عرفت خامات الفخار في مصر منذ أقدم العصور وكان لهذه الصناعات أثر بالغ في الحضارة المصرية إذ إن حياة الاستقرار تطلبت أن يقوم الإنسان بحفظ حاجياته، وكان المصري محظوظًا في بيئته لأن النيل كان يجلب الطمي في كل عام، فصنع منه الأواني اللازمة لحفظ أطعمته، ولا بد أنه في أول الأمر كان يصنع تلك الأواني من الطمي دون حرقه، أي أنه لم يعرف الفخار دفعة واحدة، وربما كان الجفاف الذي تتعرض له تلك الأواني سببا في معرفة المصري بأنها تزداد صلابة وتماسكًا كلما تعرضت لارتفاع درجة الحرارة، إلى أن توصل إلى أن الحَرْقَ يزيد من صلابتها وتماسكها، وما زالت صناعة الفخار حتى الآن تجد سوقًا رائجة في البلاد.
ويبدو أن صناعة الفخار في مصر لم تتأثر بمؤثرات خارجية كثيرة في أوائل الأمر بل ولم تستخدم آلات لصناعتها إذ لم تكن هذه معروفة بعد، ومع أنها كانت تصنع باليد فإن الفخار الذي وجد من حضارة البداري وهو يمثل تلك الصناعة اليدوية يعد من أعظم الأواني التي عرفت في تاريخ مصر بأكلمه من حيث الجودة والإتقان. وبعد ذلك عرفت العجلة وكثر إنتاج الفخار فأصبح تجاريًّا وبدأ يفقد الدرجة الرفيعة التي وصل إليها من قبل في الدقة واللإتقان.
وقد نشأت تبعًا لهذه الصناعة صناعات بسيطة فمثلا وجدت قواعد خشبية لهذه الأواني أو كانت تصنع حلقات من الفخار لترتكز عليها،
[ ١١٣ ]
كما أن تلوين الأواني الفخارية وزخرفتها قد أوجدت مجالا لصناعة فنية، فمن الأواني ما كان يكتفى فيها برسم خطوط محفورة تجعلها تحاكي السلال ومنها ما كان يلون بألوان تجعلها تحاكي الأواني الحجرية، ومن الأواني الفخارية كذلك ما صنع في هيئة الحيوانات أو في أشكال خيالية، كما كانت صناعة التزجيح أو القاشاني معروفة منذ فجر التاريخ، وقد نشأت هذه الصناعة في مصر ولكن لايعرف كيف توصل إليها المصري بل ولا نعرف المواد التي بدأ بها المصري هذه الصناعة، ونجد أمثلة لصناعة الزجاج نفسها في العصور التاريخية، وكان هذا الزجاج ينفخ بأنابيب من الفخار يحمي طرفَها من الاحتراق غشاءٌ من طمي النيل.
[ ١١٤ ]