغراب ونسخ نقشًا على جدرانه يرجع تاريخه إلى ٥٢٥م ثم قام برحلة في غرب وادي ميفعة؛ حيث عثر على آثار حصن كان في منطقة خصبة تعرف حاليًا باسم نقب الهجر.
ويعتبر عام ١٨٤٣ من الأعوام التي شهدت نشاطًا ملحوظًا في ارتياد اليمن؛ حيث ارتاد الرحالة الألماني أدولف فون فريده صحراء الأحقاف شمال حضرموت واكتشف آثار سور قديم في وادي أوبنة بسهل ميفعة الشرقي نقش عليه بكتابة حضرمية. وفي نفس العام قام الصيدلي الفرنسي توماس أرنو
_________________
(١) ١ تألفت هذه البعثة سنة ١٧٦١ من بيتر فورسكال طبيب سويدي متخصص نبات، كريستان شارلز كرامر جراح وعالم حيوان، فريدريك كريستيان فون هافن عالم لغات ومستشرق، وليم نورتفيد فنان، كارستن نيبور مهندس وعالم رياضيات.
[ ٢٤٥ ]
برحلة إلى اليمن أدت إلى اكتشاف سد مأرب وآثار أخرى من عصر سبأ، منها معبد ألمقه "إله القمر" الذي أطلق عليه العرب اسم محرم بلقيس، وتمكن في عودته أن ينسخ عددًا من النقوش السبئية في صنعاء ومأرب وصرواح بلغ عددها ٥٦ نقشًا، قام بترجمتها قنصل فرنسا في جدة وكان مهتما بدراسة اللهجات العربية الجنوبية.
وفي سنة ١٨٧٠ أرسلت أكاديمية النقوش والفنون الجميلة في باريس بعثة إلى اليمن برئاسة المستشرق اليهودي جوزيف هاليفي، الذي تمكن من اختراق الجوف اليمني والوصول إلى نجران وطاف حول مأرب وصرواح، وعاد إلى فرنسا بعد أن جمع ٦٨٦ نقشًا جديدًا، وهو أول من اكتشف آثارًا معينية ومن أهمها خرائب "قرناو" عاصمة الدولة المعينية.
وفي سنة ١٨٨٢ قام المستشرق النمسوي "لانجر" برحلة إلى اليمن وتنكر في زي الأعراب؛ حيث اخترق بلاد حمير القديمة وعثر على نقش حميري مهم بالقرب من ظران، كما نسخ عددًا من النقوش في صنعاء وعدن، ثم حاول التوغل إلى داخل البلاد ولكنه قتل.
وتبعه في الذهاب إلى اليمن المستشرق النمسوي إدوارد جلازر الذي قام بأربع رحلات إليها، استطاع أن يقنع المسئولين الأتراك في صنعاء بمساعدته وتذليل الصعاب له، وكانت أولى رحلاته فيما بين عامي ١٨٨٢ وفيها درس الآثار السبئية بالمنطقة المحيطة بهمدان، ورحلته الثانية كانت ١٨٨٥ وفيها زار "ظفار" العاصمة القديمة للدولة الحميرية، ونسخ عددًا كبيرًا من النقوش المعينية، أما رحلته الثالثة؛ فكانت فيما بين عامي ١٨٨٧، ١٨٨٨ وفيها درس آثار مأرب، وتمكن من رسم تخطيطات لآثار القنوات والسدود، ونسخ الكتابات المسجلة على السدود، وتعتبر هذه الرحلة أهم رحلاته فقد قضى بعدها أربع سنوات في أوروبا؛ حيث عكف على دراسة النقوش التي عثر عليها في مأرب وهي أهم نقوش
[ ٢٤٦ ]
عثر عليها، كما رسم خرائط للبقاع التي زارها ووصف آثارها، وحينما عاد إلى اليمن للمرة الرابعة ١٨٩٢ نسخ نقوشًا بعضها قتبانية وبعضها الآخر سبئية من مناطق الجوف، واستعان في ذلك ببعض الأعراب بأخذ طبعات لهذه النقوش على ورق من نوع معين، كذلك حصل جلازر على بعض العملات العربية القديمة.
ومع أن الإمام يحيى أغلق اليمن في وجه الرواد والرحالة لشدة الصراع بينه وبين الإنجليز بشأن عدن والمحميات؛ إلا أنه كان حريصًا على الكشف عن آثار بلاده؛ حيث قام بالتنقيب في قرية حجة شمال صنعاء ورحب ببعثة أوروبية كان على رأسها كارل راتجنز "Rath jens" وفون فيسمان ١٩٢٨ اللذان قاما برحلات إلى الحبشة وحضرموت واليمن في عامي ١٩٣١، ١٩٣٢.
وفي سنة ١٩٣٦ قامت بعثة أثرية من جامعة القاهرة برئاسة الدكتور سليمان حزين إلى ناعط بالقرب من صنعاء، ونسخ الدكتور خليل يحيى تامي أحد أعضاء البعثة بعض النقوش السبئية، وفي أثناء ذلك كان الصحفي السوري نزيه مؤيد العظم يزور اليمن وأقام في صرواح ومأرب ونشر نتائج رحلته في كتاب "رحلة في البلاد العربية السعيدة من مصر إلى صنعاء" وطبع في القاهرة سنة ١٩٣٨، وفي سنة ١٩٣٧ قامت ثلاث رحالات أوروبيات برحلة إلى حضرموت وكشفْنَ عن معبد لإله القمر وعثرن على عدد من النقوش، وقد نشر كاتون تومسون نتائج هذه الرحلة في كتاب طبع في أكسفورد ١٩٤٢، وفي نفس الوقت قام بعض العلماء الأوروبيين برحلات أخرى إلى اليمن أهمهم فيلبي الذي ارتاد "عسير" و"نجران" و"شبوة" و"تريم" على أن هذه الرحلات وجهت اهتمامًا خاصًّا إلى جغرافية حضرموت، وفي سنة ١٩٤٥ قام الأستاذ محمد توفيق برحلة إلى اليمن لدراسة هجرات الجراد وانتهز فرصة وجوده هناك فزار الجوف تمكن من تصوير عدد كبير من الآثار ونسخ كثيرًا من النقوش ونشر جزءًا من أبحاثه ١٩٥١ كما نشر "نقوش خربة معين" سنة ١٩٥٢، كذلك قام الدكتور خليل يحيى تامي بنشر نقوش خربة براقش على ضوء مجموعة الأستاذ محمد توفيق، وقام الأثري المرحوم
[ ٢٤٧ ]
الدكتور أحمد فخري بزيارة مناطق كثيرة لم يزرها رحالة آخر بعد جوزيف هاليفي، ونشر تفصيلات رحلته في كتاب أصدره ١٩٥٢ وعدة مقالات وبحوث علمية.
وفي سنة ١٩٥٢ قامت بعثة أثرية أمريكية برئاسة "وندل فيلبس" بالتنقيب في تمنع عاصمة الدولة القتبانية، كما نقبت في الساحة الأمامية لمحرم بلقيس وفي سد مأرب، وكشف عن الكثير من الآثار البرونزية والرخامية وبعض النقوش السبئية ولكن توقفت أعمال هذه البعثة سريعًا لخلاف نشب بينها وبين الحكومة اليمنية؛ إلا أن النتائج التي أسفرت عنها تنقيباتها مهمة للغاية.
ثانيًا- في شمال بلاد العرب ووسطها:
اهتم عدد كبير من العلماء والمستشرقين الأوروبيين بآثار البتراء وجنوب سورية، وكان في طليعة الرواد الذين زاروها لودفيج بورخاردت السويسري الذي تنكر في زي عربي وأطلق على نفسه اسم إبراهيم بن عبد الله، وبهذه الوسيلة تمكن من أداء فريضة الحج وزيارة مسجد الرسول كأحد الحجاج ووصف موسم الحج وصفا دقيقا، ثم زار آثار الأنباط في البتراء وسورية الجنوبية.
وفي سنة ١٨٤٥ زار المستشرق جورج والين بلاد نجد كما زار "سير ريتشارد بيرتون" بلاد الحجاز متنكرًا باسم الحاج عبد الله في منتصف القرن ١٩. وتوالت بعد ذلك رحلات العلماء أمثال جراهام ويلجراف ورنكير وغيرهم، ويرجع الفضل في الكشف عن النقوش العربية الشمالية إلى داوتي وهوبر وأوتينج الذين ارتادوا المنطقة الشمالية الغربية والوسطى من بلاد العرب فيما بين عامي ١٨٧٦، ١٨٨٤، ومن المستشرقين الذين وصلوا إلى أطلال مدينة الحجر "مدينة صالح" وتيماء والعلا جيوسن وسافنياك، بينما اهتم آخرون أمثال برينوف ودوماسفسكي وموسل ودلمان بدراسة آثار الأنباط في بلاد العربية الصخرية وتدمر في بادية الشام، ومن أهم العلماء الذين قاموا برحلات في باديتي
[ ٢٤٨ ]
الشام والعراق المستشرق الفرنسي رينيه دوسو والمستشرقان الألمانيان تيودور نلدكه الذي كتب عن تاريخ أمراء الغساسنة، وروتشتاين الذي نشر بحثًا عن تاريخ اللخميين في الحيرة.
وبالرغم من كل ما سبق من دراسات وبحوث؛ فإن نتائجها أبعد من أن تعطي صورة تاريخية تامة شاملة لكل أجزاء شبه الجزيرة، وهي أبعد ما تكون أيضًا عن إعطاء سلسلة تاريخية لها متصلة الحلقات؛ إذ توجد فجوات كثيرة لم يمكن معرفتها حتى الآن، ولا بد من مضاعفة الجهود الأثرية في شتى أنحاء شبه الجزيرة حتى يمكن إكمال الصورة التاريخية لها، ومع كل فإننا سنحاول فيما يلي دراسة تاريخ أجزاء شبه الجزيرة حسب أرجح الآراء.
[ ٢٤٩ ]