وخروج الملك عن بيت طغتكين
آخر من ملك دمشق من بيت الأمير ظهير الدين أتابك طغتكين الأمير مجير الدين آبق بن جمال الدين محمد بن تاج الملوك (٥) بورى بن طغتكين، وكان القيّم
_________________
(١) الأصل: «طغا وبغا».
(٢) كذا في الأصل، ولعلها: «واملأ».
(٣) أضيف ما بين الحاصرتين بعد مراجعة: (ابن الأثير: الكامل، ج ١١، ص ٥٨).
(٤) هكذا ضبطها ياقوت وقال إنها بليدة من نواحى حلب بالعواصم،
(٥) في الأصل لفظ «بن» زائدة بين «تاج الملوك» و«بورى».
[ ١ / ١٢٥ ]
بتدبير أمره معين الدين أنر مملوك جده، وكان الحكم له، وليس لمجير الدين إلا مجرد الاسم، ثم توفى معين الدين سنة أربع وأربعين وخمسمائة.
ولما كانت هذه السنة - وهى سنة سبع وأربعين وخمسمائة - نازل الفرنج عسقلان - وهى للمصريين - فأخذوها وكان نور الدين لما نازل العدو عسقلان يتأسف إذ لا يمكنه الوصول إليهم، ودفعهم عنها بسبب توسط دمشق بينه وبينهم، فلما ملكها العدو وقووا وطمعوا في ملك دمشق، واستضعفوا مجير الدين، وتابعوا الغارة على أعماله، وأكثروا القتل بها والنهب والسبى، وأفضى الأمر بالمسلمين إلى أن جعل الفرنج على دمشق قطيعة في كل سنة، وكان رسولهم يجئ ويجبيها من البلاد؛ ثم اشتد البلاء حتى أرسل الفرنج واستعرضوا عبيدهم وإماءهم الذين نهبوا من سائر بلاد النصرانية، وخيّروهم بين المقام عند مواليهم والعود إلى أوطانهم، فمن أحب المقام تركوه، ومن أحب وطنه سار إليه، وقلّت حرمة مجير الدين عند أهل دمشق إلى أن حصروه في القلعة مع إنسان من أكابر أهل البلد يقال له مؤيد الدين ابن الصوفى.
ولما اتصل ذلك بنور الدين لحقته الحميّة، وخاف من [٧٦] استيلاء العدو على بلاد المسلمين، وأهمّه أهل دمشق، وعمل الحيلة في ملكها حيث علم أنه إن قصدها ورام أخذها بالغلبة استمال صاحبها الفرنج واستعان بهم على حربه، فاستمال نور الدين حينئذ مجير الدين صاحبها ولاطفه وأظهر مودته وواصله بالهدايا والتحف حتى وثق به، ثم كان في بعض الأحيان يقول له: «إن فلانا من الأمراء قد كاتبنى في تسليم البلد إلىّ»، فيبعد مجير الدين ذلك الأمير ويأخذ إقطاعه، وفعل ذلك مرارا حتى أبعد مجير الدين عنه أكثر الأمراء، وبقى عنده أمير يقال له عطاء بن حفاظ السلمى، وكان شهما شجاعا، ففوّض إليه مجير الدين أمر دولته؛ وكان نور الدين
[ ١ / ١٢٦ ]
لا يتمكن معه مما يريد، فاتفق أن مجير الدين قبض عليه وقتله، فتم غرض نور الدين إلى دولته، وكاتب الأحداث بدمشق ووعدهم الإحسان إليهم واستمالهم إليه، ثم سار إلى دمشق وحصرها، فأرسل مجير الدين إلى الفرنج وبذل لهم الأموال، ووعدهم تسليم بعلبك إليهم إن نجدوه ورحّلوا نور الدين عنه؛ فجمعوا فارسهم وراجلهم، ولم يجتمع جمعهم إلا وقد تسلّم نور الدين البلد.
وكان صورة تسلمه له أن الأحداث ثاروا وفتحوا الباب الشرقى فدخله نور الدين وملك البلد، وحصر مجير الدين في القلعة، وراسله في التسليم، وبذل له إقطاعا من جملته حمص، فأجاب إلى ذلك، وسلم قلعة دمشق إلى نور الدين، وسار إلى حمص ثم إنه راسل أهل دمشق ليسلموا إليه البلد، وعلم نور الدين بذلك، فأخذ منه حمص، وسلّم إليه بالس، فلم يرضها، وسار عنها إلى بغداد وأقام بها، وابتنى دارا بالقرب من مدرسة النظامية، وتوفى بها، وصفت الممالك بالشام لنور الدين.
وذكر ابن الأثير أن فتح تل باشر كان في هذه السنة، وأن نور الدين بعث إلى حسّان - صاحب منبج - في أن يتسلمها فتسلمها.
وكنا حكينا عن ابن منقذ أن تسلمها كان في سنة ست وأربعين، وما ذكره ابن الأثير هو الأصح، فإنه ذكر أنه لما ورد عليه رسل النواب بتل باشر يبذلون التسليم إليه كان نور الدين نازلا على دمشق، ومنازلة الماء كانت في هذه السنة.