لما ملك قطب الدين الموصل كان أخوه نور الدين بحلب، وهو أكبر منه، فكاتبه بعض الأمراء وطلبوه إليهم، منهم المقدّم والد شمس الدين بن المقدّم، وكان دزدارا بسنجار (١) فسار نور الدين جريدة في سبعين فارسا من أكابر دولته، منهم الأمير أسد الدين شيركوه بن شاذى، ومجد الدين أبو بكر بن الداية، فوصل إلى ماكسين (٢) في ستة أنفس في يوم شديد المطر، ولم يعرفه الذين بالباب، فأرسلوا إلى الشحنة، وأخبروه أنه وصل نفر من الأجناد كأنهم تركمان، فلم يتم القاصد كلامه حتى وصل نور الدين، فحين رآه الشحنة قبّل يده وخرج عن الدار، فنزلها نور الدين حتى لحق به أصحابه، فسار مجدا إلى سنجار، فوصلها وليس معه إلا نفر يسير، ونزل ظاهر البلد وألقى نفسه على محفورة صغيرة من شدة تعبه، وأرسل إلى المقدّم دزدار القلعة يعرفه بوصوله، وكان المقدّم قد استدعى من الموصل، لأن
_________________
(١) ذكر ياقوت أنها مدينة مشهورة من نواحى الجزيرة بينها وبين كل من الموصل ونصيبين ثلاثة أيام، وهى في لحف جبل عال وفى وسطها نهر جار.
(٢) بلد بالخابور قريب من رحبة مالك بن طوق من ديار ربيعة. (ياقوت: معجم البلدان).
[ ١ / ١١٨ ]
مكاتبته لنور الدين كانت قد بلغتهم، فأرسلوا إليه، فتوقف عدة أيام فلم يصل إليه نور الدين، فسار إلى الموصل وترك ابنه شمس الدين محمد بسنجار، وقال له: «أنا أتأخر في الطريق، فإن وصل نور الدين فأرسل من يعلمنى»، فلما فارق سنجار وصل نور الدين، فلما علم شمس الدين بوصوله أرسل قاصدا إلى أبيه بالخبر، وأنهى الحال إلى نور الدين، فخاف فوات الأمر ووصل القاصد الذى سيّره شمس الدين ابن المقدّم إلى أبيه، فأدركه بتلّ يعفر (١)، فعاد إلى سنجار وسلمها إلى نور الدين، وكاتب الأمير فخر الدين قر أرسلان بن داوود بن سقمان بن أرتق صاحب حصن كيفا (٢) يستنجده، وبذل له قلعة الهيثم، فسار إليه، فلما سمع قطب الدين الخبر جمع العساكر، وسار نحو سنجار، ونزل بتل يعفر.