نظر المصري لآلهته على أنها كائنات أعلى قدرًا من الإنسان ولا تختلف عنه كثيرًا. والواقع أن المصري قسَّم سكان العالم إلى ثلاثة أقسام هي الناس والآلهة والموتى؛ فالأسطورة التي قيلت عن نشأة الخليقة تبعًا لتعاليم طيبة أي التي تأثرت بمدرسة الأشمونين تذكر أن الدنيا كانت حينما خلقت الآلهة الثمانية لا تزال في ظلام وأن هذه الآلهة الثمانية اندفعت مع تيار الماء الأزلي إلى الأشمونين أو وصلت إلى منف أو إلى هليوبوليس وهناك خلقت الشمس ثم رجعت إلى طيبة ولما أتمت صنعها بخلق العالم انتهى أمرها ولحقت بالثعبان "كم ات اف" في عالم الموتى بطيبة حيث استراحوا في مكان معبد صغير بمدينة هابو، وكان آمون يزورهم كل عشرة أيام؛ فلم تكن فكرة موت الإله غريبة لدى المصري؛ بل كانت شيئًا مألوفًا في تفكيره وعلى ذلك اختلط أزوريس "بكم ات اف" كما أصبح آمون هو روح أوزوريس أي أن آمون في الدنيا السفلى، كان أوزوريس وكان آمون هو الروح الذي يزور هذا الجسد، أي أنه كان كإله الشمس عند تجواله في الدنيا السفلى أثناء الليل حيث يزور جسده أوزوريس.
[ ٧٤ ]
واعتبار آمون روح أزوريس يجعلنا نتعرض لعقيدة المصري بأن الإنسان كانت له روح "با" وقرين "كا". وبالطبع كان للإله ما كان للبشر، وكانت روح الإله تسكن تمثاله الذي في معبده؛ ولكنها كانت كذلك طليقة تتجول في أماكن أخرى وخاصة في السماء، كما أنها كانت تسكن الحيوان المقدس في معبده؛ فكان أبيس مثلًا روح بتاح، كذلك كان في عصر متأخر روح أزوريس أيضًا، وكان الطائر الخرافي "فينكس" روح "سبك" أما "تيس منديس" فكان يمثل أرواح أربعة آلهة هي: رع وأزوريس وحب وشو، ثم تطور الأمر فأصبح للإله الواحد أرواح مختلفة وقرائن متعددة فللإله رع مثلًا سبعة أرواح و"١٤" قرين ولم يمكن التعرف على هذه الأرواح السبعة؛ وإنما عرفت الأربعة عشر "١٤" قرينًا التي كانت من الذكور ولها ما يماثلها من الإناث وهذه القرائن هي التي تتمثل في قوى السحر والبهاء والنصر والقوة والنمو والطعام والاستمرار والنظر والسمع والشبع إلخ. كذلك تشير بعض الأساطير إلى أن إله الشمس كانت له أربعة رءوس على هيئة رأس الكبش وتقوم كلها على عنق واحد وكانت له "٧٧٧" أذن ومئات الألوف من القرون، ورءوس الكباش الأربعة كانت تمثل آلهة الرياح الأربعة إِلَى آخِرِ مَا جَاءَ فِي تِلْكَ الخَرَافَاتِ؛ كذلك كانت القرائن الأربعة عشر مع إناثها تنشر الخير مثل النيل والحقل إلخ. وبما أن الملك كان ذو صفات إلهية؛ فقد كانت له أرواح كثيرة، كذلك كانت له قرائن مختلفة، وبعض الأفراد كانت لهم أيضًا أكثر من قرين في حالات خاصة، وكان يكنى عن عزيمة الملك أو سلطته القوية بتعبير "أرواح الملك" إذا ما ترجمنا هذا التعبير حرفيًّا، كما كان يكنى عن آلهة المدينة بأرواح المدينة.
[ ٧٥ ]
ولما كثر الخلط وأصبح عددًا من الآلهة يسمى باسم واحد؛ فقد حاول المصري أن يميز بينها فمثلًا كانت هناك سخمت محبوبة بتاح وسخمت سيدة الصحراء العربية وسخمت في بيت باستت، ولم يتسنَّ ذلك في كثير من الحالات؛ إذ إننا نطالع في النصوص ما يفيد وجود مئات من الآلهات حتحور كما أن الآلهة ذات الاسم الواحد كثيرًا ما اختلطت بعضها ببعض فمثلًا حدث الخلط بين حورس وإدفو "قرص الشمس المجنح" وبين حورس ابن إيزيس. ويستدل من أُسطورة حورس إدفو على أنه كان يصحب الإله رع هو وتحوت في سفره من الحدود النوبية إلى مصر وقد انتصر على أعداء رع، وكان تحوت يسمي الأماكن والبلدان التي مروا بها؛ كذلك تدل الأساطير على أن الآلهة كانوا ملوكًا على مصر العليا والسفلى وعرف الناس مدة حكمهم، وقد ذكرتهم بردية تورين مبتدئة بالإله جب ثم أوزير وست وحورس ثم تحوت ومعات ومن بعدهم آلهة أقل شأنًا وفي آخر القائمة ذكر "خدم حورس" وكانوا عشرة وهم الملوك الذين حكموا في العصور الأولى.
[ ٧٦ ]