تتنوع مظاهر البيئة في آسيا الصغرى، فالهضبة الوسطى يصعب الاستقرار فيها إلا في أودية الأنهار، أما على الجبال فالمجال للاستقرار محدود للغاية لخلوها من الأشجار وشدة البرودة وقسوة المناخ فيها، وعلى هذا فإن الموطن الذي استقر فيه الحيثيون كانت تكثر به القنوات والأودية، اعتمد في حياته الاقتصادية على الزراعة قبل كل شيء، ومما يؤيد ذلك أن القوانين الحيثية حفلت بالكثير من المواد المتعلقة بالزراعة وما يرتبط بها؛ غير أن سلاسل الجبال الضخمة سرعان ما ظهرت مواردها وكان غناها بالمعادن سببًا في استغلالها، فالتجار الأشوريون الذين عاشوا في
[ ١٨٧ ]
منطقة "كبدوشيا" كانوا يصدرون النحاس، كما أن الفضة كانت متوفرة إلى درجة سمحت باستخدامها كعملة، ومع أن الحديد كان متوفرًا أيضًا إلا أن العجز عن صهره وتنقيته لم يجعله شائع الاستعمال فكان يستعاض عنه في صناعة الأسلحة بالنحاس والبرونز، ولهذا عد الحديد من المعادن الثمينة، ورغم أن النصوص تشير إلى سيوف وألواح كتابة وتماثيل حديدية؛ إلا أن ما عثر عليه من هذه كان نادرًا، ومن المحتمل أن تلك المصنوعات كانت تقدم كهدايا ملكية ولم يتقنها إلا عدد قليل من الصناع.
وكان وجود مثل هذه المعادن سببًا في نشاط التبادل التجاري بين آسيا الصغرى وغيرها من الأقطار؛ فبعض النصوص تشير إلى انتقال التجار الحيثيين إلى خارج بلادهم كما أن بعض المعادن وخاصة النحاس كانت تصدر إلى بلاد النهرين في مقابل المنسوجات والصفيح.
[ ١٨٨ ]