بين الفرنج والروم حتى رحلوا خائبين
قد ذكرنا منازلة الروم والفرنج شيزر، ونزول عماد الدين زنكى - ﵀ - على العاصى بالقرب منهم، ثم إنه أرسل إلى ملك الروم يقول له: «إنكم قد تحصنتم منى بهذه الجبال، فانزلوا منها إلى الصحراء حتى نلتقى، فإن ظفرت بكم أرحت المسلمين منكم، وإن ظفرتم بى استرحتم وأخذتم شيزر وغيرها»؛ ولم يكن لعماد (١) (٢) الدين بهم طاقة ولا قوة، وإنما كان يوهمهم بهذا القول وأشباهه، فأشار الفرنج على ملك الروم بمصافقته (٣) [٤٨] وهوّنوا أمره عليهم، فلم يفعل، وقال: «أتظنون أنه ليس له من العسكر إلا ما ترون؟ وإنما يريد أنكم تلقونه فيجىء إليه من [نجدات] (٤) المسلمين ما لاحد عليه».
وكان أيضا عماد الدين يرسل إلى ملك الروم يوهمه بأن فرنج الشام خائفون منه، فلو فارق مكانه لتخلوا عنه، ويرسل إلى فرنج الشام يخوّفهم من ملك الروم، ويقول لهم:
_________________
(١) في س: «تحديد».
(٢) في الأصل: «بعماد»، وما هنا عن س (ص ٦ ا).
(٣) في (اللسان): «أصفقوا على الأمر اجتمعوا عليه، وأصفقوا على الرجل كذلك».
(٤) ما بين الحاصرتين عن: س (ص ١٦)، (ابن الأثير، ج ١١، ص ٢٢).
[ ١ / ٨١ ]
«إن ملك بالشام حصنا واحدا ملك بلادكم جميعا»؛ فاستشعر كلّ من صاحبه، فرحل ملك الروم (١) من شيزر في هذه السنة، وترك المجانيق وآلات الحصار بحالها، فاتبع عماد الدين ساقة العسكر، فظفر بجماعة منهم، وأخذ جميع ما تركوه، ورجع ملك الروم خائبا إلى بلاده.
وفى خروج ملك الروم إلى الشام وحلب وعوده عنها خائبا يقول المسلم (٢) ابن خضر بن قسيم الحموى قصيدة يمدح بها الأمير عماد الدين زنكى - ﵀ -.
أولها:
بعزمك أيّها الملك الرّحيم تذلّ لك الصّعاب وتستقيم
[ومنها يقول (٣)]:
ألم تر أنّ كلب الرّوم لمّا تبيّن أنّك الملك الرّحيم
فجاء يطبّق الفلوات جيشا (٤) كأنّ الجحفل اللّيل البهيم
وقد نزل الزّمان على رضاه وكان (٥) لخطبه الخطب العظيم
فحين رميته بك (٦) في خميس تيقّن أنّ ذلك لا يدوم
_________________
(١) كان امبراطور الدولة البيزنطية في هذه السنة (٥٣٢ - ١١٣٨) هو الامبراطور يوحنا الثانى كالوجوهانيز Calojohannes [١١١٨ - ١٥٤٣]؛ انظر كتاب (الامبراطورية البيزنطية، تأليف نورمان بينز، وترجمة الدكتور حسين مؤنس، والأستاذ محمود يوسف زايد، ص ٤٠١).
(٢) لم أعثر على ترجمة مفصلة لهذا الشاعر، وإنما ذكر (الصابونى، تاريخ حماة، ص ١٠٠) أنه كان من الشعراء المجيدين، وأنه توفى سنة ٥٣٤، ثم استشهد بهذه الأبيات المذكورة هنا.
(٣) ما بين الحاصرتين عن: س (ص ٦ ا)، (ابن الأثير، ج ١١، ص ٢٣).
(٤) كذا في الأصل، وهى في: س (ص ٦ ا): «حينا»، وفى (ابن الأثير): «خيلا».
(٥) كذا في الأصل وفى س، وهى في (ابن الأثير): «ودان».
(٦) كذا في الأصل وفى ابن الأثير، وهى في س: «لك».
[ ١ / ٨٢ ]
وأبصر في المفاضة منك ليثا (١) فأخرق لا يسير ولا يقيم
كأنّك في العجاج شهاب نور توقّد وهو شيطان رجيم
أراد بقاء مهجته فولّى وليس سوى الحمام له حميم
ولما رجع ملك الروم وصل إلى عماد الدين زنكى رسول الخليفة الإمام المقتفى لأمر الله أمير المؤمنين، وهو مؤيد الدين سديد الدولة بن الأنبارى - كاتب الإنشاء ورسول السلطان مسعود - بالخلع، فلبس خلعة الخليفة والسلطان وركب بهما، وذلك بظاهر مدينة حمص يوم عرفة [٤٩] من هذه السنة - أعنى سنة اثنين وثلاثين وخمسمائة - ودخل بزمرد خاتون أم الأمير شهاب الدين محمود، صاحب دمشق - كما تقدم -.
وفى المحرم سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة وصل الأمير عماد الدين - ﵀ - إلى حلب، واستقر أهلها وأهل حماة وأهل منبج على حصن بزاعة حتى فتحه بالسيف [وقتل كل من فيه من الروم والفرنج (٢)] وجمعت رؤوس القتلى وبنيت منها منارة أذّن عليها؛ ثم تحول بالعسكر إلى حصار قلعة الأثارب ففتحها في صفر، ثم توجه إلى البلاد الشرقية.
وفى هذه السنة نازل عماد الدين قلعة دارا، وهى للأمير حسام الدين تمرتاش [ابن] ايلغازى بن أرتق (٣) [فلم ينل منها طائلا، وخاف على المسلمين، ثم رحل منها إلى حرّان (٢)].
_________________
(١) في س: «ليث» ومعظم الكلمات الأخرى غير منقوطة، أما في (ابن الأثير) فالنص يختلف، وهو: وأبصر في المغاضة منك جيشا فاحرب لا يسير ولا يقيم
(٢) ما بين الحاصرتين زيادات عن س (ص ٦ ب).
(٣) في الأصل: «برتق» والتصحيح عن س، وحسام الدين ثانى أمير من فرع الأراتقة الذين حكوا ماردين، وليها من سنة ٥١٦ إلى سنة ٥٤٧. أنظر: (Zambaur. Manuel de Genealogie et de Chronologie pour l'Histoire de l'Islam . P. ٢٢٨).
[ ١ / ٨٣ ]