لعل من أشق الأمور دراسة الحضارة المصرية دراسة شاملة وافية؛ لأنها وإن تناولها الباحثون بالدراسة في عصور مختلفة؛ إلا أن الكشف عن أسرار اللغة المصرية لم يتم إلا منذ فترة وجيزة نسبيًّا وعلى ذلك ظلت حضارة مصر غامضة بالنسبة لهؤلاء الباحثين رغم أن آثارها كانت تحيط بهم وفي متناول أيديهم؛ فاليونان مثلًا صادفتهم عقبات كثيرة في تفهم تلك الحضارة؛ بل إنهم حينما جاءوا إلى مصر دهشوا أشد دهشة لما شاهدوه من حضارة في وادي النيل؛ حيث كانوا يعتقدون بأنهم أرقى الأمم حضارة وثقافة، وقد بدت لهم مظاهر الحضارة المصرية غاية في الغرابة والغموض وكانوا بين مقدر لها وساخر منها؛ ولكن الأغلب أنهم كانوا يكنون لها الاحترام العميق مع أنهم عجزوا عن تفسير كثير مما شاهدوه من الاختلافات بينها وبين حضارتهم، وقد استهوتهم كذلك بعض قواعد السلوك عند المصريين؛ ولذا نجدهم يقارنون مظاهر هذه الحضارة بمظاهر حضارتهم فيذكر هيرودوت مثلًا: بأن المصري كان يكتب من اليمين إلى اليسار في حين تكتب شعوب العالم الأخرى من اليسار إلى اليمين وفي مصر تخرج المرأة إلى الأسواق وتقوم بالعمل في الحقول؛ بينما يظل الرجل في البيت؛ ليقوم بالغزل أو النسيج، كما أن النساج المصري كان يدفع لحمة النسيج من أعلى إلى أسفل وهذا كله عكس ما يحدث في البلاد الأخرى.
ومع أن العالم القديم ظل ينظر إلى المصريين على أنهم شعب غريب
[ ٥ ]
الأطوار؛ إلا أنه كان يتطلع إلى مظاهر حضارتهم وينظر إليها نظرة التقديس والإجلال وكانت نقوشهم وطقوسهم الدينية التي كان يقوم بها الكهنة تمثل عالَمًا مليئًا بالأسرار والغموض وكثيرًا ما طمع اليونانيون في الوصول إلى دراسة تلك الأسرار؛ ولهذا نجد أن بعضهم وخاصة في عهد البطالمة يندمجون في الأوساط الكهنوتية ويقومون بالطقوس الدينية؛ ولكنهم لم يستطيعوا فهم كل تلك الألغاز التي أطاحت بهم؛ ومع هذا ظلوا على احترامهم وتقديرهم لرجال العلم والكهنة والمعبودات المصرية حتى وحدوا بين بعضها وبين الآلهة اليونانية.
ومنذ العصر اليوناني استمر الغموض يحيط بالنقوس المصرية لم يستطع أحد تفسيرها رغم المحاولات العديدة التي بذلت في سبيل حل طلاسمها؛ ولكن طريقة تلك الكتابة جعلت من المحتم الوصول إلى تفسيرها؛ فمعظمها كتابة رمزية تصويرية وكانت دقة المصري وعنايته الفائقة بتدوين أهم الحوادث خير مساعد للعلماء في مهمتهم؛ فقد صور الأشخاص والمناظر المختلفة وكتب فوقها ما يدل عليها وكانت أولى النتائج المهمة في سبيل حل طلاسم اللغة المصرية هي: ما وصل إليه العالم الإنجليزي توماس ينج "Tomas Young" الذي قرر بأن الكتابة المدونة فوق المناظر المختلفة؛ هي شرح لتلك المناظر وأن أسماء الملوك الممثلين في تلك المناظر توضع داخل أشكال بيضاوية أي: خراطيش، وأن هذه الكتابة ليست كلها رمزية تصويرية أي أن أشكالها "رموزها" لا يدل كل منها على معنى؛ وإنما بعض هذه الأشكال أو الرموز له قيمة صوتية فقط ولا يدل على معنىً قائم بذاته. وفي نفس الوقت أو بعده بقليل عثرت الحملة الفرنسية على حجر رشيد وتوصل شمبليون من مقارنة
[ ٦ ]
الخراطيش المكتوبة به إلى نفس النتيجة التي وصل إليها "ينج" كما توصل إلى القيمة الصوتية لبعض الرموز وبدأ يضع معجمًا للحروف والعلامات الهيروغليفية.
وتتابعت جهود العلماء بعد ذلك؛ فأمكن تفسير اللغة المصرية وفهم كل ما أمكن العثور عليه من آثار مكتوبة، ومع أن الآثار المصرية مليئة بآلاف النصوص والوثائق؛ إلا أنها ليست كافية للتعرف على كل نواحي الحياة المصرية؛ لأن كل ما كتب على الآثار المختلفة لا يخرج عن كونه شرح لبعض المناظر الدينية المتكررة مع الإشارة إلى الآلهة والقرابين المختلفة بالإضافة إلى أسماء الملوك وبعض الأحداث التاريخية المهمة التي حدثت في عهدهم أو عهد أسلافهم. أي أن المحصول من هذا الإنتاج الضخم كان محصولًا ضئيلًا للغاية لا يتناسب إطلاقًا مع وفرة الوثائق المكتوبة؛ فالاعتماد إذن على هذه المدونات وحدها لا يكفي لإعطاء فكرة كاملة عن الحضارة المصرية في أشكالها المختلفة.
[ ٧ ]