استهلت والخليفة أمير المؤمنين ابن أخ المستنجد بالله، وسلطان مصر والشام وما مع ذلك الملك أبو النصر قايتنباي؛ ونائبه بدمشق قجماس الإسحاقي الظاهري.
وفي يوم الجمعة رابع المحرم منها، توفي فجأة القاضي محيى الدين الزرعي الطرابلسي الحنفي، ودفن بمقبرة باب الفراديس، وكان من الأخيار - وفي يوم الثلاثاء خامس عشره توفي فجأة، فيما قيل الشيخ الفاضل شمس الدين محمد بن أحمد الحمصي الشافعي الشاهد، وكان من الأجواد وأعيان الموقعين بدمشق، ودفن بمقبرة باب الصغير.
وفي يوم الخميس سابع عشره سافر من دمشق إلى حماة يشبك حاجب الحجاب، وكان على نيابة حماة.
وفي يوم الاثنين حادي عشريه دخل إلى دمشق سيباي حاجب الحجاب الجديد، عوضًا عن يشبك المتقدم ذكره، الذي راح إلى حماة نائبًا لها؛ وكان سيباي المذكور نائب غزة، وراح عوضه إلى غزة نائب الكرك، وأعطيت الكرك لجاني بك الذي كان نائبًا بصفد.
وفي يوم الثلاثاء ثاني عشريه أطلق الأمير الكبير كان شادبك، وجعل عليه مال وغيره، وخرج إلى بيته بطالًا بشفاعة النائب، فإن كلمته لا ترد عند السلطان.
وفي يوم الخميس رابع عشريه دخل إلى دمشق الأمير الكبير الجديد جاتم، الذي كان نائب حماة، وهو مملوك نائب جدة، عوضًا عن شاد بك الجلباني المتقدم، وكان له يوم مشهود.
وفي يوم السبت سادس عشريه دخل الحاج الشامي إلى دمشق، وأخبر الثقات منهم أن سبب الحريق الذي وقع بالحرم الشريف، أن شخصًا من الأخيار يدعى شمس الدين؛ رئيس الؤذنين، قد رأى قبل وقوع الحريق بليلتين ما يدل عليه، وأخبر به القاضي، فلما كان الليلة التي أراد الله سبحانه فيها ذلك، كان هذا الرجل المتقدم ذكره يسبح في المئذنة ليلًا في رمضان، وإذا بصاعقة وقعت، فاحترق الرجل المذكور الذي رأى المنام، واحترق الحرم النبوي بأجمعه، ولم يسلم منه شيء إلا قبة الزيت والضريح الشريف، وما لاصقه لا غير.
[ ٤٦ ]
ثم أخبر أيضًا أن شخصًا رأى النبي ﷺ في النوم وهو يقول: يا فلان أراد الله وقوع البلاء بأمتي فتلقيته بنفسي عنهم؛ وكما قال فإن الأماكن الملاصقة للحرم لم يحترق منها شيء، حتى أن بعضهم ذكر طيورًا كانت ترد النار، وكتب بذلك محضر بالمشاهدة؛ فانظر يا أخي هذا الأمر فإنا لله وإنا إليه راجعون؛ ومن أحسن ما نظم في ذلك القصيدة المسماة: بكافي أولى العقول، في الحادث بمسجد الرسول، في كراسة؛ وذكر أنهم شرعوا في تعديله قبل دخول الحاج حين وردت المراسيم بعمارته، وأن يكون المشد خير بك حديد الذي كان محبوساُ بقلعة دمشق، فأبى، وقال: هذا عمارته طويلة؛ واستمر منفيًا بمكة، فواحزناه عليه فإن ذلك يدل على سوء طويته، والله يعلم المفسد من المصلح.
وفي يوم تاريخه أطلق إبراهيم نقيب الأشراف من الترسيم. وأصلح بينه وبين ابن سكر، بسبب قضية العبد الحبشي الذي ادعى عليه أنه اختلسه مائتي أشرفي، وعزله عن النقابة.
وفي يوم الخميس خامس عشر صفر منها، دخل إلى دمشق قاضي القضاة عماد الدين الحنفي، وقرأ توقيعه نائبه في الحكم القاضي شمس الدين الحلبي، وهذه لم تكن عادته، بأن نائبه يقرأ التوقيع.
وفي يوم الأربعاء ثامن عشريه دخل إلى دمشق السلطان الجمجمة بن عثمان، وقد حصل له من الأشرف قايتباي غاية الإكرام، وجهزه إلى الحج، وتكلف عليه الأموال الكثيرة، وحج حجة عظيمة لم يحجها أحد من الملوك، وأعطاه العطايا، وقدم له ما يصلح للملوك، وجهزه إلى دمشق، وقيل إن السلطان ساع في الصلح بينه وبين أخيه - وفي يوم الجمعة سلخه توفي العماد من المشهورين بأحكام الأمور الدنيوية.
وفي ييوم الخميس سادس ربيع الأول منها، لبس من قبل السلطان خلعة نقابة الشهابي بن عجلان وكان لبس قبلها خلعة من قبل النائب - وفي يوم الجمعة سابعه سافر من
[ ٤٧ ]
دمشق السلطان الجمجمة بن عثمان إلى البلاد الحلبية، وعزمه دخول أنطاكية - وفي يوم الخميس ثالث عشره توفي الشيخ الإمام العالم العلامة الشيخ قاسم التركماني الحنفي قيل فجأة، ومولده سنة عشر وثمانمائة، وتفقه بالشيخ عيسى البغدادي، وأفتى مدة ثم ترك ذلك تورعًا، وكانت وفاته بمنزله جوار المدرسة ودفن بمقبرة باب الصغير - وفي يوم تاريخه دخل إلى دمشق، بخلعة من قبل السلطان، المقر الشمسي بن المزلق، وهي خلعة رضا.
وفي ربيع الآخر منها، توفي القاضي برهان الدين إبراهيم بن عصرون، مباشر الجامع الأموي، وكان من ظرفاء الناس، ودفن بسفح قاسيون عشره طلب رجل من بعلبك إلى دمشق، يدعي التعرف نسب إليه ألفاظ كفر صريح، فوضع في حبس الدم بدمشق، ثم أحضره كاتب السر وضربه بالسياط وأشهره، ثم حبسه إلى أن يعقد له مجلس، فوقع بين القضاة بسببه، فحكم بإسلامه وأطلق. - وفي يوم الثلاثاء رابع عشريه ورد مرسوم السلطان بعمارة المنارة الغربية المحترقة بالجامع الأموي، وترصيص بقية الجملونات إن وجد رصاص، كل ذلك من مال السلطان.
وفي يوم الخميس ثالث جمادى الأولى منها، بلغني أن في يوم الأربعاء خامس عشر الشهر قبله، وهو أول فصل الصيف، ويوم ختم الدرس بالشامية البرانية، كتب شيخنا شمس الدين الكفرسوسي على أربعين مسألة بالشامية، سألها إياه شيخنا تقي الدين بن قاضي عجلون.
وفي يوم الخميس هذا توفي الأمير الكبير بدمشق شاد بك الجلباني وكان يدعي العلم، وكان قبل ذلك يعد من الجبابرة، ثم لينه ما وقع كما قدمنا، وختم على حواصله ودفن بتربته عند القنوات بالمدرسة التي عمرها.
وفي هذا اليوم وصل السيد إبراهيم نقيب الأشراف كان، وكان من أمره أنه سافر إلى القاهرة ليشكو حاله إلى السلطان، فأرسله في
[ ٤٨ ]
الحديد هو وابن عمه إلى ملك الأمراء قجماس نائب دمشق، قلما قدم صادف أن هذا النائب في حوران، فذهب إليه، فرق عليه وأمر بشيل الحديد من رقبته، ووجهه إلى بيته، وأمره أن يعطي الأشراف حقوقهم، والله غالب على أمره.
وفي يوم الجمعة ثامن عشره توفي، قيل فجأة، الشيخ الفاضل المفنن، عين الموقعين بدمشق، زين الدين عبد الرحمن بن محمد بن الأسدي الشهير بابن الجاموس الشافعي، وكان ينظم الشعر الحسن، وله فضيلة تامة، وجمع تذكرة تعرض في أولها لمسموعاته، وصلي عليه بالجامع الأموي، ودفن بمقبرة باب الصغيرة. - وفي يوم الثلاثاء ثاني عشريه توفي الخواجا برهان الدين الوراق؛ وسليمان دلالة الأملاك.
وفي يوم الاثنين خامس جمادى الآخرة منها، توفي فجأة فيما قيل، الشيخ الفاضل تقي الدين ابن الخياطة، نقيب قاضي القضاة الحنفي، وصلى عليه بجامع منجك، ودفن بمقبرة باب الفراديس - وفي يوم الاثنين سادس عشريه وصل إلى دمشق مغلباي الصغير الخاصكي من قبل السلطان، وعلى يده مراسيم وخلعة لأمير العرب ابن عم سيف، لأنه قتل ابن عمه سيفا، وكان سيف هذا قتل نائب حماة، وحصل منه أمور.
وفي يوم الجمعة مستهل رجب منها، فرغت عمارة الصاغة الجديدة وقف الجامع الأموي، التي كانت حرقت قبل تاريخه مع حريق الجامع، وعمرت من مال الجامع. - وفي يوم الثلاثاء خامسه توفي، قيل فجأة، الشيخ العالم الفاضل تقي الدين البقاعي الحنبلي، قاضي الفسوخ. - وفي يوم الجمعة تاسع عشريه توفي كذلك الشيخ الصالح المعمر محمد الأقباعي، المؤذن بالجامع الأموي، وكان من الصالحين، ودفن بمقبرة باب الفراديس.
وفي يوم الجمعة سادس شعبان منها، وصل إلى دمشق من القاهرة قاضي القضاة محب الدين بن القصيف الحنفي المعزول، وشيخنا العلامة أقضى القضاة سراج الدين بن الصيرفي، وأقضى القضاة فخر الدين الحموي الشافعيان، وكانوا سافروا من دمشق إلى القاهرة بسبب ما وقع لهم من قاضي القضاة عماد الدين إسماعيل الحنفي، المتولي أمر نظر جامع تنكز، وما اختلق عليهم الأعادي؛ فعند ذلك لما وصلوا إلى القاهرة حصل لهم الإكرام من السلطان، وأنعم على قاضي القضاة محب الدين بن القصيف بوظيفة نظر مدرسة القصاعين وتدريسها، عوضًا عن العلامة قاسم الحنفي.
[ ٤٩ ]
وفي يوم الأحد ثامنه توفي العالم الفاضل تقي الدين بن برهان الدين المغربي الحكيم، رئيس الأطباء بدمشق، ودفن بمقبرة باب الصغير، وكان له فضيلة تامة، وكان اشتغل في أول أمره على مذهب الإمام الشافعي وحفظ كتاب المنهاج ثم رجع واشتغل على مذهب الإمام مالك وحفظ مختصر الشيخ خليل، ثم اشتغل بعد موت والده طبيبًا وبرع، وصار يعالج الأكابر، وكان من جملة من يعالجهم ملك الأمراء بدمشق قجماس، حصل له ببدنه ضعف فعالجه إلى أن أشرف على العافية، فدخل عليه وقت آذان الفجر إلى دار السعادة، فقال: يا مولانا ملك الأمراء كيف نمتم الليلة؟ فقال النائب له: كان على بعض حمى، وشرع النائب يحادث الحكيم إلى أن طال النائب مع الحكيم الكلام، فبقي النائب يحادث الحكيم والحكيم لا يرد عليه، فقال لبعض جماعته: انظروا إيش أمر الحكيم؟ فاضطرب الحكيم، فحرك فإذا هو قد مات، فانظر أمر هذه الدنيا، كيف جاء هذا الحكيم من بيته على رجليه ورجع إليه في نعش، فسبحان الحي الذي لا يموت.
وفي عشية يوم الخميس ثاني عشره توفي الفخر بن البيروتي الحريري، معلم السلطان. وفي يوم السبت رابع عشره توفي الشيخ علي المجذوب، المقيم بباب الجامع الأموي وكان كثير التلاوة للقرآن، وذكر عنه مكاشفات. - وفي يوم الثلاثاء سابع عشره توفي فجأة الشيخ الصالح العابد الزاهد الفضل إبراهيم ابن الشيخ الصالح ولي الله أحمد الأقباعي، ودفن بتربة الشيخ رسلان. - وفي ثاني عشري شعبان المذكور توفي الشيخ الرباني علاء الدين علي المحلي، بثغر رشيد، ولم يصلّ عليه بدمشق صلاة الغائب.
وفي يوم الاثنين مستهل رمضان منها، وقع بين القضاة ونائب الشام قجماس، بسبب نهر القنوات ونهر بانياس، وكان في دار النائب عيطة مهولة، وأعلام وربعات، وركب النائب والقضاة إلى مقسم الماء، وهدم ما كان بني في نهر القنوات، ونقص عما كان البناء، ثم أعيد أقل ما بني أولًا، وكان في هذه الواقعة أغراض القضاة متخالفة، والله يعلم المفسد من المصلح. - وفي يوم السبت ثالث عشره توفي الشيخ الأجل الصالح المبارك شمس الدين الغزولي، ودفن بمقبرة باب الفراديس.
وفي يوم الأربعاء رابع عشريه مسك نائب الشام جماعة من مدرسة أبي عمر، التي
[ ٥٠ ]
بصالحية دمشق، وضربهم بالمقارع وأشهرهم في جنازير، وذلك بعد أن كبس المدرسة فهربوا منه للجبل، فمسك منهم بعض أنفس، ثم وضع الجميع في الحبس، وسبب ذلك أن صبيًا، يقال له ابن موسك، ختم في جامع الحنابلة الذي في الصالحية، فلما فرغ الصبي من الختم، قامت العامة على عادتهم يخطفون الشمع، فقام شخص من المدارسة ليضرب، فجاء الضرب على القناديل فكسرهم فانكب الزيت على خلعة الصبي، فشكوا للنائب، فحصل من قال للنائب، وهو القاضي نجم الدين بن مفلح، هؤلاء من المدارسة مناحيس، فوقع ما تقدم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وفي سابع شوال منها، توفي القاضي صلاح الدين بن كبك، قاضي ثغر دمياط والصعيد، ولم يصلّ عليه بدمشق صلاة الغائب.
وفي يوم الجمعة رابع عشريه توفي الإمام العالم العلامة، الحبر البحر الفهامة، جامع أشتات الفضائل، شمس الدين محمد بن حامد الصفدي، وكان كثير الذكر والعبادة، وله مواعيظ، وله يد في سائر العلوم، حتى في علم الميقات ووضع الآلات والبسائط وغيرها، وتوفي بمدينة صفد، وكان يتهم بحب ابن عربي وهو قليل التفوه به، ومولده سنة ثمان وثمانمائة، وصلي عليه بالجامع الأحمر جوار منزله وكانت له جنازة حافلة.
وفي يوم السبت ثالث ذي القعدة منها، توفي التقي بن الأيدوني، ويحكى عنه حكايات من جهة البخل. وفي يوم الأربعاء رابع عشره توفي الشيخ شمس الدين الزحلي، المؤذن بالجامع الأموي، ويحكي عنه حكايات من جهة الكرم، ودفنا بمقبرة باب الصغير. - وفي خامس عشريه وقع سيل عظيم بمكة المشرفة حتى هدم عواميد المطاف، ووجد في الحرم أكثر من سبعين رجلًا ماتوا بالغرق، وخرب نحو ثلاثمائة بيت، وبلغ السيل سبعة أذرع على ما أخبر بذلك قاضي القضاة محب الدين الحنفي.
وفي يوم الخميس رابع عشر ذي الحجة منها، تولى الأمير آقبردي أستادار السلطان بدمشق، عوضًا عن الأمير إبراهيم بن شاد بك الجلباتي، وكان أقبردي المذكور له سنين في حبس القلعة بدمشق، فورد المرسوم بالإفراج عنه يوم الأربعاء ثالث عشره، ولبس ثاني يوم؛ ثم بعد ذلك بأيام هرب الأمير إبراهيم المذكور من دمشق ليلًا إلى عند العرب، وأخذ عياله ونساءه، فأصبح أرباب الدولة والحكام ليطالبوه فلم يجدوا أحدًا، فسافر ملك الأمراء قجماس
[ ٥١ ]
وحاجب الحجاب وأركان الدولة وغيرهم، فلم يجدوه ولم يعرفوا خبرًا شافيًا، والعامة تقول إنه سافر إلى بلاد حسن باك في العجم.