خامسًا: بلاد النهرين
مع أن بلاد النهرين حظيت باهتمام الأثريين والباحثين منذ فتره طويلة نسبيًّا؛ إلا أن ما كتب عنها حتى عهد قريب لم يخرج عن كتابات بعض الرحالة الذين شاهدوا أطلالها ووصفوها، وقد بدأ بعض هؤلاء الرحالة فضلًا عن ذلك في نسخ بعض الكتابات التي شاهدوها على اللوحات في بعض الأماكن الأثرية، ومن أهم هؤلاء عالم النباتات "ميشو Michaud" الذي زار العراق وفارس في ١٨٧٢م، وحمل معه أثرًا بابليًّا منقوشًا عثر عليه جنوب بغداد حاول بعض الباحثين قراءته دون جدوى، وتوالى بعد ذلك الاهتمام بآثار بلاد النهرين، وبذلت جهود كثيرة في دراسة أماكنها وجمع التحف منها، وقد حاول بعضهم مقارنة ما كتبه هيرودوت وغيره من اليونان بما شاهدوه من أطلال بابل. وفي عام ١٨٢٧م، قام أحد الإنجليز بأول حفائر وعثر على بعض اللوحات الفخارية والأختام الأسطوانية والنقود، وبعدئذٍ تتابعت الجهود ولكنها كانت في أول الأمر لا تتم بطريقة علمية؛ بل كان الهدف منها الحصول على ما يمكن الحصول عليه من آثار وتحف، وكان معظم المنقِّبين من قناصل الدول الأجنبية أو ممثليهم. ومن نهاية القرن التاسع عشر بدأت التنقيبات المنتظمة تأخذ دورها حتى عصرنا الحالي وقد بدأها الألمان في بابل حوالي عام١٨٩٩م، والأمريكيون في نفر "نيبور" حوالي ١٨٨٨م.
وحسب ما وصل إلينا من معلومات حتى الآن عن الحضارات
[ ١٩٤ ]
التي انتشرت في العراق تبين لنا أنها في نشأتها تماثل الحضارة المصرية من حيث كونها حضارة زراعية في أساسها؛ غير أننا نلاحظ أنها لم تكن في كل أجزاء بلاد النهرين ذات طابع واحد؛ فقد وجدت اختلافات ميزت بين تلك التي سادت في بقعة عن تلك التي سادت في بقعة أخرى؛ وذلك نظرًا لأن بيئة بلاد النهرين ليست على وتيرة واحدة إذ تختلف في الشمال عنها في الوسط، عنها في الجنوب وهكذا، وبالطبع ما دامت الحضارات تنتج عن تفاعل الإنسان ببيئته كما أشرنا في مقدمة الكتاب؛ فإنه لا بد من حدوث اختلافات بين حضارات هذه الأجزاء المختلفة من بلاد النهرين وإن كانت جميعها تشترك في خصائص عامة، كما أن بعض مظاهرها قد انتقلت من جهة لأخرى وانتشرت فيها.
ومع كلٍ يمكننا أن نذكر بأن حضارة بلاد النهرين تمثل حضارة بيئة اتسمت بالعنف في مظاهرها الطبيعية وقد أثر ذلك في كل إنتاجها الحضاري، كما أن فترات النهوض والازدهار فيها لا تدل بالضرورة على وجود وحدة سياسية عامة انضوت تحت لوائها سائر أنحاء بلاد النهرين؛ بل ولا حتى سائر أنحاء قسم من أقسامها الرئيسية؛ ففي أقدم العصور كان الجزء الجنوبي من العراق تسوده حكومات المدن المتنازعة ومع ذلك فقد انتشرت فيها حضارة راقية يكفي للدلالة عليها ما عثر عليه من آثار في مدينة "أور" وغيرها من المدن التي كانت قائمة في عهد السومريين.
ولا يمكننا أن نتناول بالتفصيل تلك الحضارات التي نشأت في الأجزاء المختلفة وأن ندرس مقوماتها ومظاهرها، ومع ما أشرنا إليه من انتقال بعض المظاهر من قسم إلى آخر يمكننا مع التجاوز أن نتناول حضارات بلاد النهرين بصورة عامة، وسنكتفي ببيان أهم ما تتميز به في نواحيها المختلفة.
[ ١٩٥ ]