استهلت والخليفة أمير المؤمنين أبو الصبر يعقوب بن عبد العزيز العباسي؛ وسلطان مصر والشام وما مع ذلك الملك الأشرف أبو النصر قانصوه الغوري؛ ونائبه بدمشق سيباي، ولم يدخل الشام بل هو في الطريق؛ والقضاة بها: الحنفي البدري الفرفوري، وهو بقلعة دمشق على إكمال ما عليه من المال، والشافعي ولي الدين بن الفرفور، ابن عمه، وهو بمصر إلى الآن، والمالكي خير الدين الغزي، وقد اشترى حصة من بيت المرحوم شهاد الدين بن حجي وسكن به في هذه الأيام، والحنبلي نجم الدين بن مفلح؛ والحاجب الكبير جان بردي الغزالي؛ ودوادار السلطان دولتباي اليلبابي، وقد سافر ليلقى النائب الجديد؛ ونائب القلعة طومان باي.
وفي يوم الاثنين تاسوعاء، وهو أول حزيران، وصل من مصر النائب الجديد سيباي، ونزل تجاه قبة من جهة الغرب، ونودي بالزينة بدمشق وحاراتها، وهرع الأكابر للسلام عليه؛ واستمر هناك إلى يوم الخميس ثاني عشره فلبس على مصطبة القبق خلعته؛ وهي بطراز
[ ٢٤٤ ]
مذهب، ودخل دمشق، وتلقاه أرباب الوظائف على العادة، ودخل مدخلًا حسنًا.
وفي يوم الجمعة أخليت له مقصورة الجامع الأموي فصلى الجمعة بها، وخلع على الخطيب سراج الدين بن الصيرفي، ونائب المرقي برهان الدين السوبيني، وهرع الناس للتفرج عليه، وشكا بعض الناس إليه كثرة الخمر، وقلة الخبز، فلم يلتفت إلى ذلك.
وفي يوم الاثنين سادس عشر محرمها أوكب النائب بناعورة كبيرة، على غير العادة، ومر على باب كيسان وزينت له الشاغور، وشكا إليه بدار العدل رجل من زوجته التي طلقها وله منها ابنتان، وأنها لم ترده إلا بعشره أشرفية، فأمر خازنداره بأن يعطيه خمسة، وأن يعطيه بعض الأغوات تتمة الخمسة عشر، ثم قال له: هذه العشره لها، والخمسة انفقها على عيالك، وكلما احتجت نعطيك؛ فاستحسن الناس ذلك منه. وفي هذا اليوم رفعت الزينة من دمشق.
وفي يوم الجمعة سابع عشريه سافر النائب الكبير إلى البقاع، للقبض على مقدمها ناصر الدين بن الحنش. وفي يوم السبت ثامن عريه وصل قاضي القضاة الشافعي ولي الدين بن الفرفور، ونزل قرب قرية في مسجد القدم، كما نزل والده هنا في هذا اليوم، لما وصل من مصر في سنة ثلاث وتسعمائة، ثامن عشري رمضان منها، وكان النائب كرتباي غائبًا عن دمشق، والآن النائب سيباي غائبًا عنها.
وفي يوم الثلاثاء مستهل صفر الخير، دخل قاضي القضاة الشافعي ولي الدين أبو السعد محمد بن الفرفور، وميلاده سنة خمس وتسعين وثمانمائة، وفي ربيعها الأول، وتلقاه القاضي المالكي، والقاضبي الحنبلي، وأما ابن عمه الحنفي فإلى الآن بقلعة دمشق، وتلقاه أيضًا نائب القلعة، وخازندار النائب.
وفي يوم الأربعاء ثانية رتب القاضي الشافعي نوابه في الحضور عنده في الأيام، فجعل الأحد لشهاب الدين العزازي، والاثنين لشهاب الدين الرملي، والثلاثاء لأبي اليمن بن الخيضري، والأربعاء لمحيي الدين النعيمي، والخميس لتقي الدين أبن قاضي زرع والجمعة لرضي الدين الغزي، والسبت لبرهان الدين الصلتي؛ وأما النجمي ابن الشبيخ تقي الدين ابن قاضي عجلون، ومحيي الدين الإخنائي، وكمال الدين ابن خطيب حمام الورد، وسراج
[ ٢٤٥ ]
الدين بن الصيرفي فبغير نوبة، فجعله لنواب أحد عشر، وسييأتي غيرهم له.
وفي يوم الجمعة رابعه دخل الجامع، وصحبته القاضي المالكي، ونواب الحكم العزيز، وصلى الجمعة تجاه باب الخطابة، والمالكي عن يمينه والشيخ شهاب الدين بن المحوجب عن يساره، ثم حضر القاضي الحنبلي.
وفي يوم الجمعة حادي عشره دخل القاضي الشافعي إلى باب الجامع، ثم بيت الخطابة، ولبس السواد، ثم خرج فخطب للجمعة خطبة بليغة وجيزة، ثم صلى الجمعة وقرأ قراءة حسنة، فلما فرغ دخل بيت الخطابة، وخلع على المرقي، وقلع السواد، ثم خرج إلى الخانقاه السميساطية بالجماعة المذكورين، وقرئ بين يديه في تفسير القرآن، في قوله تعالى: " وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله " إلى قوله " عزيزٌ حكيمٌ " ثم خلع على القارئ ثم عاد إلى بيت الخطابة، ثم في الحال رجع إلى منزله، ومر على الخانقاه المذكورة، وظهرت فصاحته وجسارته، وقوة جأشه.
وفي بكرة يوم السبت ثاني عشره زار قبر أمه بالتربة الخيضرية، قبلي مسج البص، شرقي التربة الركنية المنجكية، بمحلة مسجد الذبان. وفي هذه الأيام دخل الأمراء بين النائب وبين مقدم البقاع ناصر الدين بن الحنش في الصلح، على مال معين للنائب عليه، مع عدم حضوره عليه؛ ثم عزم على الرجوع، وسبقة الحاجب الكبير، ودوادار السلطان، وبقية الأمراء إلى دمشق، ليتجهزوا إلى قتال عرب حوران ومن معهم، ونصر طائفة منهم على الأخرى.
ونودي بذلك في يوم الاثنين خامس ربيع الأول منها، وضربت القلعية بأطراف القلعة بالبارود، فخرج العسكر بالعدة الكاملة، وهم فرق، جماعات وأفراد. وفي عشية يوم الثلاثاء سادسه رجع النائب إلى دمشق؛ ورحل عقبه من بيروت إلى دمشق الشيخ تقي الدين ابن قاضي عجلون، ثم ركب قضاة القضاة وسلموا على النائب قبيل العشاء، ثم ركب النائب من دار السعادة في النصف الأول من هذه الليلة، وهي ليلة الأربعاء سابعه، ومعه بقية العسكر، ومر على باب الجابية، ثم مصلى العيدين، والطبل الحربي بين يديه، ولما سمع العرب المطوبون ذلك، هربوا عن الطائفة الطائعة.
وفي يوم الأربعاء المذكور سلم القاضي الشافعي على الشيخ تقي الدين ابن قاضي عجلون في بيته، وصالح بين ابنه وبين شهاب الدين الرملي، وفي ليلة الجمعة وقت العشاء عاشره، وهو سلخ تموز، رجع النائب إلى دمشق والمشاعل قدامه تضيء.
[ ٢٤٦ ]
وفي عشية يوم الأحد حادي عشره خرج القضاة للسلام على كرتباي الخاصكي، الذي أتى من مصر لقبض ما على القاضي الحنفي البدري الفرفوري، وابن عمه القاضي الشافعي، والكشف على نائب القلعة، ونقيبها؛ ثم رجعوا فدخلوا على الشهاب بن المحوجب في منزله، فشفع الجميع في جلال الدين محمد بن البصروي عند القاضي الشافعي، ففوض إليه حينئذ بعد الامتناع الكلي.
وفي بكرة يوم الاثنين ثاني عشره دخل من مصر إلى دمشق، الخاصكي المتقدم ذكره، وخرج النائب لتلقيه إلى جهة قبة يلبغا، وخرج القضاة الثلاثة، ونواب الشافعي، اهتمامًا لقاضيهم ولي الدين ليلبس تشريفه، الذي جاء صحبته، وليقرأ توقيعه، فلبسه بدار السعادة على العادة، وأتى على باب سر القلعة، ثم باب الحديد، ثم دخل من باب الفراديس، إلى الجامع، وصحبته نائب القلعة، والحجاب، وجلس بمحراب الحنفية على العادة، وقرأ توقيعه السراج الصيرفي، وهو توقيع مهم فيه وصايا عديدة، منها الاهتمام بأمر الشهود، وضبط أمورهم، والأوقاف وغير ذلك، وتاريخه سابع جمادى الآخرة من السنة الماضية؛ وأما قاضي الحنفية البدري الفرفوري، فهو على وظيفته، لكنه مستمر بالقلعة.
وفيه نودي بدمشق بالأمان والاطمئنان، وأن لا يشوش أحد على جلاب، وأن البلاصية المجددين بطالة، ومن كان له صناعة فليذهب إليها.
وفي يوم الأربعاء رابع عشره هاش نقيب القلعة على جماعة بها، من جهة نائبها، بسيف، وأراد قتل نائبها.
وفي يوم الأربعاء خامس عشره رجع الأمير ابن علي دولة من مصر إلى دمشق، بشاش وقماش مخلوعًا عليه، قاصًا بلاده. وفي هذه الأيام تبين أن القاضي الحنفي البدري الفرفوري معزول، وأن المنفصل عنها ابن يونس هو قاضي الحنفية، وأنه عن قريب يأتي من مصر إلى دمشق.
وفي يوم الأربعاء حادي عشريه وقع شر بين القاضي المالكي، وبين كبير الشهود شهاب الدين الحمراوي، فأغلظ عليه المالكي، ثم جاء المالكي إلى عند القاضي الشافعي وأظهر المحبة له، فأمر القاضي الشافعي الحمراوي ان يقوم ويقبل بيد المالكي فأبى، ثم جاء السيد كمال الدين بن حمزة وخفض القضية، ثمر رجع المالكي إلى بيته وأمر بالمناداة على الحمراوي، بأنه ممنوع من الشهادة، ومن التكلم بين الناس، فبلغ القاضي الشافعي، ففي
[ ٢٤٧ ]
الحال فوض نيابة الحكم الحمراوي، كالإنكاء للمالكي، لكونه أغلظ للحمراوي حتى في حضرته، ولكونه فارقهم على ضغين، فشاط المالكي وكاد أن يسافر، فركب الحمراوي إلى الشهاب المحوجب وقاضي الحنابلة النجم بن مفلح، وهم ساعون في الصلح.
وفي يوم الجمعة مستهل ربيع الآخر منها أتى رجل أعجمي من بلاده، وقد أثبت أنه شريف، وأنه من ذرية سيدي أحمد الرفاعي، فدل على زاوية السيوفية بالصالحية الموقوف عليها، وعلى ذرية السيوفي شيخها، قرية الفيجة وقرية دير مقرن، لإتنهى للسلطانت أنها شاغر، ليس لها ناظر، فأخرج له مربعة باستقراره في النظر والمشيخة بها، وأتى بذلك إلى النائب بحضرة القضاة ومفتية دار العدل، فقال الشافعي: يرجع إلى كتاب الوقف فيعمل بما تضمنه.
والحال أن سيدي أحمد بن الرفاعي ولم يكن له عقب، ولم يكن شريفًا، وليست بشاغرة، بل أحد نظارها عمي العلامة جمال الدين بن طولون الحنفي الصالحي، مفتي دار العدل الشريف، وهو حاضر وعنده كتاب الوقف؛ فلم يساعد القاضي الشافعي أحد من الحاضرين، بل اتفق الحال على أن النائب يأتي إلى الزاوية وينظر في أحوالها، فأتى وحده إليها، ولم يعلم أحدًا، فأكرمه هذا الرجل الأعجمي وجماعته، وأظهروا أن ناظرها مقصر، وأنه قد خرب ما بجوارها من العمارة، وأنه من جملتها.
والحال أنها عامرة والخراب إلى جانبها بتربة بناها الملك الناصر يوسف، بنيت قبلها بدهر وأما هذه الزاوية فبنيت في أيام ابن قلاوون، ومساعد على ذلك، مراعاة لخاطر النائب، العواني عبد الله بن القوعوني، واستمر هذا الأعجمي فيها واستولى على الوقف المذكور باليد، وأظهر الانتصار، وأراد أن يغتصب كتاب الوقف من عمي ابن طولون المذكور، فلم يطلع من يده.
وفي ليلة السبت سادس عشره فوض القاضي الشافعي لبرهان الدين إبراهيم بن محيي الدين بن يحيى بن أحمد بن ماط الزرعي، الذي اشتهر بالإخنائي، وهو شاب عار من الفضل، ولا قوة إلا بالله، وصارت جملة نواب الشافعي به أربعة عشر نائبًا. وفي يوم الأحد رابع عشريه توفي البرهاني الأكتع أحد الشهود بباب مسجد البوق، كان يكتب بشماله.
وفي يوم الأربعاء سابع عشريه، وهو آخر حضور الشامية البرانية، قرأ أخونا الشاب الصالح نجم الدين بن شكم الصالحي، ما كتبه بالأمس، عند ضريح الواقفة، على الأربعين مسألة التي سأله عنها مدرسها الشيخ تقي الدين ابن قاضي عجلون، فظهر عن استحضار حسن، وفضيلة تامة، فالله يجعله من العلماء العاملين.
[ ٢٤٨ ]
وفي يوم الثلاثاء رابع جمادى الأولى منها، دخل من مصر إلى دمشق قاضي الحنفية بها زين الدين بن يونس، عوضًا عن البدري الفرفوري؛ وقرأ توقيعه بعض الجهلة محيي الدبن بن شعبان الغزاوي، فلم يفهم غالب الحاضرين ما فيه، ولا علم تاريخه؛ وحصل له عقيب ذلك قلبه، واستمر البدري المنفصل وقد تقدم أنه فيها من رجب من الماضية.
وفي ليلة الأربعاء خامسه سافر القاضي الشافعي إلى قسم بيت سرًا، ثم أتى في ثاني عشره. وفي هذه الأيام توكأ مؤذن مئذنة مسجد قناة الشنباشي، داخل باب الصغير، على الدرابزين، فسقط بها إلى أسفل، فمات.
وفي يوم الاثنين سابع عشره دخل من مصر، راجعًا، تاج الدين، ديوان القلعة، وابن ديوانها، وتلقاه أرباب الوظائف على العادة، بعد أن صودر بمال كبير، وكان سبب ذلك محب الدين الأسلمي؛ ولما كان في الطريق قبل وصوله دمشق بلغه عن زوجته، بنت العلامة زين الدين بن العيني، أنها أحدثت فاحشة في غيبته، مع الأمير طومان باي نائب القلعة، طلقها ثلاثًا، وردت إلى أهلها، ولا قوة إلا بالله؛ وهي كانت قبله زوجة عمي القاضي جمال الدين بن طولون، وتعاديا لأجلها، ثم خطبت عند تاج الدين، فلما غاب خانته.
وفيه نودي من قبل النائب أن على كل حارة عشرين ماشيًا، يسافرون صحبة النائب إلى كرك الشوبك، حسبما رسم به المقام الشريف؛ فشرع عرفاء الحارات في جباية مال لهم، وتوقف حال الناس.
ثم قرئت المراسيم بعزل نائب القلعة طومانباي، ونقيبها، اللذين تخاصما فيما مضى؛ وكان أتى خاصكي بالكشف عليهما، فرسم له بأن يستمر بالقلعة يحرسها عوضهما، حتى يأتي إليه ما يعتمده، فانتقلا من القلعة.
وفي يوم الثلاثاء ثامن عشره وقع المطر الجديد بدمشق قليلًا، وبنواحي سنين كثيرًا، جعله الله مباركًا. وفي يوم الخميس عشريه فوض القاضي الشافعي إلى صدر الدين بن أحمد بن الموصلي نيابة القضاء، ولا قوة إلا بالله.
وفي بكرة يوم السبت ثاني عشريه خرج النائب بجماعة من دمشق، فسافر إلى بلاد حوران، ونزل عند قبة يلبغا. وفيه فوض القاضي الشافعي نيابة القضاة لشهاب الدين بن الحداد، الشهير بابن الملاح، فصارت عدة نوابه ستة عشر نائبًا، ثم سافر القاضي الشافعي إلى بعلبك.
[ ٢٤٩ ]
وفي يوم الأحد ثالث عشريه استناب النائب دواداره الكبير أردبش في نيابة الغيبة، وخلع عليه هناك، وعلى أستاداره، ودخلا دمشق، ثم سافر النائب.
وفي اليوم المذكور وصل إلى دمشق الأمير دولتباي، أخو السلطان العادل طومان باي، الذي ولي دمشق وهرب منها، ثم ولي بعدها طرابلس، وهرب منها إلى الروم، ثم شفع فيه ملكها ورجع إليها، ثم رحل منها إلى حماة ونهب نائبها، ثم رحل منها إلى مرعش إلى علي دولات وشفع فيه، ثم نزل الآن منزلة القصير.
وفي ليلة الاثنين رابع عشريه نزل بالميدان الأخضر، ثم سافر في اليوم المذكور من دمشق الأمير دولتباي دوادار السلطان، ثم الحاجب الكبير جان بردي الغزالي. ثم في بكرة يوم الثلاثاء خامس عشريه سافر الأمير الكبير برد بك تفاح، بطلب لم ير مثله للأمراء. وفي يوم الخميس سابع عشريه فوض القاضي الحنفي الزيني بن يونس، لشمس الدين بن رجب البهنسي، الذي كان نقيب الحكم، نيابة القضاء، ولا قوة إلا بالله.
وفي بكرة يوم الأحد سابع أو الاثنين ثامن جمادى الآخرة منها، سافر من دمشق الأمير دولتابي، أخو السلطان العادل طومانباي، إلى مصر، وصحبته خلق كثير، منهم طومان باي نائب القلعة، وقيبها، مطلوبين، والنائب مقيم حينئذٍ قرب مدينة أربد من حوران، ثم ذهب إلى صرخد.
وفي هذه الأيام توفي الرجل الصالح، خادم ضريح سيدي سعد بن عبادة. وفي يوم الاثنين ثاني عشريه دخل النائب راجعًا من بلاد حوران، وتلقاه الناس على العادة، وذهب المال الذي جبي لأجل المشاة، وهو مال كبير، ولا قوة إلا بالله.
وفي يوم الاثنين سابع رجب منها، لبس الأمير دولتباي دوادار السلطان بدمشق، خلعة الاستمرار، من بين يدي النائب بدرا العدل إلى منزلة، وركب أرباب الدولة معه إلى منزله على العادة.
وفي ليلة الأحد ثالث عشره قبض الوالي على المجرم ابن خريص الحرامي، ثم أراد عبد الوهاب وابن المسحر والأصفر أن يشفعوًا فيه، فذهبوا إلى دار السعادة لذلك، فقبض عليهم ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا. ثم بعد أيام شرط عليهم مالًا نحو أربعمائة دينار، ثم أطلقهم وأمر أن ينادي لهم باستماع الكلمة وعدم المعارضة، ولا قوة إلا بالله.
وفي يوم السبت حادي عشر شعبان منها، رجع القاضي الشافعي من البقاع وغيرها. وفيه سافر حريم النائب أركماس، المنفصل المطلوب إلى مصر، وسافر معهم النائب الجديد
[ ٢٥٠ ]
شهاب الدين بن الملاح، بحريمه معه، لكونه إمام أركماس المذكور؛ وكان سفر ابنه عوضه، واستمر هو بدمشق نائبًا للقاضي الشافعي فلما رأى أنه غير نافق بدمشق، وعلى غير فائدة، اختار اللحوق بولده ليكونا بمصر، ولاحتمال ترقي أركماس المذكور.
وفي بكرة يوم الأربعاء سادس رمضان منها، قيل فوض القاضي الشافعي لمحيي الدبن بن محمد بن الإمام، والده بجامع المزاز بأواخر الشاغور، نيابة القضاء، ثم لم يصح ذلك؛ وكان يحيى يكتب في رسم شهادته يحيى بن الإمام، حتى يوهم أن أباه كان إمامًا في العلم، اللؤلؤي، كما قرأ ولده منه أيضًا على السراج بن الصيرفي؛ وقد نسب هو وولده إلى الزور مرارًا، هما من شهود باب الصغير.
وفي هذه الأيام منع القاضي الشافعي نوابه أن يسمعوا دعوى أحدًا، أو يثبتوا مكتوبًا، أو يحكموا فيه إلا ببابه، ولم يعلم مراده بذلك، واستمر الأمر على ذلك؛ ثم طلب منهم أن يستقرضوا له مالًا إلى البيدر، ثم أذن لهم في الحكم في بيوتهم في كل واقعة، وكان السبب في هذا الإذن نائب القلعة طومانباي.
وفي يوم الاثنين ثامن عشر، لبس النائب خلعة جاءته من مصر، وخرج الناس للبسها على العادة، وفي يوم الخميس حادي عشريه دخل من مصر، راجعًا إلى دمشق، نائب القلعة طومان باي المنفصل عنها، ثم أعيد إليها الآن، وصحبته نقيبها، وتلقاه النائب والقضاة على العادة.
وفي يوم الجمعة تاسع عشريه تكلم النائب في أمر العيد، ورأى الناس أن له الغرض في أن أوله الخميس لا الجمعة، فرتبوا رجلًا شهد أن أوله الخميس، وأن العدة قد كملت، وثبت على الإخنائي بحضرة القاضي الشافعي، ونودي بذلك في دمشق؛ ثم إن جماعة تراءوا الهلال ليلة السبت فلم ير، وعيد الناس ولم يكن عيدًا، ثم رئي ليلة الأحد رفيعًا ولم يثبت إلى العشاء الآخرة، فلا قوة إلا بالله.
وفي يوم الثلاثاء رابع شوال منها، خرج النائب على اللحم، وجعل على كل رأس يخرج من السلخ درهمين، روبع درهم لمن يختم عليه بالختم؛ فزاد وقوف الحال الكائن من كثرة الظلم، فألهم الله الحاجب الكبير، جان بردي الغزالي، مراجعة النائب في ذلك فراجعه النائب في ذلك، فراجعه وبطل ذلك.
[ ٢٥١ ]
وفي يوم الأحد حادي عشريه أمر النائب بفتح قبة عائشة، غربي صحن الجامع الأموي، ففتحت وصعد إليها بنفسه، ونائبه في النظر على الجامع المذكور، ولم يوجد فيها سوى مصاحف عتيقة. وفي يوم الاثنين رابع عشريه قبض على أحد المجرمين، ابن الدمشقي، أستادار النائب أركماس، لكونه رأس الزغلية، وضرب ووضع بقلعة دمشق، ومعه جماعة؛ وقد كثر الزغل في هذه الأيام، ولا قوة إلا بالله.
وفي يوم الثلاثاء خامس عشريه سافر النائب إلى نحو القصير، وأراد القضاة والأربعة اللحوق به لأجل الوقوف على قسمة ما هناك. وفي آخر الربع الأول من ليلة الجعة ثامن عشريه، وهو ثاني عشر آذار، نقلت الشمس إلى برج الحمل، وهو أول السنة الشمسية الرومية، تكمله ألف سنة وثمانمائة عشر سنة. وفي صحبته وصل الشيخ تقي الدين من صفد إلى دمشق.
وفي يوم الاثنين مستهل ذي القعدة منها، أفرج عن قاضي الحنفية البدري الفرفوري المنفصل، من السجن بالقلعة، بعد مدة نحو السنة وأربعة شهور، لسفر أمه إلى مصر وشفاعة الأمير الكبير بمصر فيه لأجلها، على سبعة آلاف دينار، أوفى منها أربعة وضمن عليه على ثلاثة. وفي صبيحة يوم الخميس رابعه رئي الشاب ولي الدين محمد ابن القاضي شعيب، مشنوقًا بدهليز سكنهم، وهو ابن أخت محمد بن الحصني.
وفيه سافر الخاصكي، الذي كان أتى لأجل قضيتي نائب القلعة ونقيبها، وتسلم القلعة بعدها إلى أن أتيا من مصر على عادتهما، وكان أتى أيضًا لأجل استيقاء مال على القاضي الشافعي وتكلف عليه نحو سبعة آلاف دينار، منها ثلثمائة تسفيره وغير ذلك. وفي هذه الأيام شرع في عمارة الحمام داخل باب توما، وكان خرابًا، وأظنه الذي ذكره الحافظ ابن كثير في تاريخه.
وفيها ورد من حماة إلى صالحية دمشق، صوفي شرقي مغربي، يقال له علي بن ميمون، فهرع الناس إليه للتبرك به، ونزل بحارة السكة، وصار يعمل بها ميعادًا ويرشد، وممن صعد إليه شيخنا عبد النبي شيخ المالكية، وشيخنا شمس الدين بن رمضان شيخ
[ ٢٥٢ ]
الحنفية، وتسلكا على يديه وخلق من الفضلاء، وتنقل من أماكن، إلى أن توفي في حادي عشره جمادى الآخرة سنة سبع عشره وتسعمائة بقرية تل معوشي، من معلملة بيروت. وفي يوم الأحد ثامن عشره ختم الدرس بالشامية البرانية.
وفي يوم الأربعاء مستهل ذي الحجة منها، فوض القاضي الحنفي لعلاء الدين بن الفيقي، وهو رجل أسمر جاهل لكن قيل عنه إنه كثير المال، ولا قوة إلا بالله. وفي يوم الاثنين حادي عشريه شاع بدمشق أن قاضي الحنفية البدري الفرفوري، الذي كان معتقلًا بقلعة دمشق، بشر بعوده إلى الوظيفة، وعزل الزيني بن يونس، وقد اشمأزت النفوس من تجاهره بأخذ الرشوة، ورضوا بالبدري المذكور، ولستخاروه عليه.
وفي ليلة الأربعاء سلخه دخلت زوجة المتوفى شهاب الدين بن المحوجب، على موقع النائب الآن، محب الدين محمد بن الرضي الشويكي، وهو رجل أقر حسنًا وجاهًا من زوجها، ولكنه أصغر سنًا، وهذا وجه ميلها إليه، والحال أنها لم تبلغ ثمان شهور في الرملة، وهي في عينه من النعمة، وأدخلته على ولديها، وفي منزله، وغيرت لأجله محل كتبية المتوفى، وفرحت به وفرقت على جماعته مالًا، وخرجت بسببه عن حيز العقل لأجل شهرتها، ولا قوة إلا بالله.