الصناعة:
كان الاعتقاد السائد عند المصري المثقف بأن الصانع كالفلاح كلاهما مخلوق بائس وأن حالة الصناع تدعو إلى السخرية؛ فمن ذلك قول أحد شعراء الدولة الوسطى عن صناع المعادن بأن الحداد لا يوفد كسفير لبلاده ولا يؤدي الصانع رسالة؛ كذلك وصف الحداد بأنه يقف بجانب موقده وأصابعه مثل جلد التمساح ورائحته أنتن من بيض السمك، أما النجار فهو مرهق في عمله دائم العناء؛ ولكن هذه النظرة لا يمكن أن تكون عادلة؛ لأن الصناع المصريين أخرجوا من آيات صناعاتهم ما لا يمكن أن ينتجه إلا كل شغوف بعمله أي أن إنتاجهم لم يكن مفروضًا عليهم في جميع الحالات وإن كانت بعض التقاليد
[ ١٠٧ ]
قد حتمت عليه قواعد خاصة؛ إلا أن التفاوت في الإتقان ووجود بعض النماذج التي يعجز عنها الصانع الحديث بإمكانياته الضخمة يجعلنا نعتقد أن الصانع المصري كان يؤدي عمله برغبة واهتمام، وكثيرًا ما كانت له فرصة للحرية في اختيار بعض النماذج وابتكار ما يراه مناسبًا عند إخراج قطعة فنية.
أما المواد الخام التي كان يتناولها الصانع في صناعته؛ فكانت مما تنتجه البيئة المحلية أو مما يستورده من البيئات المجاورة، وكانت العلاقاتُ بين وادي النيل الأدنى ووادي النيل الأعلى -أي بين مصر والسودان- وبين وادي النيل وآسيا الغربية نشيطةً منذ فجر التاريخ، وقد تمثل التبادل التجاري بينها أو ما يدل على هذا التبادل في مقابر عصر ما قبل الأُسَرِ إذ وجد بها العاج وبعض المنتجات الصناعية التي تماثل ما وجد في جنوب غربي آسيا، ورغم أن الفيل كان يعيش في غربي آسيا، كما كان يعيش على حدود الصحراء الغربية لمصر نفسها؛ فإن من المسلم به أن العاج كان يأتي من النوبة؛ وإن كان من الممكن الحصول عليه من هذه المصادر الثلاثة جميعًا أي أن التبادل التجاري بين مصر وجيرانها في عصور ما قبل الأُسَرِ لا يمكن إنكاره.
وإذا ما تأملنا البيئة المصرية نجد أن أهم المواد الخام فيها هي:
[ ١٠٨ ]