استهلت والخليفة أمير المؤمنين المتوكل على الله أبو عبد الله بن المستمسك بالله أبي الصبر يعقوب العباسي؛ وسلطان مصر وما معها الملك الصالح طومان باي؛ وسلطان دمشق والشام والروم وما مع ذلك الملك المظفر سليم خان بن عثمان؛ ونائبه بدمشق شهاب الدين أحمد بن يخشى؛ وبقلعتها الأمير حمزة الرومي.
والقاضي بها زين العابدين بن الفنري الرومي الحنفي، ونائبه من الحنفية شمس الدين بن رجب البهنسي، ومن الشافعية القاضي شهاب الدين الرملي، ومن المالكية شمس الدين الخيوطي، ولم يول من الحنابلة أحدًا إلى الآن، وسيأتي أنه ولي منهم
[ ٣٤٧ ]
شهاب الدين أحمد بن البغدادي، وقد ألزمهم القاضي زين العابدين بالاجتماع كل يوم بالمدرسة الجوزية المسماة الآن بدار الحكم، وعندهم شهود المجلس الثمانية، ومنع غيرهم من شهود البلد من الشهادة، وعقود الأنكحة، وتضررت شهود البلد بذلك تضررًا زائدًا، وهم ماشون على اليسق، وهو على كل مستند خمسة وعشرون درهمًا، ودرهم للمحضر.
وفي يوم الجمعة مستهل المحرم منها، وقع بصفد مقتلة عظيمة، سببها أن بعض العيق بلغه كسر ملك الروم، فحمل السلاح ودار في البلد يفتش عن العثمانية ليقتلهم، فصدف شخصًا منهم، فقتله فثارت الفتنة بين العثمانية والعيق، وفر نائب البلد الرومي إلى قلعتها بمن معه، وتحصنوا بها.
وفي يوم الأحد، عاشوراء، وردت مطالعة من المقدم ناصر الدين بن الحنش إلى المحبي ناظر الجيش، مضمونها أن العثمانية كسرهم العسكر المصري، ومسك سلطانهم سليم خان.
وفيه، وهو أول شباط، كثرت الأمطار؛ والحال أن الأسعار غالية، فالقمح الغرارة بنحو أربعمائة درهم، والشعير بنحو الثلاثمائة وستين، واللحم الضأن رطله بعشرة، والمعز والبقر بثمانية، والسمن بثلاثين، والعسل بثمانية عشرة، والزيت بخمسة عشر، والسيرج بثمانية عشر، والدبس بسبعة، والأرز بستة، والفحم بخمسة، والحطب بدرهم، والقماش بأنواعه غال.
وفي يوم الجمعة ثاني عشريه وردت مطالعة من العلاء بن طالوا نقيب الجيش، إلى الشيخ عبد النبي، مضمونها الإنكار عليه بمساعدة العثمانية، وتأييد ملكهم، مع كونه خارجيًا، ولوح بأنه مسك وبالغ في انتقاضه، فأظهرت المطالعة الشيخ عبد النبي، فكثر الهرج والمرج في دمشق، وتحركت بعض زعر الحارات، وقتلوا بعض أعوان الظلمة الجراكسية، وتقصدوا جماعة العثمانية، فحين بلغهم ذلك دخلوا وسكنوا داخل البلد مع نائبها وحصنوا القلعة.
وفي ليلة الأربعاء ثالث عشره كثر المطر، فوقعت عدة بيوت وطباق قبلي التربة التغرورمشية، بسبب كثرة الزيادات في الأنهار.
وفيه دخل إلى دمشق جماعات من الأروام، من حمص وغيرها.
وفي يوم الأحد رابع عشريه نودي على لسان النائب: من كان عنده أو في محلته نحس أو عوان، فليعلم به.
وفيه قبض الرجل المجرم من ميدان الحصى، المعروف بقصرمل فخوزق.
وفي هذه الأيام زاد كثرة الكذب على ملك الروم، وقيل إنه رجع من الصالحية إلى بلد لد، بعد أن واقع المصريين وانكسر، وقتل من جماعته خلق كثيرة.
[ ٣٤٨ ]
وفي يوم الاثنين سادس عشريه انتقل النائب إلى بيت خشقدم، استادار سيباي الهارب إلى عند المقدم ابن الحنش، مع وجود ثلج كثير.
وفي يوم الثلاثاء سابع عشريه عرض النائب، ونائب القلعة، والقاضي الرومي بالميدان، وتحت القلعة، خوفًا مما شاع بدمشق وغيرها، من كسر ملك الروم أو قبضه.
وفيه دخل إلى دمشق من عند الخنكار الخواجا ابن النيربي، وليس معه علم مما جرى له مع المصريين.
وفي يوم الأربعاء ثامن عشريه توفي الرجل التاجر كان، المتمصلح الحاج حاتم الجرباوي البغدادي الدمشقي العاتكي، ودفن بمقبرة مسجد الصالح.
وفي يوم الأحد مستهل صفر منها، أهلك النائب جماعات من المجرمين الزعر القاتلين؛ والحال أن الخوف من النهب متزايد، وغلقت غالب الحمامات لقلة الذبل، والحال أن البرد متوافر، وصار لا يوقد في الحمامات المفتوحة إلا عظام فطايس الأروام من العسكر الذين ذهبوا إلى مصر، وقد أنتنت ضواحي البلد منها.
وفي يوم الثلاثاء ثالثه وردت مطالعة من المقدم ناصر الدين بن الحنش، فيها أن ملك الروم انتصر على الجراكسة المصريين؛ ثم بعد ساعة من النهار ورد قاصد من عند ابن طربية، أمير الدربين، معه مرسوم وصل إليه من ملك الروم ابن عثمان، مكتتب في منزلة بولاق خارج القاهرة، مؤرخ بيوم الأحد عاشر المحرم، وفيه أن ابن عثمان دخل مصر يوم الثلاثاء خامس المحرم، ووقع القتال بينه وبين الجراكسة يوم الأربعاء والخميس والجمعة.
وفي آخرها ليلة السبت فرت الجراكسة بعضهم إلى الصعيد، وبعضهم إلى البحر، وبعضهم إلى جهة الشام، مكسورين، ثم التحريض على ابن طربية في مسك من يظفر به بالدرب من الجراكسة، ثم إن كان من الأعيان جهزه إلى القاهرة، وإن كان ممن دونهم أجهز عليه إن كان مجروحًا وإلا قتله، فشكك الناس في هذا المرسوم.
وفي يوم الجمعة سادس صفر وردت مراسيم على يد أربعة من الهجانة بنصرة ابن عثمان على الجراكسة، وأخذه للقاهرة بعد قتل كثير في الفريقين، وفي العوام، بسبب مساعدتهم للجراكسة، وحرق ونهب، وأن الجراكسة كانت دربت أبواب القاهرة وأزقتها
[ ٣٤٩ ]
بالخنادق والمكاحل والسد؛ فأخذ نائب حلب خير بك لملك الروم من موضع نفذ منه في أفقية الجراكسية ففروا.
وفي يوم السبت سابعه قرئت هذه المراسيم، ودارت مبشرو الأروام على بيوت الأكابر والحارات، بالطبول والنايات، وأطلقوا نفطًا كثيرًا في قلعة دمشق، ولطخوا غالب أهل البلد بالزعفران، والأشراف منهم وضعوا لهم رنوكًا صفرًا ونادوا بالزينة، فزينت البلد، واطمأنت الناس، ولكن الأروام غالبهم اغتم بسبب قتل جماعة من أعيانهم، منهم سنان باشا الوزي الأعظم، واستمرت الزينة سبعة أيام.
وقد عرب موقع دوادار السلطان، شمس الدين الحلبي، المرسوم الذي جاء للنائب، والقاضي بالبلد، بقوله: " قدوة الأمراء الكرام، وعمدة الكبراء الفخام، ذو القدر والاحترام، كافل مدينة الشام، دام عزه، وأقضى قضاة المسلمين، أولى ولاة الموحدين، معدن الفضل واليقين، حجة الحق على الخلق أجمعين، مولانا قاضي القضاة بالشام المحروس، أبدت فضائله مرسومنا هذا، يوضح لعلمهما الكريم، أننا توكلنا على الله سبحانه، وتوسلنا بسيد الكائنات، محمد ﷺ ".
" وتوجهنا بعساكرنا وصناجقنا وأعلامنا وجيوشنا وخيولنا السابقات الصافنات، وقسينا الصائبات، ورجالنا المرصدين لصيد اعدائنا، مع هداية الله تعالى، من الشام مع السعد والظفر إلى جهة مصر، فوجدنا طومان باي، الذي تولى سلطنة مصر، وأقام جان بردي الغزالي كافلًا للشام، وجهزه إلى غزة، وصحبته فرقة من العساكر المصرية ".
" وكان قد تقدمنا قدوة الوزراء العظام، وعمدة الكبراء الفخام، الغازي في سبيل الله، المجاهد لوجه الله، الوزير الأعظم سنان باشا، إلى جهة غزة، فوقع بهم، والتحم بينه وبينهم القتال العظيم، فبعون الله تعالى وسعادتنا الشريفة، حصل له النصر والظفر، وقتل منهم من قتل، وأسر منهم من أسر، ومن سلم من سيفه فر منهزمًا صحبة الغزالي المذكور إلى مدينة مصر ".
" ثم إن ركابنا الشريف جد في السير، في السعد والإقبال، بعساكرنا وجنودنا، واجتمع بنا سنان باشا المشار إليه، وصرنا نرحل من مرحلة إلى مرحلة مثل السهام ".
[ ٣٥٠ ]
" فلما وصل إليهم خبر توجه ركابنا الشريف على هذا الوجه، أرادوا أن يتداركوا بقاء نفسهم وأرواحهم، فجمعوا عساكرهم السيفية، والجلبان، ومماليك الأمراء، والعربان نحو الثلاثين ألفًا ".
" وجمعوا ما في القلعة المصرية، وبيوت الأمراء، وثغر إسكندرية، وسائر البلاد والقلاع، من المكاحل، والكفيات، والسبقيات، والبندقيات، واللبوس، والسلاح ".
" وحفروا خندقًا في الريدانية، من بحر النيل إلى الجبل، وجمعوا أخشابًا جعلوها تساتير على الخندق، وأحضروا رماة من الفرنج وغيرهم، وسائر آلات الحرب، وهيئوها للقائنا ".
" فوصل ركابنا الشريف، بعساكرنا المنصورة، إلى الريدانية، في يوم الخميس التاسع والعشرين، من ذي الحجة الحرام سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة، وقت الغداة، فوجدناهم قد لبسوا السلاح، وتكملوا العدد، وتقلدوا العُدد، وهم غارقون في الدروع والزرد، وأرادوا مقابلة عساكرنا المنصورة، التي هي أعداد الرمال، وأمثال الجبال، ولها قلوب الأسود، وشخوص الرجال ".
" فلما وقف الصفان ماج عسكرنا كموج بحر عمان، فبقي يغلي ويضطرب، فرتبنا وزيرنا الأعظم سنان باشا في ميمنة العسكر، ودستورنا المكرم ومشيرنا المفخم نمر وهزبر الهيجاء، وزيرنا يونس باشا في الميسرة ".
" واصطف الجيشان، وزحف العسكر المصري على سنان باشا في الميمنة، ورموا عليه بالمكاحل والسبقيات والكفيات والبندقيات، وجاء أعداؤه للقتال، فما روعه ذلك، ولا أزعجه، بل جال فيهم وصال، وقطع منهم الأوصال، ورمى منهم الرؤوس عن الجثث، وغنى فيهم السيف، إلى أن خاضت خيولهم في الدماء والقتلى ".
" ثم ولوا منهم منهزمين إلى الميسرة، فتلقاهم يونس باشا المشار إليه، وجال فيهم بطعن وضرب، فأرادوا الفرار، فناداهم لن ينفعكم الفرار، إن فررتم من الموت أو القتل، فكم من فارس تجندل صريعًا وكم من أمير أحضروه إلينا أسيرًا ".
" وأما غالب العسكر المخذول، فداسهم عسكرنا تحت حوافر الخيول؛ واستمر الحرب من أول النهار إلى بين الصلاتين، وصار حرب عظيم، وجرح سنان باشا ".
" وآخر الأمر بإرادة الله تعالى، ألا إن حزب الله هم الغالبون، وصارت عساكرنا غالبة
[ ٣٥١ ]
ومنصورة، والعساكر المصرية مغلوبة مقهورة، وقالوا: أين المفر؟ والذي سلم من سيوفنا، منهم من رمى بنفسه عن فرسه فقبضوا عليه، ومنهم من قطعوا رأسه وأحضروه إلينا، والمأسورون منهم عملناهم إشارات لنبلنا وغداء لسيوفنا، وصارت أبدانهم ورؤوسهم وخيولهم كيمانا ".
" وأقمنا بعد هذه المعركة في الريدانية أربعة أيام، بالسعد والإقبال، ثم انتقل ركابنا الشريف من الريدانية إلى جزيرة بولاق ".
" وكان قد فضل بقية سيوفنا من العساكر المصرية، فهربوا واجتمعوا، هم والسلطان طومان باي، وجمعوا العربان، والتموا نحو العشرة آلاف، ليلًا من نهار الثلاثاء خامس شهر المحرم الحرام سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة خفية، ودخلوا البيوت الحصينة، وحفروا حولها الخنادق، وستروا التساتير، واجتمعوا في الحارات، وأظهروا الفساد، وأبرزوا العناد، فعلمت عساكرنا المنصورة بهم، فربطوا الخيالة لهم الطرقات، لئلا ينهزم منهم أحد، وصاحت عليهم مماليكنا الينكشارية والتفكجية، وحملت عليهم حملة رجل واحد، ودخلوا عليهم إلى البيوت التي تحصنوا فيها، ونقبوا عليهم البيوت يمينًا وشمالًا، وطلعوا على أسطحة تلك البيوت التي تحصنوا فيها، ورموا عليهم بالبنادق، والكفيات، واستمر الحرب بين عساكرنا المنصورة وبينهم ثلاثة أيام ".
" وفي يوم الجمعة ركب مقامنا الشريف، واشتد الحرب، وصار مثل " يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم "، ومثل " يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه "، فخربنا ما عملوه من التساتير والخنادق، فالتجئوا إلى بعض البيوت الحصينة، فحرقنا عليهم تلك البيوت التي التجئوا إليها، وبقوا في العذاب الأليم، وأرادوا الهروب فما لقوا لهم طريقًا إلا بحر النيل، فأرموا أنفسهم فيه، وغرقوا كيوم فرعون ".
" وفي هذه الثلاثة أيام يستمر القتال من الصبح إلى العشاء، وبعون الله تعالى قتلنا جميع الجراكسة، ومن انضم إليهم من العربان، وجعلنا دماءهم مسفوحة وأبدانهم مطروحة، ونهب عسكرنا قماشهم وأثاثهم وديارهم وأموالهم وبركهم ويرقهم، ثم صارت أبدانهم للهوام ".
" أما طومان باي سلطانهم، فما عرفنا هل هو مات أم بالحياة؛ وأطاعتنا بعون الله تعالى جميع العربان، والمشائخ والأكابر بمصر وأعمالها، والحمد لله الذي هدانا لهذا، والمسؤول من الله سبحانه أن يكون عدونا دائمًا مقهورًا، وعسكرنا منصورًا، والداعي بدوام دولتنا مسرورًا، إلى يوم النشور، آمين يا معين ".
[ ٣٥٢ ]
" وبعد هذه الفتوحات العظمى، أردنا أن نعلم جميع رعايانا، سكان ممالكنا الشريفة، بذلك، ليأخذوا حظوظهم من هذه البشرى، ويبتهلوا إلى الله تعالى بالأدعية الصالحة بدوام دولتنا الشريفة، ويدقوا البشائر ويعلنوا التهاني، ويرموا بالبارود في القلعة المنصورة، ويعلموا بذلك أطراف البلاد ومقدميها، ليكونوا مسرورين بهذه البشرى، وكتب في أوائل المحرم، بمنزلة جزيرة بولاق، انتهى ".
وأعظم من هذا المرسوم، المرسوم الذي جهزه ملك الروم المذكور من مدينة تبريز، بعد أن كسر سلطانها الخارجي إسماعيل الصوفي وملكها، وهو:
" الحمد لله الذي أذل أعداءنا، وأجل أولياءنا، وأظفر بنيل المأرب رجاءنا، وجعل أيامنا بالأيامن مسفرة، ولياليها بغرر الميامن مقمرة، ومساعينا بالمحامد مثمرة، ومعاهد معادينا بقهر النقم مقفرة ".
" نحمده حمدًا كثيرًا على أن من علي بالفتح الأكبر والنجح الأزهر، والنصر الأشهر، واليمن الأنصر، والعز الأشهق الأسنى، والفوز الأتم الأنمى، والسعد الأحمد الأجدى، وهو الفتح الذي يفرح برؤياه مهاب الفتوح، وتلوح تباشير بشراه في لوح الدهر لكان مؤمن، فيتلقاها، بالوجه السافر والصدر المشروح ".
" ونصلي تصلية دائمة على ناسخ كل ملة، وفاسخ كل نحلة، المبعوث بعد امتداد من الفترة، واشتداد من الهترة، وانقطاع من الهداية والدلالة، واتساع من الغواية والضلالة، محمد المجتبى من أفخر القبائل، والمصطفى من أطهر الفضائل، وعلى آله وأصحابه الذين هم ولاة الخلق، ورتقة الفتق، وغرر السبق، وفتحة الغرب والشرق، منهم من رد ردة المرتدين من إسلامها، ومنهم من أزال أرجل الأكاسرة عن أسرتها، وتيجانها عن هامها، ومنهم الأشداء على الكفار، الأسداء إذا زاغت الأبصار، ومنهم الساجدون، والراكعون، ومنهم السابقون والتابعون؛ وسلم تسليمًا دائمًا ما هبت الصبا؛ واختلف الصبح والمسا ".
" وبعد، فإنا أرصدنا هذه المفاوضة الشريفة إلى الحضرة العلية للأعلمية والأهملية، والأورعية الأروعية، الأكملية الأفضلية، الأعدلية الأكرمية، والأفخمية الأعظمية، العونية الغوثية الغياثية، وهو الذي جمع المحاسن كلها، واستولى على المفاخر قلها وجلها، وألقت إليه المعالي مقاليدها، وأرجعت إليه أخبار المكارم أسانيدها، حامي الحرمين المكرمين، المبجلين المعظمين، كهف المظلومين، ملاذ الملهوفين، نصير الإسلام والمسلمين ظهير أمير المؤمنين ".
[ ٣٥٣ ]
" أعز الله أنصاره؛ وضاعف اقتداره، وأيد دولته، وأجزل من الخيرات همته، ولا أخلى من نعمه رياضها ممرعة؛ وحياضها مترعة، وحدها.
، ها متمهد، وظلها ظليل، وحظها جزيل، ولا زالت الآمال به منوطة، ويده بالمكارم مبسوطة، وما برح لقوام المجد قوامًا، وللزمان ابتسامًا، ما قرت الأرض قرارها، وأبقت الأفلاك مدارها، تهدى إليه سلامًا، تشحن كتائب لطفه حواشي الحشا، ونواحي الصدور، وتسكر جموع الأسى وتكثر طلائع السرور، وتبدي لعلمه الكريم أن الرجل الجافي المدعو بإسماعيل الصوفي قد خرج من جيلان، واجتمع على الملاحدة وأحزاب الشيطان، فسار معهم إلى سروان، ودخله غضبًا، وأوسعه نهبًا ثم هجم أذربيجان عنوة، فنال منها حظوة ".
" ثم استولى على ممالك الشرق يومًا فيومًا، قد ناب من استلامهم خطة خراسان، التي هي سرة بلاد إيران ما تاب، وأصاب ديار البوارات ما أصاب، نزع الله الرأفة من قلوبهم، فنقلها إلى عدو لهم، وعذب بهم ما يريده من تعذيبهم، واشتعلت نار جملتهم في فحم ذنوبهم، وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون، وأمدهم في طغيانهم يعمهون، رفعوا التكليفات، وحفظوا الشرعيات، وقد تعين الجهاد على كل مسلم، ولم يكن أحد يكون له هذا الحلم غير متألم، فيتصدى لدفعهم ملوك الإسلام، فأنقموا منهم وما بلغوا المرام ".
" من حارب هذا العدو الكافر، ما غُلب بل غَلب، ومن صادف ذاك الغوي الفاجر، ما سُلب بل سَلب، فعجز الناس وتبرأوا من اعتداد العدة والغدر جرى على كل لسان لكل قوم مدة، فأظلمت الآفاق من غياباتهم، وأشفق الإسلام من نكاياتهم، فنادى بلسان الحال كل قوم: أين المؤدون فرض الجهاد المتعين، وأين المهتدون في تهييج الرشاد المتبين ".
" فلما اقتربت الساعة التي قدر فيها رغم أنفه، وحان ظهور الآية التي جعلت سببًا لهلاكه وحتفه، ألهمنا الله أن نهتم لهذا الأمر الخطير، فإنه من أفرض الهام وأهم الفروض، واختال في صدورنا أن ننفرد في حمل عبء هذا القادم الباهظ بالنهوض، فقلنا إن هذه فضيلة خصنا الله بها، وأسعدنا بسببها، بل هي بلية، جلا علينا وجميع الجهات جموع الجهاد، واجتمع جم غفير ".
" فعبئت العساكر الإسلامية للتوجه إلى بلاد الشرق في زمن الربيع النضير، فعبرنا بعد الاستخارة لله تعالى في شهر صفر، ختم بالخير والظفر، من خليج قسطنطينية، حماها الله عن
[ ٣٥٤ ]
البلية، وكتبنا إليه كتابًا مستطابًا، متضمنًا للنصيحة والموعظة، فأمرنا فيه أن يتوب من جرائمه وجرائره، ويستعفر لصغائره وكبائره، وبغير ما تعود في الأيام الماضية، والأعوام الخالية، من سوء الاعتقاد، وتعذيب العباد، والفعل اللئيم، والخلق الذميم، فقلنا: " لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذابٌ أليم " وأوضحنا المعالي المنيفة باللفظ الوجيز، فما وفق لذلك، والتوفيق عزيز ".
" فسرت مستعينًا بالله إلى دياره وبلاده، مصمم العزيمة على قتاله وجلاده، فمادت الأرض بحركتنا، وغامت السماء من غبرتنا، واضطربت السهول والوعوث والدغوث، وانبعثت الهمم وهجم البعوث، والعسكر في كل يوم يعدون ويغتدون، وفيما يجدون الطريق إليه من النكاية في العدو يمدون ويجيدون ".
" فلما بلغ السير إلى بلدة سيواس، صانها الله من الاندراس، عرضنا عساكرنا المنصورة، وكان عرضها مذكرًا ليوم العرض، ومن شاهدها تلا: " ولله جنود السموات والأرض "، فرأينا أن الأرض شاكية من إجحاف الجحافل، فانتخبنا منها الأنجاد، وجددنا الجدود، واستجدنا الجياد، وأعدنا ما وراء البحر بقية الأجناد ".
" ثم ارتحلنا منها في جنود محسورة وبنود منشورة، للعدو طالبا، وبالعزم غالبًا، وللنصر صاحبا، ولذيل العز ساحبا، فنزلنا على بلدة أزرنجان فطار الخبر إليه، فطار قلوب من معه رعبًا وطاشت، وخضعت أفئدتهم خوفًا من جيش الإسلام وجاشت ".
" وأرسلنا إليه منها كتابًا آخر، داعيًا للطعن والضرب، مستدعيًا منه المقارعة والحرب، ومن موضع آخر كتابًا رصيف المباني، مؤكدًا للأول والثاني، وأردفنا رسولًا برسول، وألزمناه القتال بمعقول ومنقول " واضرب لهم مثلًا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون ".
" فسرنا منها نحو سرير ملكه شهرًا، وبدلنا ثياب العهود سرها جهرًا، وخطبنا من الله الكريم بكر فتح، وجعلنا بذل المهج لها مهرًا، وصار العدو المخذول في هذه الأيام يطوف حول القرى من قرية إلى أخرى، بحيث لا يعرف شأنه ولا يعلم مكانه ".
" فإذا بلغنا المنازل القريبة من بلدة تبريز، دعته الضلالة إلى المكابرة بحسه، وخطاره بنفسه، عين لجنوده، وثبت وفوده، وبل ندى جموعه، وصب عليهم ماء دروعه، فسار بكثره وقله، وجزئه وكله، وجاء والإدبار قائده، والخذلان رائده، موضعًا يسمى بخالدران؛ فاختاره
[ ٣٥٥ ]
لأن يكون معارك القتال، ومصارع الرجال، ومجامع الأبطال، ومطالع اللقاء، ومواضع الهيجاء، ومصالت الإقدام، ومثابت الأقدام، ومواقف الصفوف، ومصاف الوقوف، وأماكن البعوث، ومكامن الليوث، وقادها هنا تطرح الرؤوس، وتمسك النفوس، وتسفك الدماء، وتهلك الدهماء، ويسمح بالروح، ويصبر على اقتراح القروح، واجتراع الجروح ".
" وإذ قرع مسامعنا هذا الخبر، بذلنا الجهد على مقابلتهم ومعاينتهم، فطوينا المراحل وقطعنا المنازل ذلك اليوم، فمرقنا وقت العصر على جبل منيع نرى منه خيامهم، وخلفهم وقدامهم، فضربت سرادقاتنا، وركزت أعلامنا، فحجز الليل بين الفريقين، وحجرت الخيل على الطريقين ".
" وكان الجمعان في تلك الليلة الظلماء على تعبئتهما، وإجابة داعي الموت بتلبيتهما، وبات الإسلام للكفر مقابلًا، والرشد للرفض مقاتلًا والهدى للضلالة مراقبًا، والحق للباطل مجاريا، وهيأت دركات النيران، وهنأت درجات الجنان، وانتظر مالك، واستبشر رضوان ".
" فلما تجلى الصبح وعموده، وانهزم الليل وجنوده، وانتكست أعلامه وبنوده، نفر النفير غراب الغبار، وانتبهت في الجفون الصوارم وسقط النار، وكان اليوم يوم الأربعاء، وهو اليوم الثاني من شهر رجب المرجب ".
" وماجت خضارمنا، وهاجت ضراغمنا، وثارت غمائمها، سدت الأفق غمائمها، وترتبت أطلابنا على قلب وجناح، داعين للفوز والنجاح، وعين لكل أمير موقف لا يبرح عنه، ولا يغيب جمعه، ولا أحد عنه، فاتحدنا عليهم بهيئة مهيبة، وأبهة عجيبة، والتوفيق مسامرنا، والتأييد مؤازرنا، والتمكين مقارننا، والجد مكاثرنا، واليمين محاضرنا، والقدر مسامرنا، والظفر مجاورنا، والإسلام شاكرنا، والله ﷿ ناصرنا ".
" وقابلنا العدو والخدور في عدتهم وعديدهم، وقوتهم وحديدهم، بالسلاهب المجنبة، والقواضب المقربة، والصوائب المجعبة، عارضا لهامة ناير الغنامة، باشر الأعلامة، فسار عسكره، وثار عنتره، ونعرت كوساته، وصاحت بوقاته، وكانوا في زهاء ألف ألف أو يزيدون، ويكيدون وما يكيدون ".
[ ٣٥٦ ]
" فلما أحس في نفسه عدم الاستطاعة من ضرب حسامنا، وسطوة عبيدنا وخدامنا، جعل جموعه فرقتين، وصفوفه شرذمتين، فعين لأحدهما قسم رأسه، وشكيمة بأسه، أميرًا هو الحاكم للديار البكرية، المعروف بمحمد استراحالي، فأرسله على ميمنتنا البادة، وهجم بنفسه وجيشه ومطاعينه وشياطينه على ميسرتنا السادة، فتصادم الصفوف، وتزاحم الرجوف، وأطلقت الأعنة، وأشرعت الأسنة، وقامت الحروب بين أهل الحق، وبين الطائفة الجافية الفاجرة، وقد كانت لهم آيةٌ في: " فئتين التقتا فئةٌ تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة ".
" واشتد الهياج، وامتد العجاج، وتصافح الصفاح، وتشاجر الرماح، وتكاثر الجراح، واشتعل الضرام، وتطايرت السهام، تضايق المجال، وتسابقت الآجال، والتفت الساق بالساق، وتلاعبت الأسياف بالأكتاف، وخضبت الدماء الخناجر، وبلغت القلوب الحناجر ".
" وأما الطائفة التي أتت على الميمنة فقام أمير الميمنة في صدورهم، وأشرع الأسنة في نحورهم، وروى اللهازم من تامورهم، ودفع صولتهم، ومنع سطوتهم، وكسر حدتهم، فهزمهم بإذن الله، ولم يبق أحد من شريفهم وخسيسهم، حتى حز رأس رئيسهم ".
" وأما حال الميسرة فجاء عليه العدو المدبر برمته وكليته، وبذل جهده، واستفرغ ما في وسعه وقدرته، فحمل عليهم حمل الليث الحاذر، وسطا عليهم سطوة الأسد الزائر، لكن السيل إذا بلغ الجب الراسي وقف، والليل إذا انتهى إلى الصبح انكشف ".
" وتناوبت الحملات، وتناوبت الأسلات، والصفوف ما خرجت عن مقارها، ولا انزعجت عن محل قرارها، وواصل النبال الوصال، والنصال النبال، فثبت في وجوههم منا صف مرصوص البنيان، وأسرعوا إلى نحو تلك الذئاب ثعالب الحرصان، وقتل جم غفير من الغاوي، فملأت منهم دركات النيران، واستشهد منا جماعة استحلوا طعام الطعان، وساقهم خبا الجنان ".
" وكان أمير الميسرة مقروحًا بقروح عديدة، ومجروحًا بجروح مبيدة، فخرج عن مواضع الهيجا، واندرج بعد ساعة في زمرة الشهدا، والصالحين والسعدا، فما أثر في أحزابنا هذا النصب، ولا صدهم عن الطلب ذلك التعب ".
" فبرز الأمر العالي أن يمدهم جماعة من العلوجيين، وحزب من الغرباء وثلة من
[ ٣٥٧ ]
الآجلين، فلما نالهم المدد تسنت للإسلام مناهج، ووضحت للسعادة مباهج، وتألفت في الإقدام مقدمات ونتائج المناهج، والتأمت في مد الرحال مدارج، واتفقت حسنات، وحسنت اتفاقات، وكانت لنا كسرات، ولأعدائنا مساءات ".
" وساعدت الأقدار وتباعدت الأكدار، كلما حلوا ردوا وأرادوا، وكلما ساروا وشدوا أسروا وشدوا وناسبهم النشاب، فعادت أسودهم قنافذ، وسابقتهم السهام، فوسعت فيهم الخرق النافذ، واستعملت الكفيات، الصريزايات فمطرت عليهم البنادق والحجارات، " كصيبٍ من السماء فيه ظلماتٌ، ورعدٌ وبرقٌ يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت ".
" فصار حسب حالهم " ما ينظرون، إلا صيحةً واحدةً تأخذهم وهم يخصمون، فلا يستطيعون توصيةً ولا إلى أهلهم يرجعون " وحل بهم الصغار، والذلة والدمار، فأووا إلى جبلٍ ليعصمهم من طوفان الدمار ".
" فمن الله علينا بالفتح الجميل، وأيدنا من عنده بالنصر الجليل، فزلت أقدامهم، وولت أعلامهم، وانحل عقدهم، وانفك حدهم، وانتكس تدبيرهم، وانعكس تقديرهم، فما بقي من تلك الآلاف آحاد، وما نجا من هذه الأعداد أعداد، فعاد مجروحًا بجراحات مؤلمة في عدد يسير، عاجزين حائرين خائبين خاسرين ".
" وبعد ما رجعوا على هذه الحالة التي زيدت،، والصفة التي ذكرت، لم تثبت في بقعة أقدامهم، ولم تخفق لوقفة أعلامهم، بل رأوا النجاة من أيدي الرزايا، والخلاص من حبائل المنايا، والخروج عن الولايا، فخرجوا عنها هاربين، وللنجاة طالبين، وقطعوا المنازل، وطووا المراحل، وتركوا الدواب والرحال، وطرحوا الأحمال والأثقال، وعدوا فراسخ الفرار، وإن امتدت خطوة، وأيام الهرب، وإن طالت لمحة، وهذه حالهم، وشرٌ منا ما لهم، لا يحميه جار، ولا تأويه دار، وكل ذلك عاقبة الظالمين، والحمد لله رب العالمين ".
فأما من أسر فلم يكف أطناب الخيام لقيده وشده، وأما من قتل فلقد حصرت الألسن عن حصره وعده، فلم تقع عين إلا على أشلاء طريحه، وأعضاء جريحه، وأصابع مقصومة وأشاجع مفصومة وصدور مدصوصة، ونحور مبصوصة، وأجساد منصفة، وأعضاد منصفة، وصارت تلك المعركة بالدماء دارا، وعادت الغبراء حمراء، وجرت أنهار الدم النهر، وسقى بتلك الخبائث وجه الدين المطهر.
[ ٣٥٨ ]
فقعدنا في ذلك المنزل يومًا آحدا ثم أصبحنا على عقبة سائرين محبورين، والوجوه سافرة، والألسن بأنعم الله شاكرة، والأنفس للألسنة مسامرة، والأقدام بالأقدار متظافرة متظاهرة، فحللنا بالطائر الأسعد، والمجد الأمجد، ببلدة تبريز.
وانحسمت الظلمة المستولية بمقدمنا العزيز، فطابت قلوب الرعايا، وبشرت من الله بما ظهر من ألطافه الخفايا، لما بدلوا من الظلمات نورا، وأعقبوا من الموت نشورا، فوجدناها بلدة أخربت فيها بقاع الخيرات ومساكن العباد، وعطلت المساجد، فجعل هذا الظالم بعضها اصطبلًا للدواب، بوعضها مسكنًا للشراد والحداد، فأمرنا أن تعود كلها إلى وضعها القديم ويذكر فيها اسم الله الرحمن الرحيم.
فلما دخل يوم الجمعة أصبح الناس يقولون هذا يوم كريم موسم عظيم، يوم تجاب فيه الدعوات، وتصب البركات، فطوبى لمن عاش حتى حضر هذا اليوم، الذي انتعش فيه الإسلام وارتأس، من أفضل هذه فأشرف من هذا الجماعة، التي شرفها الله تعالى لتوفيق هذه الطاعة، امتلأ الجامع، واختلفت المجامع، وتوحشت الأبصار والمسامع، وغصت بالسابقين إليه المواضع، واجتمع الزاهد والعابد، وتوافد الراكع والساجد، والخاشع والواجد، والقائم، والقاعد، وعبد الأحد والواحد، وأبكى الحفاظ، فتلى التنزيل، وأسلى الوعاظ بحق الحق، وبطلت الأباطيل.
وصعد الخطيب المنبر فخطب وأنصتوا، ونطق فسكتوا، ووعظ في خطبته، وخطب بموعظته، وتلاها على مذهب أهل السنة وجماعتهم، وذكر الخلفاء الراشدين، والأئمة المجيدين، رضوان الله عليهم أجمعين، بالتعظيم والتبجيل على ترتيب خلافتهم، بعد أن لم يذكروا بالخير أمدًا مديدًا، وعهدًا بعيدًا، ورقت القلوب، وجفت الكروب، وتصاعدت الزفرات وتجددت العبرات، وصاح التوابون، وماج الأوابون.
فلما دعا بخلود أيام دولتنا، وإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ختم بقوله: " إن الله يأمر بالعدل والإحسان "، ونزل وصلى بالمحراب، وافتتح باسم الله من أول الكتاب، فصلينا معه والصفوف على سعة المسجد بها متصلة، والأمة إلى الله تعالى بدوام نصرتنا مبتهلة؛ ولما قضيت الصلاة انتشرالناس، واستمد الإيناس، وطابت النفوس والأنفاس.
[ ٣٥٩ ]
فنشكر الله شكرًا كبيرًا على أن جعل أيامنا للفتوح مواسم، وأوقاتنا للزمان مباسم، ومآثرها في ضحو المعالي خالدة، ومناقبنا على ممر الليالي أيدة، ونرجو من لطفه الخفي أن يجعل سعينا مشكورًا، ويجزينا في الآخرة جزاء موفورًا.
ولا خفاء في أن هذا الفتح الجليل العظيم، والصنيع الجليل الكريم، وفقنا الله به، أمر بتبييض الأيام السود، وأعاد الحسن المعقود، وأقر الخير في قراره، وأسقط لواء الشر بعد انتصابه، وأضحك وجه الإسلام، وبرد صدور الأنام.
فأصبح ولو كان الفتوح جسمًا لحل منه محل الفؤاد، ولو كانت أرضًا لكان سماؤها ذات العماد، وهو جدير بأن تواردت نسبة البشرى واليسرى، وتدامت الكتب والأخبار على الأكارم والأقانيم، وسلاطين الأقاليم، سيما على حضرة من كان مقامنا الشريف، وثغره المنيف، وشرف الجوار، وتفاوت الدار، وكمال المودة التي تصفوا مشاربها عن الأقذار ومناهلها عن الأكدار، وتكتب آثارها بسواد الليل على بياض النهار.
فلهذا أسطرت في اليوم الثالث والعشرين من شهر رجب المرجب، لسنة عشرين وتسعمائة، من بلدة تبريز، هذه المكاتبة الشريفة، مبشرة بما أجده الله من الجد، وأنجز من الوعد، وأجزل من الوفد، وحلى وجه المؤمنين ببشراه بشرى، وملأ صدور الموحدين منا، وقلوب الملحدين ذعرًا.
واختير لتبليغ هذه البشارة العظمى، على سبيل السرعة والاستعجال، إلى مقامكم العالي المفضال، الأميري الكبيري الأوحدي الأمجدي، الأخص المقربي، المؤتمني خير الدين، حضر رزقت سلامته، وحملناه من السلام، ما هو ألطف من الغمام، والله تعالى يديم لكم من عاداته أجملها، ونعمه أجزلها، ومنحة أكملها، ما بث الليل دجاه، ونشر الصبح سناه، وحسبنا الله ونعم الوكيل. انتهى من نسخة سقيمة.
وفي يوم الاثنين تاسعه فوض قاضي الأروام قضاء الحنابلة، إلى أخينا شهاب الدين بن البغدادي. وفي يوم الخميس ثاني عشره فوض أيضًا قضاء الصالحية، إلى صاحبنا كمال الدين الغزي، بعد أن ندبت إليه مرات، على يد القاضي شمس الدين الخيوطي.
وفي يوم السبت رابع عشره رفعت الزينة من دمشق، بعد أن حصل فيها مشقات لأجل الأسواق، مع كثرة ظهور المعاصي، ولكن بحمد الله هبط سعر القمح، وفي يوم الأربعاء ثامن عشره، في ثالث ساعة منه، نقلت الشمس إلى برج الحمل. وفي يوم الجمعة عشريه
[ ٣٦٠ ]
نودي بدمشق بأن أحدًا لا يخرج من بيته من بعد المغرب، وصعب ذلك على الناس وتريبوا.
وفي يوم السبت حادي عشريه نودي بدمشق عن النائب، بأن أهل الحارات يحضرون ولا يتأخر أحد، فحضروا، ودركهم أمر زعرهم، وكتب أسماءهم الرجل الأزعر ومن تدركه. وفي يوم الخميس سادس عشريه فوض قاض الأروام قضاء ميدان الحصى، إلى صاحبنا الزيني بركات ابن قاضي زرع.
وفي يوم الثلاثاء ثاني ربيع الأول منها، وقع القاضي شمس الدين بن البهنسي بشمس الدين البقاعي، وكشف رأسه بمجلس عام، قابله الله تعالى بذلك، ولم يسهل على أكابر دمشق، لأمن البقاعي المذكور رجل معتبر من وجوه عديدة، أحدها دينه، وثانيها محبته للصلحاء، وثالثها كرمه لهم، ورابعها شيخوخته، وخامسها كونه صهر شيخ البلد السيد كمال الدين بن حمزة.
وفيه كان آخر الوقعات بين ملك الروم والجراكسة، وبها ملك مصر. وفي يوم الاثنين ثامنه ورد إلى دمشق أروام كثيرة، قيل إنهم نائب آمد وجماعته، ونائب الرها وجماعته، ومعهم هدايا لقاضي البلد الرومي، طردهم الخارجي إسماعيل الصوفي.
وفي يوم الثلاثاء تاسعه، وهو سلخ آذار، أوقف أخونا المحب جار الله بن فهد المكي، لشيخنا المحيوي النعيمي، على ما هم به من جمع ترجمة لسلطان الروم الملك المظفر سليم خان بن عثمان في منزله، ليمده بما يستعين به على ذلك، فقال له: قد أطريته في مواضع كثيرة، ولا قوة إلا بالله.
وقد وقفت على مؤلف لملا إدريس الرومي الحنفي، الذي نزل بالمدرسة الظاهرية الجوانية، لما كان الملك المذكور بدمشق، بعد اجتماعي به مرات لصحبة بينه وبين عمي، الكائن حينئذ بمكة المشرفة، وتردده إلى عندي بدرسي بالجامع الأموي، في سلطان الروم المشار إليه وسماه بفتح الممالك الإسلامية، وأشار في حروف هذه التسمية إلى سنة فتحها، وهي سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة بحساب الجمل، وختمه بأبيات، آخر مصراع منها التزم فيه ذلك أيضًا.
وفي يوم الأربعاء عاشره نودي بدمشق، أن بعد خمسة أيام الفلوس بطالة، وأنه ضرب
[ ٣٦١ ]
فلوس جدد، وفي يوم الجمعة ثاني عشره طلع القاضي الرومي للناس بفلوس، كل واحد بثمن، والاثنان بربع، وهكذا، وأبطل الفلوس العتق بعد يومين، بمناداة أشهرها ثانيا.
وفي يوم الأحد رابع عشره نودي بدمشق، بأن بيوت الأمراء لا يخرب أحد منها شيئًا. وفي يوم الخميس ثامن عشره، كان خميس البيض. وفيه نودي أن لا يطلع أحد إلى المرشدية، بالقابون التحتاني، وفي يوم الجمعة تاسع عشره وردت مطالعة من المقدم ناصر الدين بن الحنش، أنه مر عليه من بيروت ثلاثة عشر مركبًا للعثمانية متوجهة إليهم إلى القاهرة.
وفي يوم الثلاثاء سلخه نودي بدمشق من جهة الدفتردار، نوح الرومي، بأن لا يخرج أحد من بيته إلا بلبس سراويل عليه، ومن خرج بعد ثلاثة أيام بلا سروال، خصي، فاهتم الناس لذلك، ثم قيل لقاضي الأروام ذلك، فغوش على الدفتردار المذكور وخير الناس في لبس اللباس وعدمه.
وفي يوم الجمعة ربيع الآخر منها، عقب صلاتها بالأموي، صلي غائبة على الشيخ شهاب الدين بن شعبان الغزي، توفي بها، وهو آخر الذي عمل الذنوب العظيمة عند رأس سيدي نور الدين الشهيد، نور الله، ضريح محيي الدين الغزي.
وفي يوم الأربعاء ثامنه وردت أخبار مع عدة أناس، وصحبتهم مبشر الأروام، بأن ابن عثمان ملك الروم مسك له سلطان مصر طومان باي من البحيرة وجهز إليه.
وفي يوم الخميس تاسعه، وهو آخر نيسان، نودي بدمشق بالأمان والاطمان، وأن الملك المظفر سليم خان قد ملك، وأنه أفنى الجراكسة، وأنكم تزينون دمشق سبعة أيام فزينوا، ثم تحرر أن الملك المظفر المذكور أرسل إلى سلطان مصر ومان باي بالأمان، مع قضاة مصر الأربعة مشائخنا، وأمير من عنده، فحال وصولهم إليه قتل القاضي الحنفي ابن الشحنة وأخاه، وفر الباقون.
فبلغ الملك المظفر المذكور، فرحل إليه والتقيا بالقرب من دمنهور، في اليوم الثاني من
[ ٣٦٢ ]
ربيع الأول من هذه السنة، فكانت الكسرة على سلطان مصر، وفر هاربًا، فمسكه أمير العرب الجبولي وأتى به إلى الملك المظفر المذكور، فرجع به إلى القاهرة، وشنقه على باب زويلة، وقت الظهر بوم الاثنين حادي عشر ربيع هذا، ويقال إنه انقطع به الحبل عندما شنق، وعيطت الخلق، فجدد حبل غيره وأعيد.
وثم جاء الملك المظفر المذكور إلى جامع الأزهر، وقرأ مولدًا، وفرق دراهم كثيرة؛ وسمعنا يومئذ بأن ابن السلطان قانصوه الغوري، خلع عليه الملك المظفر المذكور، وأكرمه وأسكنه بتربة والده، وأن منزله الحسن سكنته الأروام، وبأنه لم يحترق من مصر إلا الشيخونية فقط، وقد كنا سمعنا أنه احترق منها ثلاث حارات: بين القصرين، والتبانة، وباب الرظومة.
وأنه توفي شيخنا العلامة البرهان بن أبي شريف الشافعي، والبرهان الطرابلسي الحنفي، والبرهان بن الكركي الحنفي الأشقر، والعالم شهاب الدين القسطلاني، والشيخ عبد الرحمن المقرىء الصالحي.
وفي يوم الأربعاء خامس عشره عاد الأمير على باك بن سوار إلى دمشق من مصر، متوجهًا إلى بلده مرعش، وتلقاه النائب فمن دونه، ودخل من طريق المزة، ونزل بالمرجة عند الميدان، وصحبته صبيان ونساء وجوار مسبيات في أسره، فتألم وبعضهم تسحب منه، فقعد ثلاثة أيام وارتحل.
وفي يوم الجمعة رابع عشريه صلي بالجامع الأموي، بعد صلاتها، غائبة على المشائخ الخمسة المتقدم ذكرهم قريبًا.
وفي هذا اليوم رأيت شخصًا لابسًا خلعة، فسألت: من هذا؟ فقيل لي: هذا داود
[ ٣٦٣ ]
ابن سليمان، أحد أمراء التركمان، مسك نائب غزة دولتباي المتسحب من الملك المظفر سليم خان، وهو متوجه إلى الخارجي إسماعيل الصوفي، بالقرب من أرض حمص، ومعه جماعة، ووجد معه ثمانين ألف دينار، وجاء إلى دمشق يبشر الدفتردار نوح، والقاضي الرومي زين العابدين، والنائب ابن يخشى، فخلعوا عليه.
وفيه نادوا بعمارة الربوة، وأن من قدر على عمارة ملكه فليعمره، وإلا فليأت يأخذ ثمنه ليعمر باسم الخنكار، وكان لها مدة خرابًا، ثم لم يتم ذلك.
وفي ليلة الأحد ثالث جمادى الأولى منها، وقع لإحدى زوجتي شهاب الدين بن المؤيد قضية بشعة، بمنزله بالقاعة، قبلي الصابونية.
وفي يوم الاثنين حادي عشره نودي بدمشق على المشمش الحموي، كل رطل بدرهم، وما دونه بثلاثة أرباع؛ وهذا اليوم هو أول حزيران، ثم نودي فيه على الخبز كل رطل بدرهم ونصف، وكل قنطار طحين ومل بمائة وثلاثين، وكماجة بمائتين إلا اثني عشر درهمًا، ولم يرض الطحانون والخبازون بذلك.
وفيه خوزق شخص من منين، غربي المارستان القيمري بالصالحية، ولم يعهد قبل ذلك أنه خوزقه فيها أحد، خوزقة الصوباشي بنفسه، وقصد بذلك ردع زعر الصالحية، ثم وجه لكل حارة من حارات دمشق خازوقا ليفعل فيها ذلك، وسبب تخوزق هذا الشخص أنه ظهر أنه حرامي.
وفي غروب هذا اليوم طلع المهمندار إلى الصالحية، ورجع معه حاجب دمشق الكبير صنطباي إلى منزله، الذي النائب شهاب الدين بن يخشى ساكنه الآن، أتى بالأمان من عند المقدم ناصر الدين بن الحنش، فأمر النائب المذكور بسجنه بالقلعة، حتى يشاور عليه الخنكار، وأتى صحبته إلى دمشق أيضًا عريف الشاغور كان، ابن الزهر، فأراد أهل الشاغور قتله، ثم قبضوه وأتوا به إلى القاضي الرومي، فبعثه ومن معه إلى النائب فحبسه.
وفي يوم الثلاثاء ثاني عشره خوزق كبير الحرامية زغيب، على باب المزابل، خارج باب الفراديس. وفي هذه الأيام كثر تحريض القاضي الرومي والدفتردار والنائب، على ضبط البلدان حول دمشق: والتفتيش على أصولها.
وفي يوم السبت سلخه أخبرني جمال الدين بن المبيض القدسي الواعظ، أن بمحلة
[ ٣٦٤ ]
القبيبات ولد قطٌ ذكر من دبره ثلاثة أولاد على شبهه وقط، في بيت أحمد بن أبي مهدي الدلال في الأطلس، بسوق الدراع، وأن شاهد ذلك نحو الخميس إنسانًا، واستمروا ساعة في الحياة، ثم ماتوا، وهذا من العجائب.
وفي يوم الاثنين تاسع جمادى الآخرة منها، نودي بدمشق، بأمر النائب والقاضي الرومي، بأن يجتمع القضاة والعلماء والصلحاء غدا، بكرة الثلاثاء، تحت قبة نسر الجامع الأموي، فظن العوام سوءًا في سبب الاجتماع، ففي البكرة المذكورة حضر القضاة الثمانية المنفصلون والمتجددون وغيرهم إلى الجامع المذكور، وجلسوا تجاه محراب الحنفية، خلا هؤلاء القضاة، فجلسوا تجاه المقصورة، وفرقت ربعة الجامع عليهم، فقرأوا فيها ساعة، ثم تفرقوا، ولم يحضر زين العابدين القاضي الرومي، ولا شهاب الدين بن يخشى النائب، بل ولا أحد من الأروام.
وأما الذين جلسوا تجاه محارب الحنفية، فصعد على الكرسي هناك الشيخ بركات بن الكيال الواعظ، وعمل مجلس وعظ فيما يتعلق بالعدد، استطرادًا علىالكلام على قوله تعالى: " وإذا سألك عبادي عني فإني قريبٌ ".
ثم أخبر ثلاثة أنفس وهم: الطحينة المؤقت، ومحمد الطواقي، ومحمد المدني، أنهم رأوا النبي ﷺ في المنام، وأمرهم أن يذهبوا إلى بركات المذكور، ويأمروه بجمع الناس وأن يقرأوا ويدعوا للسلطان المظفر سليم خان بن عثمان، ثم يتوجهوا بعد ذلك إلى عند الشيخ محمد بن عراق بالصالحية، ويقرأوا أيضًا ويدعوا للسلطان المذكور.
فتوجه بركات المذكور إلى الصالحية، فلم يجد ابن عراق فيها، فأرسل إليه إلى قرية برزة، وكان قد قطن بها قريبًا، فلم يأت: وغلب على رأي العقلاء أن هذه الرؤيا مصطنعة من ابن الكيال، وأنه بذل للرائين دراهم في مقابلة ذلك.
وفي يوم الجمعة ثالث عشره، وهو ثالث تموز، عقب صلاتها بالجامع الأموي، صلي غائبة على محدث مكة ومؤرخها الأصيل، عز الدين عبد العزيز بن فهد، والد أخينا المحب أبي الفضل محمد المدعو جار الله، الذي سافر من دمشق يوم السبت سابعه، لما سمع بوفاة
[ ٣٦٥ ]
والده. وفي هذه الأيام كثر المسافرون من مصر إلى دمشق، ومنها إلى القدس.
وفي يوم السبت ثامن عشريه توفي الأمير فارس المهمندار كان، ثم الترجمان عند النائب يومئذٍ، وكان لا بأس به. وفي يوم الأحد تاسع عشريه توفي نجم الدين عبد الرحمن بن الكمال البقاعي، فجأة، عن أبويه، وأخته توأم، وبنت صغيرة، وكان لا بأس فيه.
وفي يوم الاثنين مستهل رجب منها. رجع إلى دمشق من مصر نساء كثيرة من نساء أكابر الجراكسة، منهن زوجة سيباي نائب الشام كان، وبنتها بعد أن دخل عليها ابن السلطان قانصوه الغوري بمصر، ونزلن ببيت أمير يخشباي داخل باب الجابية؛ ومنهن سراري نائب حلب خير بك، ونزلت ببيت الخواجا ابن النيربي؛ ومنهن سورباي زوجة الغزالي نائب حماة كان وبقية نسائه، وأتين على المزة، ونزلن بالميدان الأخضر.
وفي يوم الثلاثاء ثانيه أطلع قاضي الأروام على مستند كرم لبعض الفلاحين، بأرض حبة عسال، ظهر له منه بعض الزور، ثم ابن الخيوطي حقق عنده ذلك، وكان الأصل بخط البدري حسين الأسطواني، وفيه من الشهود الحجيج المؤقت بالجامع الأموي، والجمال عبد الله بن الياسوفي، والشهاب أحمد الذنابي قاضي الناحية، الشهير بأبي أنف، والشمس محمد البعنوي، فجاء بهم وكتفهم بحبل، خلا حسين فشده، ثم ضربهم ضربًا مبرحًا، كل واحد منهم نحو المائة سوط، وأكثر على الحجيج، وبه ابتدئ؛ ثم كتفوا وسحبوا مشورين، فنادى عليهم من بيته إلى حبس باب البريد، فباتوا فيه تلك الليلة؛ وفي صبيحتها شفع فيهم الشيخ عبد النبي، فأطلقهم وفارق القاضي الرومي بين الحجيج وزوجته، بمقتضى أنه كان حلفه بالطلاق الثلاث قبل ذلك، أنه لا يشهد بدمشق في حجة.
وفي يوم الثلاثاء تاسعه قدم من مصر إلى دمشق الشيخ تقي الدين باكير الحلبي ثم الرومي، وقد تولى نظر الجامع الأموي؛ ونزل عند القاضي رضي الدين العزي من مدة، وأرسل إلى شمس الدين بن الشيخ حسن الصالحي، أن يكون نائبًا عنه إلى أن يحضر.
وفي يوم الاثنين خامس عشره توفي الشاب السيد محمو د بن السيد الموقع قرب باب توما، وكان من الكرم على جانب عظيم، وتأسف الناس عليه. وفي يوم الخميس ثامن عشره
[ ٣٦٦ ]
دخل من مصر إلى دمشق نظام الدين الحيدري الشلبي المفتش دار، وشاع عند الناس أمور، منها الكشف عن المدارس.
وفي يوم الجمعة تاسع عشره نودي على لسان المتولي على الجامع الأموي، بالتوصية على معاليم مستحقيه جميعهم، وتشوشوا بسبب ذلك.
وفي يوم الثلاثاء ثالث عشريه نودي على الأشرفية، فضرب قانصوه الغوري بمصر كل أشرفي بستين، وضرب جمال الدين بستة وخمسين.
وفيه نودي بأن كل من له مستند على وقف جامع أو مدرسة أو مسجد أو تربة أو خانقاه، بحضره بعد أن يقيم حسابها عن سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة وتاليتها، فقام على من كان السبب في هذه المناداة، وهو نظام الدين المتقدم ذكره، النائب والقاضي الرومي والدفتردار، لم يسمع، وخاف أهل الأوقاف منه.
وفي يوم الجمعة سادس عشريه، وهو رابع عشر آب، كان عيد الجوزة. وفي يوم الثلاثاء تاسع عشريه توفي الخواجا الكبير أمير الحاج كان زين الدين بن النيربي، عن ابن، وابن أخ.
وفي يوم الأربعاء مستهل شعبان منها، نودي على الفلوس الجدد، التي ضربت باسم الملك المظفر سليم خان بن عثمان، كل ستة عشر فلسًا بدرهم، بعد أن كانت كل ثمانية بدرهم، فذهب للناس مال كثير في ذلك. ولا قوة إلا بالله.
وفي ليلة الأربعاء ثاني عشريه احترقت حوانيت كثيرة، لصيق الجامع البردبكي، المعروف الآن بالجامع الجديد، من الشرق إلى عمارة الإخنائي، والربع فوقها، وطبقة ابن الجريرة خلف الجرن، الذي جدده هذه الأيام هناك، واستراح الناس من هذه الطباق، لما كان يحصل فيها من الفساد في الرفاقات، وطارت النار إلى صف حمام العلائي، وقف المدرسة اليونسية، بطرف الشرف الأعلى الشرقي، فاحترقت الطباق التي فوق وقف المدرسة المذكورة أيضًا، والدكاكين لصيقة من الشرق والغرب.
وفيه شاع بدمشق أن ملك الروم المظفر سليم خان بن عثمان ولى مصر لخير بك نائب
[ ٣٦٧ ]
حلب - وفي يوم الاثنين سابع عشريه كان عيد الزبيب، وهو آخر اثنين في شعبان، وفيه تستحب الصدقة لحديثٍ ورد، ويقال الكلمات الطيبات مائتي مرة، وحسبي الله ونعم الوكيل كذلك، لحديث ورد في كل منهما.
وفي ليلة الخميس سلخه وقع اختلاف في أن غدًا من رمضان، فلم يشهد أحد فأطفئت قناديل مئذنة العروس بالجامع الأموي بعد إيقادها، ثم ثبت على بعض القضاة، فأعيدت وأصبح الناس صيامًا.
وفيه زاد ناظر الجامع الأموي، التقي الرومي، فيه نحو الثلاثمائة وستين ضوءًا، ومن ذلك السنوبرة التي قبال المقصورة، ولم يوقد فيها قناديل قبل ذلك، وإنما كان يوقد فيها الشمع في الليالي المفردات، والذي حطها هنا الأمير أخشباي نائب القلعة وصفد وغيرهما.
وفي هذا اليوم نودي بدمشق بمرسوم من مصر، بأن يتأهب الناس للحج من الطريق المصري والغزاوي.
وفي ليلة، وكذا في يوم الجمعة ثانيه، وفي ليلة السبت ثالثه، دخل من مصر إلى دمشق جماعة من الجراكسة، منهم خشقدم خازندار سيباي، زوج امرأته من مدة.
وفي يوم الأحد رابعه نودي بدمشق أن لا يركب فرسًا، ولا حمارًا، ولا غير ذلك، نصراني، ولا يهودي، ولا سامري، ولا إفرنجي، في دمشق، ولا في مجامع الناس من ضواحيها.
وفي يوم الأربعاء سابعه جيء بالسيد الموقع ابن باعو الحلبي ثم الدمشقي، ميتًا محمولًا من البقاع، وكان توفي فيه بكرة يوم الثلاثاء، فغسل بمنزله عند حارة النصارى، داخل باب توما، وكان ابنه غائبًا، فكفنه القاضي محب الدين ناظر الجيش، ودفنه عند الشيخ رسلان، فظهر أن عليه من الدين نحو العشرة آلاف دينار، وكان منهما بدنيا كثيرة، وكان تخومل من وقت توفي ولده المتقدم ذكره في رجب.
وفي يوم الجمعة تاسعه صلى على الشريف إبراهيم بن صالح، والله يتولى فعاله - وفي ليلة الأحد حادي عشره مات محمد المناديلي، ثم العطار، الذي كان يزعم أنه شريف، وليس كذلك.
[ ٣٦٨ ]
وفي يوم الاثنين ثاني عشره دخل إلى دمشق من مصر قفل كبير، فيه أروام كثيرة، وأخبروا أن الخنكار واصل قريبًا، وأنه خرج من بعدهم من مصر، يوم الخميس ثالث عشري شعبان، واشتهر في دمشق أنه قتل جماعة من جماعته، منهم الوزير الكبير يونس باشا في الخطارة، ووضعت الحوطة على مال يونس بدمشق، وأخذ للخنكار.
وفيه ورد مرسوم بعزل نظام الدين المفتش دار، المتكلم في الأوقاف، الذي كان جاء إلى دمشق لأجلها، فأخرج من سكنه الذي كان نازلًا فيه، وهو بيت القاضي المزلق، وهو كالضعيف المحمول - وفيه سافر الخنكار.
وفي يوم الخميس خامس عشره توجه الولوي بن الفرفور إلى ملاقاة الخنكار - وفي يوم الأحد ثامن عشره دخل من مصر جماعات من نودي بتعزيل الطرقات لأجدل دخوله، فعزلت، ثم أرسل الله المطر في اليوم المذكور.
وفي يوم الثلاثاء العشرين حادي عشريه، وهو سابع تشرين الأول من مصر إلى دمشق، في أبهة حافلة بخلق كثير، ونزل بالقصر الظاهري بالميدان الأخضر، بعد أن مر على جامع تنكز، وحطت العربات عند سيدي حماد، في البساتين، وتفرقت عساكره فيها وفي الجنينات والمزارع، ونصب سوقه تحت القلعة، ثم نادى بالأمان والاطمان، وشاع بدمشق أنه لا يقيم سوى ثلاثة أيام، ثم شاع غير ذلك.
وفي يوم الخميس الثاني والعشرين منه، تطلبت العساكر البيوت للنزول بها، فهجموا على النساء، وتضرر الخلق بذلك ضررًا زائدًا، وتحقق بهذا أن الخنكار عزم على الإقامة بدمشق؛ فغلت الأسعار، وبيع رطل اللحم باثني عشر درهمًا، والسمن بستة وثلاثين - وفيه نودي للمعمارية والحجارين والترابة أن يجتمعوا لعمارة المكان الذي ينزل فيه الخنكار.
وفي يوم الجمعة ثالث عشريه صلى الخنكار بالجامع الأموي الجمعة، وكان الخطيب الولوي بن الفرفور؛ ثم صلي على الشيخ الإمام العلامة عبد النبي المغربي الدمشقي
[ ٣٦٩ ]
المالكي، وكان توفي ليلة هذه الجمعة عند المغرب، ولم يصل الخنكار على أحد من الدمشقي سواه، وكانت له جنازة حافلة، حملت على الأيدي، وحضرها القضاة المنفصلين، خلا المالكي، فإنه كان قد توجه إلى مدينة غزة، ودفن عند شيخنا البرهان بن عون عند عبد الجبار بمقبرة باب الصغير.
وفيه نودي بدمشق أن تحضر عرفاء الحارات، ومع كل عريف ثلاثة أو أربعة أو خمسة من الأكابر، ويحصروا عدد البيوت، وتكتب أسماؤهم، فحضروا يوم السبت وفعلوا ذلك.
وفي يوم السبت رابع عشريه طلع الولوي بن الفرفور إلى تربة المحيوي بن العربي المشهورة به، وكانت تربة ابن الزكي، ومعه معلم السلطان شهاب الدين بن العطار وجماعة، وهندسوها لبناية جامع بخطبة بإشارة الخنكار.
وفي يوم الأحد خامس عشريه طلع الولوي بن الفرفور، وقاضي العسكر ركن الدين بن زيرك، واشتروا بيت خير بك، دوادار منشئ المدرسة الحاجبية، من مالكه رزق الله، بستة آلاف درهم، ليوسعوا به الجامع، وعين مشد من أتباعه على العمارة، وحط عنده عشرة آلاف دينار بسببها، وسكن بزقاق القرعوني بالقرب من العمارة المذكورة - وفيه وقع مطر كثير، فزاد تشويش الأروام على الناس في بيوتهم.
وفي يوم الاثنين سادس عشريه شرع في هدم المسجد الذي كان جدده شهاب الدين بن الصميدي، لصيق قبر المحيوي بن العربي، وطمت البحرة العميقة نحو رمحين، التي كانت قدامه، والخلاوي.
وفي بعد ظهر هذا اليوم، وكانت الأرض قد يبست، والسماء صاحية، والشمس طالعة، فغيمت السماء، وتراكم السحاب، ثم مطرت مطرًا قويًا، بحيث أنه نزل التراب الأحمر والطين عن الأسطحة، ولم أعلم أني رأيت مثله، واستمر نحو سبع درجات، ثم طلعت الشمس وأصحت.
وفي يوم الثلاثاء سابع عشريه نودي بالحج من الطريق الشامي، وعين له أمير من الأروام، ومعه عسكر. وفي آخر هذا اليوم حصل برق ورعد شديد ثم برد ساعة، ثم انقطع.
وفي يوم الأربعاء ثامن عشريه خرج جان بردي الغزالي من دمشق، بجماعة كثيرة، إلى بلاد حوران. وفي يوم الخميس تاسع عشريه سافر جماعات من الأروام إلى بلادهم أدنة
[ ٣٧٠ ]
وغيرها، بإذن الخنكار لهم - وفي هذه الأيام انتقل قاضي القضاة زين الدين العابدين الرومي الحنفي، إلى بيت محب الدين الموقع، قبلي القيمرية الكبيرة.
وفي يوم الجمعة سلخه طالعت الأروام من القلعة سنجقًا أحمر، ليس عليه طراز، وفي رأسه هلال، شبه سنوبرة، من فضة مطلية بذهب، إلى الجامع الأموي، ونصبوه في الباب الأوسط من الأبواب الثلاثة التي تحت قبة النسر، على العادة في وضعه، وغيروا سنجق الجراكسة، وهو كان من حرير أصفر أطلس، بطرز مزركش، بشرًاَ ريب، وهلاله من ذهب، شبه نعل المصطفى، وكن أكثر بهجة، وخرجت معه النقارات والمشعلين الملبسين على عادة الجراكسة.
وفي يوم السبت أصبح العيد الصغير، وسلم الناس على السلطان الملك المظفر سليم خان بن عثمان وهو بالميدان، قيل وصرف ملك الأمراء شهاب الدين أحمد بن يخشى أُغلى عن نيابة الشام، فسافر، قيل ونزل بالقابون الفوقاني قاصدًا السفر.
وفي يوم الأحد ثاني شوال منها، طلع الخنكار إلى عند المحيوي بن العربي، ليرى ما هندس من العمارة، فأمر بشراء حمام الجورة، لصيق تربة المحيوي المذكور، وهو وقف عليها، ليوسع به الجامع المتقدم ذكره، فشري من الجمالي بن القرعوني الناظر عليه بمائة دينار، خلا قدريته، ثم فرق هناك دراهم كثيرة، وأنشد محمد الجعيدي وجوقة قصيدة مذيلة بخفيف، فرسم لهم بألف درهم، ثم ذهب إلى مقام برزة فزاره، ثم عاد إلى مخيمه.
وفي يوم الثلاثاء رابعه توفي حسن، أخو خصيص الخنكار حليم شلبي، ووضع في سحلية، وحمل إلى الصالحية في خلق كثيرة، منهم قاضي العسكر ركن الدين بن زيرك، وأعيان الباشاوات، وبعض رؤساء دمشق، وبعض فقهائها، ودفن عند رجلي المحيوي بن العربي إلى جانب الشيخ محمد البلخشي من الشمال، وفرق عنده دراهم كثيرة، واستمرت القراءة عنده سبعة أيام.
وفي يوم الأربعاء خامسه أتى قاضي العسكر إلى بعض الحارات، وطلب عرفاء الحارات ليطلب منهم من كل دار ما يفضل عن الرجل وعياله من القمح والشعير، ويعطي ثمن ذلك، فتريب الناس من ذلك، والحال أن المغل في البلاد والمخازن كثير.
وفي يوم الخميس سادسه انتقل السلطان الملك المظفر سليم خان بن عثمان من الميدان
[ ٣٧١ ]
الأخضر إلى الدار التي كان سافر منها إلى مصر، المعروفة قديمًا بدار سودون عبد الرحمن، ويومئذٍ بتنيم مملوك سيباي، وجعل قيسارية القواسين مطبخًا، كما كان فعل قبل سفره، والدهليز المبلط الذي من بيته إلى الحمام، قبلي المدرسة الخاتونية العصمتية، ممرًا إلى الحمام المذكور، كما كان فعل قبل سفره أيضًا.
وفيه أخذ قاضي البلد زين العابدين بيتًا بالصالحية له مشدًا على العمارة الخنكارية بها، ثم لم يتم ذلك. وفيه شاع أن الولوي بن الفرفور الشافعي تحول حنفيًا، بواسطة تطلبه لكتبهم من النجم الزهيري والشمس بن البهنسي وغيرهما، والظاهر أن تطلبهم لأجل الأروام، لا لنفسه.
وفيه عزل القاضي شهاب الدين بن البغدادي الحنبلي عن قضاء الحنابلة، بسبب وقوع الشر بينه وبين المحضر. وفي ليلة الاثنين عاشره توفي الرجل الصالح، القارئ، الحسن، المجذوب في آخر عمره، شهاب الدين العرابي ثم الدمشقي، بمسجد النحلة، وهو في عشره السبعين.
وفي ليلة الثلاثاء حادي عشره نودي بدمشق بأن القفول والمسافرين يستمرون على عادتهم من غير اعتراض عليهم، وكان قبل ذلك نودي بخلاف الناس إبطال الحج من الطريق الشامي.
وفيه توفي الرجل الصالح المعتقد شيخ الزاوية الحيدرية، شمال التربة الجكمية، خليفة التركماني ثم الدمشقي جانب كبير ويلف عنقه بمئزر أسود. وفي يوم الجمعة رابع عشره تحقق أن الجح الشامي بطل، بعدم طلوع السنجق محمد بن ساعد، قال إن العربان مختلفون، ولم يمل الأخيضر فيخاف على الحج عن العرب ومن تحت كهف جبريل عن ولد صالح. وفي يوم السبت خامس عشره فوض قاضي القضاة الرومي للزيني بن الرجبي قضاء الحنابلة، عوضًا عن شهاب الدين بن البغدادي.
[ ٣٧٢ ]
وفي يوم الأحد سادس عشره، وهو أول تشرين الثاني، توفي الشيخ المعتقد الصالح الصوفي عبد الهادي الصفوري ثم الدمشقي، بقبر عاتكة، ودفن شرقي شباك مسجد المحدثين، المعروف قديمًا بمسجد داود، وحديثاُ بمسجد الطالع، بعد أن حفر له قبر بالصالحية شمالي السبكيين، عند قريبه الشيخ عبد الرحمن؛ وحضر جنازته السيد كمال الدين بن حمزة، وجلق من الصوفية وطلبة العلم، وتأسف الناس على موته.
وفي يوم الخميس العشرين منه توفي حليم شلبي خصيص السلطان، ويقال إمامه وشيخه، الذي كان السبب في عمارة الخنكار الجامع عند المحيوي بن العربي؛ وطلعت الأروام على مآذن الجامع الأموي، وأعلموا بموته على عادتهم، وصلي عليه، وعلى مقرئ مماليك الخنكار، بالجامع الأموي، الولوي بن الفرفور، وخلق خلفه من الأعيان وغيرهم؛ ثم حضر الملك المظفر سليم خان بن عثمان بالجامع المذكور. فأعاد الصلاة عليهما ثانيًا الولوي المذكور إمامًا، وصلى الملك المذكور عليهما خلفه، ثم حملا إلى الصالحية، ومشى معهم إليها قاضي العسكر ركن الدين بن زيرك، وخلق لم نشاهد مثلهم؛ وحملوا حليم شلبي في سحلية على أيدي العسكر، وشاشاه عليها، ودفن إلى جانب الشيخ محمد البلخشي، من القبلة بتربة المحيوي المذكور؛ وأما الجنازة الأخرى فدفنت بالبعد منه إلى جهة الشمال، وفرق ثمة دراهم وكذا، بالجامع الأموي.
وفيه توفيت زوجة الشيخ تقي الدين ابن قاضي عجلون، بنت الخواجا بن المزلق، وهي التي بنت الحمام لصيق بيتها بزقاق المدرسة الطيبة، تجاه تربة زوجة نائب الشام تنكز، ودفنت بتربتهم شرقي مسجد الذبان.
وفي ليلة الثلاثاء ثالث ذي القعدة منها، شرع في عمارة قبة على المحيويي بن العربي، فحفروا عدة قبور وخشاخيش، وبنوا مكانهم أساساتها، وفعلوا ذلك ليلًا خوفًا من كلام الناس، وظنًا منهم أن ذلك لا يطلع عليه أحد. وفي يوم الأربعاء رابعه أشيع عزل الدفتردار نوح الذي بدمشق.
وفي يوم الجمعة سادسه حضر الملك المظفر سليم خان بن عثمان في المقصورة بالجامع الأموي، وأغلقت عليه وعلى أعيان من معه، ثم خطب الولوي بن الفرفور، ثم صلى
[ ٣٧٣ ]
صلاة الجمعة على طريقة الحنفية من سرعة الانحطاط من القومة من الركوع، والقومة من السجود الأول، فلما فرغ منها قام للتنفل على قاعدتهم فتيقن جمع من الشافعية، ومنهم شيخنا المحيوي النعيمي، انتقاله لمذهبهم ولا قوة إلا بالله.
والناس في شدة من أمور، منها غلاء الأسعار في كل نوع، ومنها الطرح على كل نوع، ومنها الطرح على كل حارة قدرًا معلومًا يؤخذ منهم من القمح، ومنها نزل الأروام عليهم في بيوتهم في هذا الشتاء.
وفي يوم السبت سابعه جلس قاضي وقاضي زاده البلد الرومي زين العابدين بمشهد عروة، المعروف الآن بمشهد الشيخ تقي الدين ابن قاضي عجلون، بالجامع الأموي، وعندهم الجمال بن القرعوني الصالحي، والولوي ابن بنت الخمراوي، والشمس بن منعة، وجماعته، وجاؤوا بديوان الجيش إلى عندهم، وبالشيخ حسن البيتليدي صاحبنا ليكشف لهم ما يرمونه منه، ونادوا أن من كان عنده نظر وقف فليحضر لنحاسبه عن سنتين، فحضر بعض الناس، فمسكوا مكاتيب أوقافهم، فنفرت منهم الناس وضجوا، وخصوصًا من قاضي البلد، فإنه تقصد أذى الناس وبهدلتهم، ثم أكدوا النداء ثانيًا وثالثًا.
وفي يوم الأحد ثامنه بعث هؤلاء ورقة إلى المحيوي النعيمي بالحضور إليهم، ومعه مصنفه الذي لخصته، المسمى بتنبيه الطالب والدارس على بيان مواضع الفائدة كدور القرآن، والحديث والمدارس، فحضر فرآهم يريدون الكشف عن الأوقاف من مصنفه، فقال لهم: إنما العادة إخراج قوائم كشف الأوقاف التي كانت عند فلان وفلان إلى آخر وقت، فقالوا قد أحضرناهم، فقال لهم: في ذلك كفاية، فقالوا: أرنا مصنفك، فلم يخرجه لهم، وأنما أخرج لهم أسماء المدارس مجردة في ورقة.
وفي يوم الخميس ثاني عشر توفي الشريف العباسي الحموي أحد ناظري المدرسة العذراوية، بعد أن جاء من حماة، والحال أن الشريف عبد الرحيم العباسي الحموي، جاء من مصر مع الخنكار في زي الأروام، وهو نازل عند القاضي رضي الدين الغزي.
وفي يوم الجمعة ثالث عشره توفي المعلم ابن لمبزوة الطحان، وكان لا بأس به، يحب
[ ٣٧٤ ]
أهل الخير ويقف في خدمتهم. وفي يوم الاثنين سادس عشره توفيت الشيخة الصالحة المصنفة صاحبة النظم الفاق أم عبد الوهاب بنت الباعوني، ودفنت بأعلى الروضة، والحاجة الصالحة المعتقدة زوجة ابن العم البدري بن قنديل، أم أحمد بنت الصلخدي، ودفنت بمقبرة باب الفراديس.
وفي يوم الأربعاء ثامن عشره بعث خلفي المحب ناظر الجيش الشمس بن السجان، وخلف المحيوي النعيمي المحب بن سلطان مشهد الجبرتية، فسألنا عن أسماء جماعة من واقفي المدارس، فأخبرناه بغالب مراده، لأجل إثبات الأوقاف للمدارس عند قاضي الأروام زين العابدين.
وفي يوم الاثنين ثالث عشريه دخل إلى دمشق شخص مقيد من تحت بطن فرسه، يقال إنه من جواسيس الخارجي إسماعيل الصوفي، مسك فأخبر أن كشافة الصوفي المذكور وصلت إلى قرى آمد، واتقعت مع كشافة أمير آخور الملك المظفر سليم خان بن عثمان، وكل منهما كسب من الآخر، فقرطوا عليه، أخبر بأن قرجمد أحد باشات الصوفي عزم على التوجه إلى آمد، وأرسله يحبس له البلاد.
وفي يوم الثلاثاء رابع عشريه شرعت الأروام في قراءة سورة الأنعام، تحت قبة النسر بالجامع الأموي، قبلي المصحف المؤيدي الذي بيدي، وغالبًا كنت أقرأ فيه وهم تحتي يقرأون، وإذا وصلوا إلى بين الجلالتين دعوا على الصوفي المذكور، واستمروا على ذلك أربعين نهارًا، وهم نحن الثلثمائة وستين نفسًا، وأرسلوا إلى مدرسة أبي عمر بالصالحية يقرأونها كذلك.
وفي يوم الاثنين سلخه أقيمت العواميد الأربعة بجامع الخنكار، الذي جدده عند تربة المحيوي بن العربي، بعد أن جيء بهم على عجل من إيوان اصطبل دار السعادة، الذي كان بناه جان بلاط في حال نيابته دمشق، ويقال إن جان بلاط أتى بهم من تربة الملك الزبال، من محلة تربة باب الفراديس. وفي هذه الأيام عزل القاضي تقي الدين القاري عن نظر الحرمين، وتولاها بركات الواعظ.
وفي يوم الجمعة رابع ذي الحجة منها، ركب قاضي حلب، زاده، وقاضي البلد، زين العابدين الرومي، والقاضي محيي الدين بن يونس الحنفي المعزول، والولوي ابن بنت الحمراوي، إلى الصالحة للكشف على مدارسها، وبدأوا من الجسر الأبيض بالماردانية،
[ ٣٧٥ ]
واجتمعت بهم عند الجامع الجديد، ودخلت معهم إليه، وذكرت لهم أنه عامر، فكتبوه في الأوقاف العامرة، ثم ذهبوا وتركتهم.
وفي يوم الثلاثاء ثامنه، وهو يوم التروية، ثبت عند القاضي زين العابدين الرومي، أنه يوم عرفة، بشهادة خمسة أنفس على رؤية هلال ذي الحجة، ولم يكن بالسماء غيم، فأنكرت عليه إثبات هذا الشهر بهذا القدر، فإن مذهبه مذهب أبي حنيفة ﵁ في ذلك، أنه لا بد من شهادة جمع، واختلفوا في عدتهم، فأقل ما قيل فيهم إنهم ثلاثون، كما نقله الفخر الزيلعي.
ثم صعد الملك المظفر سليم خان بن عثمان إلى الصالحية، ورأى ما بني من الجامع الذي امر وفرق ثمة خمسين ألفًا عثمانيًا - وفي يوم الأربعاء وأرسل الخنكار إلى وأشعلت لأجله الثريات، والسنوبرة تحت قبة النسر، والسراج بباب الجامع الشمالي، ثم فرق ثمة مائة وخمسين رأسًا من الغنم، وعشرين جملًا مذبوحين، ورأت الناس حينئذٍ عمودًا من نور على المئذنة الشرقية بالجامع المذكور، فقال بعضهم: هذا ملك، وقال بعضهم: هذا استخدام مع الخنكار، وشاع ذلك عند الوزراء والباشاوت وأرباب الدولة، ثم تحرر أنه دخان بعض الحمامات القريبة منها، عقد عليه السحاب وضربته الشمس فظنوه نورًا، والله أعلم.
وكانت الأضحية في هذا العيد قليلة، من الغنم والمعز والبقر، ولم توجد من الجمال، والناس في شدة من غلاء الأسعار، ونزول الأروام عليهم. وفي هذا اليوم توفي الرجل الصالح، مؤدب الأطفال بمسجد كاووز، بميدان الحصى، عبد العظيم بن إبراهيم العطار ثم الكيال، والمبارك أبو عبد الله الأخفافي أخو المرحوم برهان الدين القيراطي.
وفي يوم الخميس حادي عشره ذهبت إلى عند شيخنا علي أحمد، مدرس ديار بكر، الحنفي، وهو نازل عند قاضي زاده تلميذه، ببيت ابن المزلق، فعيدته، وقال لي: إن رأيت أن أركب معك إلى قاضي العسكر الكبير، ليقررك فيما تختار من تداريس مدارس الحنفية وأنظارها، ولو كان عمك القاضي جمال الدين بن طولون، مفتي دار العدل الحنفي، هنا لذهبت معه إلى الخنكار، ليعينه في قضاء دمشق، عوضًا عن قاضي البلد زين العابدين، فإنه
[ ٣٧٦ ]
غير مقيم فيها، ولكني متشوش بسبب غيبته في مكة؛ فقلت له: حتى أستخير الله تعالى في ذلك؛ ثم قال لي: وإن شئت ألزمت قاضي العسكر المذكور بتعيينك لخطابة جامع الخنكار، وإمامته، والتدريس به، إن قرر به مدرسًا، وذا أنسب لك، لقربك منه، مع عدم منازع لك في ذلك، لقلت له: إن الخيرة فيما يختاره الله تعالى.
وفي ليلة الجمعة ثاني عشريه وقع مطر كثير، ثم أصحت إلى أول يوم السبت، فوقع أيضًا مطر كثير، بحمد الله. وفي يوم السبت المذكور، وهو ثالث عشره، عزل القاضي شهاب الدين الرملي من نيابة القضاء، وسبب عزله، فيما قيل، عجزه عن الذهاب إلى دار الحكم، بسب أوجاع تعتريه في رجليه، وعزل معه ولده الأكبر عن الشهادة، وولى عوض شهاب الدين المذكور البرهاني بن الإخنائي، وعوض ولده الشمس الكفتي.
وفي هذا اليوم دخل إلى دمشق فيلان، وقط زباد، أهداهم خير بك نائب الخنكار بمصر، منها إليه. وفي يوم الأحد رابع عشره عزل الخنكار للدفتردار الكبير محمد الحقير، كبير نظام الدين، وسجنه بالقلعة الدمشقية، وأخذ موجوده. وفيه عين قاضي زاده النظام، إلى التوجه إلى الديار الحلبية، لتحصيل الغلات منها، لأجل مجيئه إليها.
وفي يوم الأربعاء سابع عشره عين قاضي العسكر الكبير ركن الدين بن زيرك، النازل ببيت الولوي بن الفرفور، له لخطابة الجامع الخنكاري، الذي أنشأه عند المحيوي بن العربي، وهو إلى الآن لم يفرغ أول مرة.
وفي يوم الجمعة تاسع عشره نودي بالصالحية أن أهلها الكبار والصغار يحضرون إلى عند الصوباشي، لأجل فريضة تفرض عليهم، وقدرها على كل شخص أشرفي، فتشوش الناس بسبب ذلك، وقيل هذا يسق العثمانية في بلادهم، على كل شخص في كل عام، ووجه إلى سائر الحارات، وجميع المملكة، حتى القاهرة بذلك.
وفي ليلة السبت العشرين منه توفي القاضي شهاب الدين الرملي، المعزول قريبًا عن نيابة القضاء، ودفن بمقبرة باب الصغير، ولم يدخل محراب الجامع الأموي أحسن قراءة منه، وحزن الناس عليه.
وفي يوم الأحد ثامن عشريه أعطى الخنكار للأمير محمد بن قرقماس، النيابة على بيروت، وعلى صيدا، والتقدمة على بلاد البقاع، وما والاهما، مما هو في تقدمة الأمير ناصر الدين بن الخنش، وما كان زاده للأمير ناصر الدين المذكور على ذلك، من إقطاع الأمرية
[ ٣٧٧ ]
الكبرى، وذخيرة ابن السلطان، وإقطاع نوى، وشاع أن الخنكار عزم على التوجه إلى هذه البلاد البقاعية، للقبض على الأمير ناصر الدين المذكور، وعلى من عنده من الجراكسة الفارين.
وفي يوم الاثنين تاسع عشريه توجه الخنكار من جهة القبيبات، ليلًا على الشمع الموكبي بيد الأنكشارية، ولحقه غالب عسكره، وأربع عربات، للقبض على الأمير ناصر الدين بن الحنش.