استلهت والخليفة أمير المؤمنين المتوكل على الله عبد العزيز بن يعقوب العباسي؛ وسلطان مصر والشام وما مع ذلك الملك الناصر أبو السعادات محمد بن قايتباي؛ ونائبه بدمشق قانصوه اليحياوي؛ والقضاة: الحنفي محب الدين بن القصيف، والشافعي شهاب الدين بن الفرفور، وهو بمصر إلى الآن، والمالكي شمس الدين الأندلسي، والحنبلي نجم الدين بن مفلح؛ والأمير الكبير الأتابك يلباي؛ والحاجب الكبير قرقماس التنمي؛ والحاجب الثاني تنم؛ ودوادار النائب قطج؛ وسلطان مكة محمد بن بركات؛ وملك الروم أبا يزيد بن عثمان؛ وصاحب العجم يعقوب بن حسن بك، وهو على بغداد وغيرها.
وفي يوم الأربعاء سادس المحرم منها، قبض على الأمير تمربغا الفرنجي مملوك
[ ١٣٨ ]
قجماس، ناظر الجيش، أدخل البرج في القلعة.
وفي بكرة يوم السبت تاسعه خرج من دمشق الأمير برد بك، دوادار السلطان بها، نائبًا لصفد.
وفي يوم الخميس حادي عشرينه لبس النائب من القبة خلعة السلطان الجديد، ثم خرج عقب خلعها إلى القبة وأرسل جماعة لتلقي الحاج، ثم رجع آخر النهار.
وفيه ورد توقيع شريف بعزل محب الدين بن القصيف من قضاء الحنفية، وتولية بدر الدين بن أخي القاضي الشافعي؛ وفوض للعلاي الحنفي قاضي طرابلس كان، وحكم له في شراء بيت الخواجا شمس الدين بن النحاس مبيعًا حكيمًا، لكونه كان وقفًا باعه له ولده بدر الدين حسن بثلاثين ألفًا، قبل غرامته أضعاف ذلك، وأول شيء حكم به هذه القاذورة القبيحة. وفي يوم السبت رابع عشريه، وهو أول تشرين الأول، سافر الأمير تمربغا المتقدم ذكره من القلعة إلى مصر.
وفي يوم الاثنين ثالث صفر منها، دخل من مصر إلى دمشق نقيب قلعتها الأمير وفي يوم الخميس سادسه دخل من مصر إلى دمشق الأمير يخشباي المعزول عن نيابة القلعة، وقد ليّ أمره الميسرة بدمشق، وتلقاه أرباب الدولة، النائب فمن دونه.
وفي بكرة يوم الاثنين عاشره دخل من مصر إلى دمشق أركماس، الذي كان دوادار السلطان بدمشق، وقد فوّض إليه نيابة حماة، وصحبته القاضي زين الدين عبد الرحيم بن الموفق العباسي، وصحبتهما خلعة لابن أخي القاضي الشافعي بقضاء الحنفية، وتلقاهما النائب وأرباب الدولة على العادة. ثم في يوم الخميس ثالث عشره لبس بدر الدين ابن أخي القاضي الشافعي خلعته بقضاء الحنفية، وقريء توقيعه بالجامع على العادة، وتاريخه خامس عشر المحرم منها، قرأه الشريف الجعفري الموقّع نائب كاتب السرّ، وصحف فيه كثيرًا.
وفي صبحة يوم الجمعة خامس ربيع الأول منها، احترق حوانيت الأخصاصيين والطباق فوقها، خرجت النار من حانوت إخصاصي. وفي بكرة يوم الاثنين ثامنه دخل من مصر إلى دمشق قاضي المالكية شمس الدين الطولقي، عوضا عن شمس الدين الأندلسي، وتلقاه، وناظر الجيش الذي أتى صحبته من مصر، الخواجا زين الدين بن النيربي، أرباب الدولة، النائب فمن دونه، في اليوم المذكور، ولكن دخل النائب مهما إلى دمشق عجلًا، ومع إبطال القلعة، ثم ذهب الحاجب والأمراء والطولقي المذكور مع ناظر الجيش إلى بيته، ثم رجع الناس مع
[ ١٣٩ ]
الطولقي إلى الجامع، وقرأ توقيعه القاضي بهاء الدين الحجيني نائب الحنفي، وتاريخه في خامس عشرين المحرم.
وفي يوم السبت ثالث عشره احترقت الطبقة وما حولها بسوق الدهيناتية.
وفي يوم السبت العشرين منه، دخل من مصر إلى دمشق خاصكي لكشف القلاع، وتلقاه النائب فمن دونه.
وفي بكرة الاثين ثاني عشريه وصل مشد النائب أزدمر، الذي كان نائبًا عنه في القلعة، ثم أرسله إلى مصر بمائة ألف دينار مما في الصندوق بالقلعة بطلب السلطان الجديد، فأوصلها إلى السلطان، فخلع عليه، وأرسل صحبته خلعة حمراء سمور خاص لأستاذه النائب؛ وقيل إنه أرسل يطلب من السلطان عجلون وصيدا والصلت والرملة، حسبما كانت العادة بذلك، فأجابه إلى ذلك.
وفي هذه الأيام شاع بدمشق أن الحاجب الكبير بدمشق، قرقماس، عزل عنها ووليها عنه الأمير تمربغا الفرنجي الذي كان ناظر الجيش بدمشق، وحبس وأطلق، بعد أن أشيع عنه أن ولي دوادارية السلطان بدمشق، فلم يصح.
وشاع أن السلطان فوض الدوادارية المذكورة إلى أمير ميسرة بحلب، جان بلاط، فأتى إلى دمشق في هذه الأيام.
وفي يوم الجمعة سادس عشريه فوض المالكي لنقيبه الجاهل المتحرك، شهاب الدين بن أخي القاضي شعيب، لكونه له عليه مال أقرضه إياه، فاتفق معه على البراءة من الدين وتوليته، ثم اتفق معه على أن يأتي بأحد من الأكابر يشفع فيه، فذهب إلى شخص لا عقل له اسمه برسباي المجنون ناظر الجوالي، فشفع فيه، ففوض إليه ليقول لمن يعاتبه في ذلك إلى غصبت، ولا قوة إلا بالله.
وفي بكرة يوم الخميس ثاني ربيع الآخر منها، دخل من مصر إلى دمشق نائب قلعتها، وهو شيخ اسمه قاني بك، وتلقاه أرباب الدولة، النائب فمن دونه، على العادة.
وفي بكرة يوم الاثنين ثالث عشره دخل من مصر إلى دمشق حاجبًا كبيرًا بها الأمير تمربغا الفرنجي، وتلقاه النائب فمن دونه على العادة، مخلوعًا عليه بأحمر بسمور، وكان مدخلًا حافلًا.
وفي ليلة الخميس خامس عشر جمادى الأولى منها، خسف القمر شيئًا يسيرًا قبل العشاء، ثم تكامل خسفه بعدها، واستمر إلى قرب ربع الليل.
وأصبح الناس في شدة من قطع طريق مصر، من شدة الخوف من آقبردي الدوادار الكبير المعزول، فإنه ظهر من نحو شهر
[ ١٤٠ ]
في غزة بعد اختفائه من حين وفاة السلطان قايتباي، وشاع في دمشق أن نائب غزة آقباي أتي به محمولًا مختفيًا من مصر، فلما ظهر قيل إن السلطان الجديد بعث له الأمان، فاجتمع عليه مماليكه وجماعته وغيرهم من العصاة، وبقي له شوكة، ثم تسحب في أواخر جمادى الأولى ومر على صفد ثم على البلاد الغربية، فقيل إن نائب طرابلس عصي وأنه قاصده، وكذا شاع بدمشق عصيان أينال الفقيه نائب حلب، فأرسل نائب الشام دواداره وجماعة من الأمراء للوقوف في وجهه، فخرجوا إليه على بعلبك في سلخ جمادى الأولى المذكور.
وفي يم الثلاثاء حادي عشر جمادى الآخرة منها، ورد مرسوم سلطاني، مضمونه: أنه في يوم الجمعة خامس جمادى الآخرة حصل بالرميلة وقعة بين جماعة السلطان وجماعة قانصوه خمسمائة وتاني بك الجمالي، وحصل لقانصوه بندقة وجرح تاني بك، ثم ولي الاثنان وولي أحد عشر أميرًا معهما، ولم يعلم خبر قانصوه، هل مات أو لا؛ وطلب فيه من نائب الشام بأن يبعث له جميع المماليك المنفية بسرعة، وأن يبعث وراء الدوادار آقبردي الهارب، فحصل لآقبردي السعد حينئذٍ، وما أظن يسلم له ذلك لكثرة مبغضيه ومحبي قانصوه.
وفي ثا عشرينه شاع بدمشق أن قانصوه خمسمائة كان تسلطن ستة أيام بباب السلطة، ولقب بالملك الأشرف، ثم طرد بعد أن أصابته بندقة، وأن الدوادار آقبردي رجع من البلاد الشمالية ووصل إلى غزة، وأن قانصوه المذكور كبسه بغتة بأرض الزعقاء، ثم حصره بخان يونس، وقتل من الفريقين خلق كثير.
ثم استهل رجب بالأحد، وفيه توترات الأخبار بدمشق بأن قانصوه خمسمائة انكسر ورجع مختفيًا ولم يبق معه أحد، وقيل قتل؛ ثم سارى آقبردي إلى مصر منصورًا.
ثم ورد مرسوم بالقبض على نائب قلعة دمشق ونقيبها اللذين هما من عصبية قانصوه خمسمائة، وهو كان السبب في ولايتهما، فطلبهما النائب إلى دار السعادة في حجة شيء، ثم غمز جماعته بالقبض عليهما وتسلم القلعة، ففعلوا.
وفي ليلة الخميس تاسع عشره تحلق جماعة من مماليك الحاجب الكبير تمربغًا، ولبسوا لبس النساء وتلقوا بسريتي قاضي القضاة كان، شمس الدين بن البدري المزلقي، من باب الحمام الذي شرقي داره، الذي هو جوار قناة الشنباشي، وأتوا معهما ودخل الجميع بعد
[ ١٤١ ]
المغرب إلى بيتهما، واختفوا في جانب من البيت، فلما كان أواخر الليل أشارتا إلى سيدهما ومكنوهم من قتله، فضربوه بالسكاكين في جانبه الأيمن والأيسر وفي رأسه، ومكنوهم من أخذ المال ألفين، وخرجتا معهما على البوابين فأرادوا قتلهما، ففتحا وخرجوا جميعًا بالمال؛ وظن الناس في النائب أنه أشار لجماعة جيران المقتول، منهم والي البر المخصي، ودواداره قطج، ولغط الناس في ذلك، وغضب لذلك، فأراد الله براءته، فجاء نصراني من حارة النصارى من جيران الحاجب الكبير تمربغا، الذي يقال عنه إن أصله فرنجيًا، وأخبر لخال الأسياد، أن أمير آخور الحاجب المذكور وأستاداره دخلوا إلى مكان كذا ومعهم نساء صفتهم كذا وكذا، ففي الحال أعلم النائب، فبعث قطج دواداره إليهم، فكبسوا، فأتى بإحدى الجاريتين وهي السرية الكبرى الخاص، وأمير آخور المذكور، والدوادار أيضًا، ماشيين، ومعهم بعض المال، وهرب الخازندار بالسرية الأخرى ببعض المال.
فلما كان بكرة يوم الثلاثاء سابع يوم من القتلة، رابع عشرين رجب، أمر النائب بأن يؤتى بهم من بيت قطج القريب إلى دار المقتول مزنجرين، على الهيئة التي دخلوا بها الجابية والسرية بلبسها الخاص، وهي طاقية بلؤلؤ، وحلق خاص مذهب، وقمجون أحمر، فوقه كبر خاص أبيض، ثم أخذت الطاقية وألبست طرطور المساخر. فأغمى عليها قرب دار السعادة، فأدخلوا على النائب وهو في الاصطبل، ففي الحال أمر بتخوزقهم على أوتاد ممدودة بجانب الخندق تجاه الاصطبل المذكور، فمات الرجلان، واستمرت السرية حية وهي مخوزقة، تحادث الناس ويحادثونها إلى وقت العصر، فأمر النائب بتخزيقها ثانيًا فماتت، وكان يومًا مهولًا.
ثم في يوم الأربعاء خامس عشرينه قبض على السرية الأخرى، وهي الصغرى، فرئيت حبلى فأمر النائب لأجله بتغريقها لا بتخزيقها، فعريت بالوادي الأخضر قبلي الوراقة العزية، وثقلت بحجارة وألقيت في ذاك الماء العميق ببردى، عند جسر طوغان، من فوقه.
وفي يوم الأربعاء ثاني شعبان منها، سافر قاضي الحنفية بدر الدين بن أخي القاضي الشافعي إلى جزين وبلادها، وخرج في أبهة هائلة.
وفي بكرة يوم الأحد سادسه أرسل النائب جماعة من مماليكه إلى بيت ناظر الجيش، وكيل السلطان الجديد، ابن النيربي، فهرب من بيته إلى بيت جاره عبد النبي، فقبضوه وأتوا به ماشيًا حافيًا، وأدخلوه إلى القلعة.
وفي هذه الأيام نادى النائب بتدريب الجارات، وتواترت الأخبار بأن الدوادار الكبير آقبردي دخل مصر؛ وأن قرقماس الذي كان حاجبًا بدمشق ولي نيابة
[ ١٤٢ ]
غزة؛ وأن أركماس الذي ولي نيابة حماة عزل عنها؛ وأن قانصوه خمسمائة هو الآن بدمشق مختفيًا يعلم به النائب، ولأجله أمر بتدريب الحارات، وقيل لأجل التضييق على الحرامية لكثرتهم حينئذٍ.
وفي يوم الأربعاء ثالث عشرينه وصل من مصر جماعة القاضي الشافعي، وهم: عماد الدين الموقع، وعز الدين، وابن عم قاضي القضاة، وعلى أيديهم كتب لابن أخيه قاضي الحنفية، وشاع أن فيها عزل نائبه شهاب الدين الرملي لكونه يتراجع ويطلق هجوه.
وفيه شاع بدمشق أن الدوادار الكبير آقبردي لما دخل مصر، زينت له ولآقباي، مصر، عشرين يومًا، وأن الدوادار مستمر على وظيفته، وآقباي تولى رأس نوبة النوب، وأنه قد تعين لقلعة دمشق نائب من جهة الدوادار، وجهزوا معه جماعة معه الخاصكية ليأخذوها من النائب ويسلموها لنائبها الآتي معهم، وقلق النائب من ذلك، ولكنه رجل فيه عقل وثبات، وأكد ذلك أن الأمير الكبير تمراز أرسل يقول للنائب، إن آقبردي وجماعته ساعون في هلاك القراصنة، أنا وأنت وتاني بك الجمالي، وقد دفع بعض الأمراء في نيابة الشام مبلغ تسعين ألف دينار، فبهذا الاعتبار زاد وقوف حال الناس وظنوا أن هذه التداريب التي نادى النائب بعمارتها على الحارات ما هي إلا لأمر كمنه منهم.
وفي يوم الأربعاء ثامن رمضان منها، وصل الخبر من حلب بأن نائبها نهب فيها وحرق، وحصل خبطة عظيمة.
وفي يوم الخميس تاسعه شاع بدمشق أن السلطان عزل قضاة مصر الأربعة، وبعث إلى القدس لأخذ كمال الدين بن أبي شريف، ليوليه مكان الشيخ زكريا؛ وأنه ولي كتابة السر لابن الجيعان.
وفي ليلة الأربعاء خامس عشره ورد من مصر الخبر بأن الدوادار آقبردي وجماعته، كآقباي، تآمروا على السلطان وأرادوا سقيه أو مسكه، فأخبره بذلك نائب طرابلس الأعور، الذي كان من حزبهم، وكذلك نائب صفد برد بك، فركب الجلبان عليهم وكانت وقعة عظيمة، ونصب آقبردي وجماعته المكاحل على القلعة، وحاصروا السلطان وجماعته.
ثم في خامس يوم من رمضان المذكور تسحب آقبردي وجماعته، ولم يعلم خبرهم،
[ ١٤٣ ]
وخربت بيوتهم ونهبت، ودقت البشائر بذلك في دمشق.
وفي يوم الأحد سابع عشرينه لبس قاضي الحنابلة نجم الدين بن مفلح خلعة العود، بعد تولية ابن قدامة مكانه بمصر.
وفي بكرة يوم الخميس سلخه، وهو آخر حزيران، خرج القلعيون بغير أمر، لتلقي نائب القلعة ونقيبها الآتيين من مصر، فورد مرسوم باستمرار النقيب المعزول، فعوق الجديد بتربة تنم ليراجع السلطان، فامتنع نائب القلعة لأجله من الدخول إلى دمشق، ورجع القلعية، ثم ورجع نائب القلعة ورجع القلعية وأدخلوه، وبقي النقيب الجديد بالتربة.
وفيه لبس القاضي شمس الدين بن يوسف الأندلسي المعزول، قضاء المالكية، وعزل شمس الدين الطولقي.
وفي يوم الجمعة كان عيد أهل دمشق وهم في وجل من فصل الطاعون، وقد مات جماعة، فالله يلطف.
وفي هذه الأيام وقع القاضي المالكي الجديد بابن أخي شعيب، وضربه وأركبه حمارًا مقلوبًا، وكشف رأسه وجرسه.
وفي الاثنين حادي عشر شوال منها، ورد خاصكي من مصر صحبته خلعة للنائب، فلم يخرج إليه لوجع رجله وضعفه، فدخل والخلعة بين يديه مطوية على جنيب، وشاع بين الناس أنه أتى على تركة ابن المزلق المقتول، وعلى تركة ابن المعتمد، وعلى كشف الأوقاف.
وفي هذه الأيام هرب الشيخ محمد بن الحصني ليلة الثلاثاء إلى قرية الحنارة من الوباء؛ ثم هرب السيد علاء الدين بن نقيب الأشراف على عادته إلى البر منه، فضعف في قرية غرابة، ثم اختار الانتقال إلى المزة شرقيها فمات بها، ودفن جوار الشيخ علاء الدين البخاري، فلم يغنه الحذر، وكان عمره في عشر الأربعين، كذا أخبر شهاب الدين بن بري.
وفي يوم الثلاثاء تاسع عشره سافر وفد الله إلى الحجاز، وأميرهم دوادار السلطان بدمشق جان بلاط الذي أتى من حلب.
وفي يوم السبت ثالث عشرينه توفي النائب وكان الوفد بالمزيريب؛ وكان قد تولى جديدًا عامر بن مقلد، وولده، وولد عدوه جانباي، بقلعة دمشق، كما أشار به النائب قبل وفاته، فحصل بدمشق خبطة من زعرها على النقباء ومن استضعفوه، فتصدى الحاجب الكبير تمربغا لهم، وقتل جماعة وقطع أيدي آخرين، فسكنوا، ونادى بالأمان، فاطمأن الناس، وخرج وظهر عن شجاعة وخيولية؛ أعانه الله على الخير.
وفي يوم الأحد رابع عشرينه رجع بعض
[ ١٤٤ ]
المزيريبية، وأخبروا بوقوف الحال من كثرة الخوف والوباء.
وفيه فقد الشيخ الأمرد خضر بن علاء الدين المعري، الشاهد بسويقة المصلاة، ففتش على من عاشره، فوجدوه ولد محمود بن دكر، من ميدان الحصى، جوار الشيخ شهاب الدين بن المحوجب، فأرادوا سؤاله عنه فاختبأ عند النساء، ووجدوه مجروحًا في يده وغيرها، فحرر عليه، فأقر سرًا، فقال للشيخ شهاب الدين المذكور: إنا كنا ذهبنا إلى الغيضة قرب الربوة، فبينما أنا وهو إذ ولج علينا مغربيان ورجل أزعر، يقال له ابن النيات من الشاغور، فأرادوا يجرحوني فهربت منهم، ولم أعلم ما فعلوا مع رفيقي خضر المذكور.
فذهب أبو خضر، وجماعة أخر معه، إلى الغيضة المذكورة، فوجدوه مقتولًا مذبوحًا ومضروبًا ومفعولًا فيه الفاحشة، قد أكل ابن آوى إحدى رجليه، وعليه ثيابه الحسان المثمنة لم يؤخذ منها شيء، ومعه دراهم نحو ستين درهمًا باقية، وآلة الشرب باقية، فحمل، وأتي به إلى محلته وهو في أسوأ حال من المثلة والانتفاخ والنتن، فأمر نائب الغيبة بدفنه، وقبض على رفيقه وعلى والده محمود وحبسًا.
وفي هذه الأيام وجدت أعيان حرام قد سرقها رجل قوال وقارئ الأعشار تحت الكراسي الواعظية، وهو مؤذن بمأذنة الشامية، أصله من طرابلس، وكان ضيفًا، لكن الإجرام ظاهر بخلوته بالشامية، من سكر نبات وثياب حرير وغير ذلك، وغالبه من زوج أخت امرأته مجاورة السكري، فوضع في زنجير، وحملوا على رأسه طبلية فيها من ذلك، وحمل قدامه عدة طبالي، وخرج على أسوأ حال؛ وشاع عند العوام أن الحرام قد وجد عند الفقهاء، الذين يعرفون ما قال الله ورسوله، فكاد بعضهم يستحل ذلك، وبعضهم يبالغ في ذلك، ويقول إمام الشامية الرجل الصالح شهاب الدين البقاعي، ولا قوة إلا بالله.
وفيها ورد كتاب من القاضي الشافعي بعزل شعيب من القضاء، فلم يسلم هو العزل وأعاده شهاب الدين الرملي إليه ولم يصح.
وفي يوم الاربعاء رابع ذي القعدة منها، كبر الناس بدمشق، على مآذن الجامع وغيره، على الخاصكي الذي جاء من مصر، وعلى يديه خلعة النائب المتوفي، وجاء على كشف الأوقاف، واسمه تنم الجردون، وإنما صار خاصكيًا بمصر قريباُ لأجل ظلمه للناس وأخذ أموال الأوقاف بلصًا؛ وهذا أول ظلم وقع في زمن هذا السلطان الجديد.
وفي يوم الخميس ثاني عشره دخل من مصر يلباي الأمير الكبير بدمشق، كان سافر إلى
[ ١٤٥ ]
الداودار الكبير لما رجع من جفلته إلى غزة، ثم إلى مصر، فلما جفل الجفلة الثانية إلى الصعيد، رجع هذا إلى دمشق على عادته، وكان عاداه النائب المتوفى لكونه سافر لنصرة الداودار الكبير، وأخذه له على ما قيل حاصلًا شعيرًاَ، فشكاه إلى السلطان، فلم يفده إلى طلب قطج وجماعته، فأنعم عليهم إكرامًا للنائب أستاذهم، فرجعوا بخلعة سنية للنائب، فلم يصلوا دمشق حتى مات النائب، فعادوا بها إلى مصر، فاطمأن هذا الأمير يلباي، وأتى إلى دمشق يومئذٍ.
وفي يوم الجمعة ثالث عشره صلي غائبة، عقيب صلاتها بالجامع الأموي، على ثلاثة أنفس منهم المحدث العلامة شمس الدين السخاوي، توفي بمكة، وفي ليلة الاثنين سادس عشره شاع بدمشق أن المنجمين قالوا إن الوباء يرتفع حينئذٍ، فرجع الشيخ محمد بن الحصني، الذي قد كان هرب منه بولده وأهله إلى قرية الخيارة، فتوعك ولده واسمه عبد الوهاب، ثم توفي ليلة الخميس تاسع عشره عن نحو عشرين سنة، ووضعوا الجثة في القبر طراحة.
وفي يوم السبت حادي عشريه وردت الأخبار من مصر إلى دمشق، بأن أبا البقاء بن الجيعان، قصده رجل ملتف في برنس حال خروجه من الحمام، وطعنه بسكين فقتله، واتفق الناس أنه مسلط عليه، وقال بعضهم سلطه كاتب السر ابن مزهر.
وفي يوم الأحد ثاني عشريه رجع إلى دمشق دوادار النائب المتوفى قطج، ومعه الوالي المخصي وغيرهما، ردهم الخاصكي الذي أتى على الحوطة على مال أستاذهم، وهو الآن بائت على قبة يلبغا، وقيل أنه من أقارب السلطان، ثم دخل بكرة يوم الاثنين ثالث عشرينه وخرج لتلقيه نقيب القلعة، والقضاة، وجماعة النائب المتوفى. وأما نائب الغيبة الحاجب الكبير فلم يخرج، لأن زوجته توفيت، وخرج في رقبته خراج، بل شيع بدمشق موته، وكان على الحواط خلعة خضراء بطراز. وفي هذا اليوم طاشت الزعر وطغى الحرامية، وعرى جماعة عند دخول الليل، وكثر ظلم المحتسب.
وفي يوم الأربعاء خامس عشرينه ختم حضور الدرس بالشامية الكبيرة. وبعد ظهر يوم الخميس سادس عشريه ثار الشريرين، غوغاء ميدان الحصى وغوغاء الشاغور، بمحلة قبور
[ ١٤٦ ]
الباب الصغير ومسجد الذبان، وقتل جماعة وجرح آخرون، وغلقت الأسواق خوفًا من النهب، ثم ركب الأمير الكبير ففرق بين من تأخر منهم في القتال.
وفي عشية هذا اليوم ثار السحاب من شرقي دمشق، ومشى إلى جهة الغرب إلى أن أظلمت الدنيا، وخشى الناس المطر لكثرة الوخم والسموم، واستمر إلى آخر الليل، فكثر الرجم بالنجوم، فتكشطت السماء من السحاب، ورجم بنحو عشرين نجمًا في نحو ساعة وفي يوم الجمعة سابع عشريه صلوا بالجامع الأموي غائبة على أبي البقاء بن الجيعان المقتول وعلى القاضي الحنبلي بمصر، السعدي.
وفي بكرة يوم الأحد تاسع عشريه، وهو الثلاثون من تموز، وجد أحمد بن محمد البرهان، المعروف بابن المغني، بنهر بانياس من قبل القربيين، قرب باب سر القلعة، مقتولًا؛ كان بالمرجة يتفرج، فقتل ثم طرح في النهر المذكور، فحمله إلى هذا المكان، فرأوه أهل هذه المحلة، فأخرجوه عند باب السر، فعرف، فحمل إلى بيته، بحارة البقارة، فغسل ودفن؛ وخلف ثيابًا عاتكية مقصورة مدقوقة فوق المائة. وفي هذا اليوم اجتمع الأمير يلبابي، الأتابكي بدمشق، وقضاتها، بمدرسة ابن المزلق، وأصلحوا بين أهل الشاغور وميدان الحصى، وشرطوا عليهم شروطًا، ومن قتل بينهم هدر دمه.
وفي يوم الاثنين ثاني ذي الحجة منها، دخل من مصر إلى دمشق الخواجا ابن النيربي، الذي كان ناظر الجيش بدمشق، وأهانه النائب المتوفى، فسافر إلى مصر، فتولى نظر الجيش والقلعة ووكالة بيت المال عن الصلاح العدوي، ثم دخل في هذا اليوم.
وفي يوم السبت، آخر أيام التشريق، اجتمع غوغاء أهل دمشق بمحلة القطائع؛ غربي ميدان الحصى، وفي وليمة عملها زعر الميدان المذكور لزعر الشاغور، والمزابل وغيرها، وقام فيها من أكابرهم، على ما قيل، الشهاب بن المحوجب، والسيد إبراهيم، والقاضي تقي الدين بن قاضي زرع، وكانت بمال كبير، وغالبة أخذ من المحاجين والمستورين على وجه
[ ١٤٧ ]
الحياء والقهر، فلأجل إذا لم يحصل لهم سعد في مرادهم من إظهار العظمة والأبهة عند عملها، فنهبت ثم تفرق الجميع، وقد ضحك على الجميع.
وفي يوم الجمعة تاسع عشره عقب صلاتها بالجامع الأموي، اجتمع القضاة والخاصكي الحواط، واسمه آقباي، عند باب الخطابة، والجم الغفير من الناس، وقرأوا ربعات وختموها وأهدوها في صحائف السلطان، لأجل إعفائه عنهم عما رسم به أولًا على يد الخاصكي، الذي جاء بخلعة النائب المتوفى، من الكشف على الأوقاف ومصادرة أهلها، حتى المارستان، وكثر الدعاء له بسبب ذلك.
وفي هذه الأيام قام أهل ميدان الحصى، من رجل من أهل الشويكة، اسمه عبد القادر التاجر الأجرود، في توسعة المسجد الذي قد كان عمر ووسع سنة، فأتوا بالقاضي نور الدين بن منعة الحنفي، وحكم بهدم الخلاء والسلخ اللذين كانا في عمرها شمس الدين بن كامل في السنة المذكورة، وأذن الحنفي في أن يجعل مكانهما مضافًا إلى المسجد المذكور، فهدما، وشرع عبد القادر في عمارة ذلك، وجعل المحراب على أساس جدار الخلاء، فدخل السلخ في المسجد زيادة وما سامته من الغرب، قدام الحمام البيدمري، وقيل الخان الشرمري، فأضافوا هذه القسمة إلى هذه الزيادة المذكورة.
قال شيخنا المحدث جمال الدين بن المبرد الصالحي: وفي هذه السنة، عقب موت النائب قانصوه اليحايوي، أغرى بعض الفقهاء للزعر بأنه يجوز قتل أعوان الظلمة، فصار من قلبه من أحد شيء إما يقتله أو يغريهم ويعطيهم دراهم فيقتلونه، ويحتجون بأنه عواني، حصل بذلك فساد كثير؛ وقتل في هذه الأيام عندنا في الصالحية نحو الثلاثين، منهم: عبد الرحمن بن زريعة، وأبو بكر بن قبيعة، والشكمي الحمصاني، وأحمد بن كديش، وأحمد الكفروري، ووالي الصالحية بشير الطواشي عتيق الشمسي بن القونصي، وفي المدينة نحو المائة منهم: قاضي حمص كان، قدم دمشق فبرطل عليه أعداؤه للشواغرة فقتلوه بسوق البزوريين؛ فسئلت عن هذه المسألة مرتين فأجبت في الأولى بجواب مختصر نحو الكراسة، وفي الثانية بمطول نحو الثلاثين كراسًا وسيمته: الذعر في أحوال الزعر، ومحطمهما عدم الجواز، وأنه لا يجوز لأحد إغراؤهم.