رابعًا: آسيا الصغرى
بالرغم مما روي في أشعار هومر عن طروادة وفي الكتاب المقدس عن الحيثيين؛ فإن العالم المتحضر ظل لا يعلم شيئًا عن تاريخ وحضارة آسيا الصغرى، ومع أن الرحلات الاستكشافية إليها بدأت منذ عام: ١٧٦٤؛ إلا أن الجهود الأثرية فيها لم تبدأ إلا حوالي سنة ١٨٧٠، حينما أخذ سليمان يبحث عن آثار طروادة، ولو أن هذه الآثار كانت تمثل مظاهر حضارية أقرب لتلك التي سادت في اليونان منها إلى تلك التي سادت في بقية أنحاء آسيا الصغرى التي أخذت أنظار الباحثين تتجه إليها بعد ذلك، وقد أمكن التوصل إلى أن النقوش التي كانت على بعض الأحجار التي عثر عليها في حلب وتلك التي كانت على الصخور في جهات مختلفة من آسيا الصغرى ترجع إلى الحيثيين الذين عرفوا في النصوص المصرية، وفي الكتاب المقدس باسم "خاتي" كما أمكن التوصل إلى معرفة الكثير عن الحضارات التي سادت في شبه الجزيرة قبل عصرها التاريخي.
وقد تبين للباحثين أن موكب الحضارة في آسيا الصغرى لا يمثل سلسلة متكاملة وأن هذه الحضارة لم تتدرج في تطورها منذ أقدم العصور، دون أن تنتابها تأثيرات مفاجئة؛ غير أنه من الممكن إجمالًا القول بأن العصر التاريخي؛ يبدأ فيها بظهور الكتابة التي انتشرت بين طائفة من التجار الأشوريين الذين وفدوا إلى الأناضول حوالي سنة: ١٩٠٠ ق. م، ومن رسائلهم ويومياتهم عرفنا أن البلاد كانت تنقسم إلى إمارات يحكمها أمراء محليون، وكان بعض هؤلاء يحملون أسماء هندو أوروبية ويدعو
[ ١٧٢ ]
هذا إلى الظن بأن الحيثيين جاءوا غزاة إلى شبه الجزيرة واستقروا بها؛ وخاصة لأن النصوص الحيثية المسمارية كانت تختلف في لغتها عن النصوص المسمارية التي سبقتها والتي أدخلها التجار الآشوريون؛ كذلك يبدو واضحًا أن مظاهر حضارية متشابهة بصفة عامة سادت في أنحاء شبه الجزيرة منذ أن سيطر عليها الحيثيون، وعلى هذا فإن مظاهر الحضارة الحيثية تمثل بشيء من التجاوز المظاهرَ التي سادت في شبه الجزيرة، وبما أن الحيثيين ينتمون إلى عناصر هندو أوروبية؛ فإن حضارتهم وإن تأثرت بحضارات جيرانهم يغلب عليها طابع يختلف عن طابع حضارات الشعوب السامية المجاورة، ومن دراسة مخلفاتهم الحضارية يتضح لنا أن الحيثيين كانوا من أكثر الشعوب القديمة تقدمًا في النواحي التي تتميز بها الطبقات الحاكمة؛ فقد امتازوا في الشئون الحربية والسياسية والقانونية؛ ولكنهم لم يصلوا إلى مرتبة عالية في النواحي الدينية والأدبية، أما فنونهم فقد بلغت مرحلة متقدمة وإن كانت لم تصل إلى حد التفوق والعبقرية.
ومع أن هناك بعض الصعوبات التي تعترض الباحثين في دراسة الحضارة الحيثية كنشأة الهيروغليفية الحيثية وتفسيرها؛ فإن من الممكن تتبع المظاهر العامة لتلك الحضارة.
[ ١٧٣ ]