على مدينة حماة
وكانت حماة للأمير ظهير الدين (١) أتابك طغتكين - صاحب دمشق - قد تسلمها عقيب موت صاحبها شهاب الدين محمودين قراجا (٢) سنة سبع عشرة وخمسمائة، ثم سلّمها الأمير ظهير الدين إلى الأمير بهاء الدين إبراهيم بن سوّار، ثم توفى إبراهيم بعد موت ظهير الدين، فولّى تاج الملوك بورى بن طغتكين - صاحب دمشق - حماة ولده بهاء الدين سونج بن بورى.
ولما كانت هذه السنة - أعنى سنة أربع وعشرين وخمسمائة - أرسل عماد الدين زنكى إلى تاج الملوك بورى بن طغتكين - صاحب دمشق - يستنجده على الفرنج، وأظهر العزم على الجهاد، فأجابه إلى ذلك، وأرسل من أخذ له العهود والمواثيق، ثم جرّد عسكرا من دمشق مع جماعة من الأمراء، وأرسل إلى ابنه سونج - صاحب حماة - يأمره بالتقدمة على العسكر والمسير بهم إلى خدمة عماد الدين زنكى، فساروا بأجمعهم إليه، فأكرمهم وأحسن ملتقاهم؛ وكان عنده الأمير صمصام الدولة خترخان (٣)
_________________
(١) هو أبو سعيد سيف الاسلام ظهير الدين معتمد الدولة طغتكين - أتابك دقاق بن تتش - توفى في صفر سنة ٥٢٢ هـ (Zambour،Op .Cit . P. ٢٢٥).
(٢) ترجم لهذا الحاكم (ابن القلانسى، ص ٢١٠) في شىء من التفصيل، قال في حوادث سنة ٥١٧: «وفى هذه السنة ورد الخبر بأن محمود بن قراجه (كذا) والى حماة خرج في رجاله، وقصد ناحية أفامية وهجم ربضها، فأصابه سهم من الحصن في يده، ولما قلع منه عملت عليه وتزايد أمرها فمات منه؛ وكان عاهرا ظالما متمردا، وقتل جماعة من أعيان حماة ظلما وتعديا بسعاية بعضهم على بعض، ولما عرف ظهير الدين ذلك أنهض إلى حماة من تسلمها وتولى أمرها من ثقاته.
(٣) كذا في الأصل، وقد أورد (ابن القلانسى، ص ١٨٢، ١٩١، ٢٠٩، ٢٢٨، ٢٥٢) هذا الاسم على أشكال ثلاث: (خترخان، خيرخان، قرخان)، وهو في (ابن الأثير: ج ١٠، ص ٢٨١): «قرجان»، ولقبه صمصام الدين أو الدولة، وقد ولى حمص بعد وفاة أبيه قراجا في سنة ٥٠٥ هـ.
[ ١ / ٤١ ]
ابن قراجا - صاحب حمص - فحسّن لعماد الدين الغدر ببهاء الدين سونج، والقبض عليه وعلى أصحابه، وأخذ حماة (١)، ففعل ذلك، وارتكب أمرا قبيحا أنكره الناس عليه، ولا شىء أقبح من الغدر؛ [٢٤] ولما عزم على تلك الفعلة الشنعاء استفتى الفقهاء في ذلك، فأفتاه منهم من لا دين له، وجوّز له ما لا يحل ولا يحسن شرعا وعرفا، فقبض على بهاء الدين وعلى جماعته، وأنهب الخيل والخيم، وقبض على جميع أصحابه، واعتقل الأمراء بالقلعة والجند بحلب.
ثم سار في العشر الأول من شوال إلى حماة وتسلمها، ثم غدر بصمصام الدين خترخان، وسيّره إلى حلب، وحبس بقلعتها.
وسار إلى حمص فنازلها، وطلب عماد الدين من أولاد صمصام الدين خترخان تسليم قلعة حمص، فامتنعوا، فألحّ في حصارها، ونقب النقابون القلعة، فبطل عليهم النقب، وأمر بنصب المجانيق عليها فبطلت، وطالت مدة الحصار، وهجم الشتاء، فعاد بالعسكر إلى حلب، وترددت الرسل بين تاج الملوك بورى - صاحب دمشق - وعماد الدين زنكى في إطلاق ولده بهاء الدين سونج وأصحابه، فاستقر الأمر على خمسين ألف دينار، فأجاب تاج الملوك إلى حملها، ولم ينتظم بينهم أمر.
وفى منتصف ذى الحجة من هذه السنة سيّر عماد الدين زنكى ألفى فارس، وهجمت معرّة مصرين (٢) - وهى للفرنج - ونهبت وقتل من فيها، وشنّ الغارة على تل
_________________
(١) حديث ابن واصل هنا عن أخذ عماد الدين لحماة فيه إسهاب وتفصيل أكثر مما ورد في المراجع المختلفة المتداولة في هذه الحواشى كابن القلانسى وابن الأثير وأبى الفدا. . . الخ ولا عجب فحماة وطن ابن واصل ومسقط رأسه، وسنلاحظ عنايته الدائبة بذكر تاريخها مفصلا كلما ورد ذكرها فيما يلى.
(٢) ضبطت بعد مراجعة (ياقوت: معجم البلدان) حيث ذكر أنها بليدة وكورة بنواحى حلب ومن أعمالها، بينهما نحو خمسة فراسخ؛ أنظر أيضا: (ابن الشحنة: الدر المنتخب، الصفحات المذكورة بالفهرس).
[ ١ / ٤٢ ]
باشر (١) والأثارب (٢)، وأوقع بخيل من الأثارب، فقتل منهم جماعة كبيرة، وذكر ابن الأثير (٣) أنه فتح في هذه السنة حصن الأثارب.
وفى المحرم سنة خمس وعشرين وخمسمائة توجه الأمير عماد الدين زنكى راجعا إلى الموصل، وفى ربيع الآخر من هذه السنة رد السلطان محمود أمر العراق إلى عماد الدين مضافا إلى ما بيده من الشام والموصل والجزيرتين؛ وفى هذه السنة فتح الأمير عماد الدين قلعة للأكراد حصينة يقال لها مجهيمر (٤).