اختلف المؤرخون كثيرًا في شأن هذا الملك؛ ولكن لا شك في أنه كان صاحب النصر النهائي على بيت إهناسيا وتوحيد البلاد وبدء عهد الدولة الوسطى.
فمن المرجح أن بيت إهناسيا أراد الاستيلاء على إقليم أبيدوس وإعادة تبعيته لمملكتهم، وكان ذلك في عهد مليكهم "خيتي الرابع"؛ ولكن الموقعة التي نشبت بين هذا الأخير وبين "منتوحتب الأول" بالقرب من أبيدوس لم تكن في صالح إهناسيا؛ إذ قتل "هرونفر" أحد أبناء "خيتي الرابع" وانتصر منتوحتب، وربما كان في انتصاره هذا إغراء كافٍ للتقدم شمالًا ومواصلة
[ ١٣٣ ]
الكفاح حتى تمكن في النهاية من القضاء على بيت إهناسيا وتوحيد البلاد تحت سلطانه، ولا بد أنه قد بذل مجهودًا ضخمًا لإخضاع سائر أنحاء مصر، كما يرجح أنه حارب في الدلتا وفي الصحارى المتاخمة لمصر شرقًا وغربًا ضد البدو المقيمين فيها، وأرسل بعض البعثات أو الحملات إلى النوبة وبعثات أخرى إلى وادي حمامات لاستغلال المحاجر أو للقيام منه إلى بونت.
وبعد أن استقرت الأمور واستتب الأمن في البلاد تفرغ "منتوحتب الأول" للأعمال العمرانية؛ فبنى معبده الجنزي ومقبرته التي نحتها من تحته في الصخر بمنطقة الدير البحري في البر الغربي للأقصر "شكل ٢٦" وهذه المجموعة الجنزية تعد فريدة في تصميمها، وقد اقتبست عنها حتشبسوت "في الأسرة الثامنة عشرة" فيما بعد؛ حيث شيدت معبدها المعروف باسم "معبد الدير البحري" بجوار هذه المجموعة وهو يشبه في كثير من الوجوه معبد منتوحتب الجنزي،
شكل "٢٦" منظر تخيلي لما كانت عليه مجموعة منتوحتب الأول الجنزية
[ ١٣٤ ]
كذلك أصلح هذا الملك بعض الهياكل القديمة، وأقام أخرى جديدة في جهات مختلفة من القطر.
ويستدل من الآثار التي اكتشفت من هذا العصر وخاصة مقابر الأشراف وكبار الموظفين وزوجات الملك ومحظياته أن مصر قد تمتعت في عهده بالأمن والرخاء والرفاهية، وارتقت فيها الفنون والآداب، ومن أهم ما اكتشف من هذا العهد رسائل كان قد كتبها أحد الأفراد ويدعى "حقانخت" لولده الأكبر واسمه "مرسو" يفهم منها أن الأب كان كاهنًا لمقبرة الوزير "إيبي" وكان من طبيعة عمله أن يدير الأوقاف التي أوقفها الوزير للإنفاق على مقبرته، ومن بينها ضيعتان بالقرب من منف؛ ولذا كان يضطر للسفر إلى هاتين الضيعتين تاركًا لولده مهمة الإشراف على بيته وأملاكه، وكان يرسل إليه تعليماته عن كل ما يتعلق بهذه الشئون١، وقد ألقت رسائله هذه كثيرًا من الضوء على الحياة الاجتماعية والاقتصادية في هذا العهد.
ومن المرجح أن ولي عهد منتوحتب الأول الذي كان يدعى "أنتف" قد توفي في حياة والده؛ فتولى من بعده ولده الثاني "منتوحتب الثاني".
_________________
(١) ١ Winlock، Bulletin of the Metropolitan Museum of Art "١٩٢١-٢"، pp ٣٨ ff.
[ ١٣٥ ]