ج- العصر الحجري الحديث:
ازداد تغير المناخ في العالم القديم فأصبحت الاختلافات بين البيئات المحلية أكثر وضوحًا وازداد الجفاف في الشرق الأدنى؛ وبذلك اضطر الإنسان أن يقترب من الوديان أكثر من ذي قبل، ولم يغامر بالابتعاد عن الأنهار؛ فاستقر في جماعات بالقرب منها وألجأته الحاجة لضمان غذائه إلى استئناس الحيوان ومعرفة الزراعة، وكان من الضروري -وقد عرف الزراعة- أن يختزن محصوله؛ فعرف صناعة الأواني وبذلك أقام حياته على أسس اقتصادية ثابتة.
وانتقل أهل مصر من حياة البداوة إلى حياة الاستقرار وأتاحت لهم ظروف بيئتهم الطبيعية فرصة الاتحاد في مملكتين: إحداهما في الوجه القبلي، والأخرى في الوجه البحري كما أشرنا١. ويختلف الوجه القبلي والوجه البحري، كل عن الآخر: فالأول "الوجه القبلي" عبارة عن شريط ضيق من الأراضي الزراعية على جانبي النهر، تحف به هضبتان صخريتان من الشرق والغرب، أما الثاني "الوجه البحري" فتتسع أراضيه الزراعية إلى درجة كبيرة
_________________
(١) ١ انظر ص٥١.
[ ٥٩ ]
وتكثر بها المستنقعات وتتخللها البحيرات والقنوات، وهذه المساحات الواسعة من الأراضي الزراعية بعيدة في معظمها عن الصحارى. وكذلك يتميز الوجه البحري عن الوجه القبلي بأنه أقرب منه نسبيًّا إلى آسيا وأوروبا؛ ولذا كانت الحضارات التي نشأت في كل من هذين الإقليمين تتسم بمظاهر خاصة تجعلنا نميز فيما بينهما، وتعد الفيوم أشبه بواحة في الصحراء بين هذين القسمين من مصر؛ ولكن نظرًا لأنها أقرب إلى الوجه البحري فقد اشتركت حضارتها "في صفاتها" مع حضاراته أكثر من اشتراكها مع حضارات الوجه القبلي؛ ولذا ألحقناها به وإن كنا نميل إلى جعلها حضارة قائمة بذاتها.
وتمثل هذا الدور "العصر الحجري الحديث" في الوجه القبلي حضارتا ديرتاسا "التاسية" والبداري، وفي الوجه البحري حضارات حلوان الأولى "العمري" ومرمدة بني سلامة، ومع أن كلًّا منها تنفرد بمميزات خاصة إلا أنها جميعًا تشترك في تقدم صناعة الفخار وصقل الآلات الحجرية، ومن المخلفات التي عثر عليها أمكن التوصل إلى أن المستنقعات كانت تسود الدلتا والأحراش كانت منتشرة في الوجه القبلي، وأن الحيوانات الكبيرة الحجم كالزراف والضباع وأفراس النهر كانت مألوفة لدى المصريين، وسنتكلم بإيجاز عن كل حضارة على حدة.
[ ٦٠ ]