١- الحضارة التاسية: ١
هي أفدم حضارات العصر الحجري الحديث في الصعيد، وتنسب إلى
_________________
(١) ١ يرى أولئك الذين يجعلون الحضارات التالية للسبيلية وتسبق عصر الأسرات جميعها تدخل في عصر واحد هو ما قبل الأسرات، بأن الحضارة التاسية تعد من صميم حضارة البداري انظر: "E. Baumgartel، op، cit، ٢٠ ff".
[ ٦٠ ]
ديرتاسا التي تقع إلى شمال البداري، ويستدل من آثارها على أن أهل هذه الحضارة عرفوا زراعة الحبوب؛ ولكنهم لم يعيشوا معيشة استقرار تامة؛ فكانوا يمارسون الصيد إلى جانب الزراعة البدائية، وعرفوا النسيج واتخذوا الحلي من أصداف البحر المثقوبة والخرز الأسطواني المصنوع من العظم أو العاج تحليه خطوط متقاطعة واستعملوا الأساور، وفي مخلفاتهم عُثِر على صلايات من المرمر والحجر الجيري والأردواز لصحن الدهنج والمغرة وعلى مراخٍ وبعض الحبوب وعدد من السنانير " الشصوص" وطبق من الخوص ودبابيس وإبر من العظام، ومن المرجح أنهم استعملوا الوسائد؛ إذ وجد تحت رءوس عدد من الموتى بعض التبن أو القش الذي كان لا ريب داخل كيس "جلد أو كتان"؛ ولكنه فني مع الزمن، كما يرجح أن الأشجار الكبيرة والمستنقعات كانت منتشرة في ذلك العهد؛ إذ وجدت فئوس من أحجار مختلفة لا بد وأنها استخدمت من أجلها، أما فخار ديرتاسا فيمكن تقسيمه إلى نوعين:
أولًا: بني ذو سطح خشن عادة، وهو خالٍ من التموجات إلا في بعض القدور النادرة التي نجد بها تموجات مائلة أو عمودية.
ثانيًا: أسود رمادي أملس عادة، ذو تموجات عمودية والبعض القليل مصقول، ومن أواني هذا النوع أقداح ذات شفة مقلوبة على شكل البوق، وهي سوداء مصقولة تحلي سطحها الخارجي وشفاهها من الداخل خطوط محفورة مليئة بعجينة بيضاء تمثل خطوطًا أفقية، بينها مثلثات مخططة لتثبيت المادة البيضاء فيها.
وفخار هذه الحضارة خلو من علامة الصانع أو صاحب الإناء، ومن بين هذا الفخار بعض المغارف غير العميقة، ذوات لسان مسطح بارز من الحافة بمثابة مقبض "شكل١٠".
[ ٦١ ]
"شكل١٠" أدوات وأوانٍ فخارية من تاسا
وكانت مقابر القوم عبارة عن حفر كبيرة بيضية في الغالب والقليل منها ذو جوانب مستقيمة بزوايا مستديرة وفي جانبها الغربي دخلة "طاقة" تتسع لآنية، وكان الميت يدفن في وضع مقرفص أشبه بالجنين ورأسه إلى الجنوب ووجهه إلى الغرب، ويوضع معه بعض الفخار إلى جانب يديه أو ركبتيه، وجثته تغطى بجلد حيوان؛ بحيث يكون الشعر أو الصوف إلى الداخل، ويلف بعد ذلك في حصير وتوضع الرأس فوق ما يشبه الوسادة من القش، ثم يحاط الميت بتقفيصة من الأغصان.
وهذه المقابر كانت بعيدة عن المساكن وقد وجد بعضها مختلطًا بمقابر البداريين؛ ولذا يمكن القول بأن التاسيين كانوا أقرباء أو أسلاف البداريين، وهذا هو ما دعا بعض الأثريين إلى أن يلحقوا هذه الحضارة بحضارة البداريين ويعتبرونها جزءًا منها١.
٢- البداري:
كان البداريون أرقى من أي جماعة عاشت في الدور الحجري الحديث؛ إذ استقروا في قرى منتظمة يزرعون الحبوب ويستأنسون الماشية وأنواعًا من الأغنام والماعز فضلًا عن صيد البر والبحر، وكانوا مهرة في كل صناعات هذا
_________________
(١) ١ انظر هامش ص٦٠.
[ ٦٢ ]
الدور، ومع أن بعض حيواناتهم يظن أنها تنتمي إلى غربي آسيا؛ إلا أن من المرجح أنهم وفدوا إلى مصر من منطقة تبعد عن البداري كثيرًا إلى الجنوب.
واستعمل البداريون طريقة التشظية بالضغط في صناعة آلاتهم الحجرية، وقد امتازوا عن أسلافهم بمعرفة النحاس، فاستعاضوا الفأس النحاسية عن الفأس الحجرية التي سادت في الحضارات السابقة، كذلك يتمثل رقيهم عمن سبقهم في أنهم استخدموا السهام والقسي وعصي الرماية "Boomerang" "شكل ١١" ودبابيس القتال ذات الرءوس التي على شكل القرص، وعرفوا السنانير وتفوقوا في صناعة اللوحات الاردوازية وبعض لوحات من المرمر، وقد عثر بين آثارهم على ثلاثة تماثيل صغيرة لسيدات؛ أحدها من الطين والثاني من الطين المحروق والثالث من العاج وليست هذه التماثيل دقيقة الصنع وبعض أجزائها مفقود.
واتخذوا حليًّا من أحجار مختلفة ومن الأصداف والنحاس، كان أهمها الخرز والأساور والأحزمة والأمشاط الطويلة الأسنان من العاج، ومن المرجح أنهم عرفوا صناعة السلال والحصر؛ حيث عثر على أجزاء منها في مقابرهم، كما يبدو أنهم كانوا على دراية بنسيج الكتان؛ لأن بعضًا من الإبر المصنوعة من العظام وجدت بين آثارهم ومن بينها مجموعة وجدت في جعبة صغيرة صنعت من ساق فرس النهر، ولم يقتصر البداريون في صناعة أوانيهم على الفخار؛ بل كانت لديهم أوانٍ عاجية منها إناء على شكل فرس النهر وأوانٍ حجرية من البازلت أيضًا.
وفخار البداري أرقى من فخار الحضارات السابقة إن لم يكن أرقى أنواع الفخار في مصر القديمة على الإطلاق، وهو يمتاز بما يحلي جدرانه من تموجات تشغل السطح الخارجي بأكمله أو نصفه الأعلى أو تكون شريطًا يحيط بحافة الإناء، كذلك قد توجد هذه التموجات بالسطوح الداخلية لبعض الأواني الواسعة ومع أنه مصنوع باليد -إذ لم تكن عجلة الفخار قد عرفت بعد-
[ ٦٣ ]
إلا أنه يمتاز برقة الجدران، وهو على سبعة أنواع يمكن حصرها بصفة عامة فيما يلي:
١- أوانٍ ذات لون بني أو أحمر مصقول ولها حافة سوداء غالبًا.
٢- أوانٍ ذات سطح أملس مصقول، لونها بني أو أسود.
٣- أوانٍ ذات سطح خشن، لونها بني أو أسود كذلك.
وأشكال هذا الفخار متشابهة ومحدودة وذلك باستثناء عدد قليل من الأواني ذات الأشكال العجيبة كانت تُغطَّى أحيانًا بقطع من الخوص المضفور، وقد عثر على قدح ملفوف بقماش الكتان. وفخار البداري على العموم خلو من علامة الصانع أو المالك وكان يوضع غالبا عند رأس الميت أو قرب يديه أو مرفقيه أو عند ركبتيه، وفي أحيان نادرة كان يوضع خلف الميت.
شكل "١١" أوانٍ وأدوات من البداري
عصا رماية من البداري
ومقابر البداري تقع في شرق منطقة المساكن في جهة يسهل حفرها بالآلات البسيطة، وهي غالبًا بيضية الشكل أو مستديرة ونادرًا ما تكون جوانبها مستقيمة وأركانها مستديرة وكانت تغطى بالحصير كما استعملت العصي في تسقيفها
[ ٦٤ ]
أحيانًا، وكان الميت يوضع على ما يشبه الأريكة أو "تقفيصة" ويحيط بالجثة حصير يعتمد على عصا على شكل خيمة تحمي الميت من انهيار الرمال عليه، وكان يدفن عادة على جانبه الأيسر، ورأسه إلى الجنوب، وهو متجه إلى الغرب، ويداه بالقرب من رأسه وتوضع إلى جانبه الأدوات التي كان يستعملها في حياته الدنيا وأدوات زينته وبعض التمائم، وقد عني بدفن الثور والكلب والشاة وغيرها؛ مما يدل على تقديس تلك الحيوانات، والاعتقاد بوجود حياة أخرى وبالبعث.
[ ٦٥ ]