إلى السلطان مسعود في معنى الروم واستنجاده [به (١)] عليهم
ولما كان الروم على بزاعة أرسل الأمير عماد الدين زنكى القاضى كمال الدين أبا الفضل محمد بن عبد الله بن القاسم الشهرزورى إلى السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه يستنجده ويطلب منه العساكر، فقال [القاضى (١)] لعماد الدين حين أرسله: «أخاف (٢) أن تخرج البلاد من أيدينا ويجعل السلطان هذا حجة [علينا (١)]، وينفذ العساكر، فإذا توسطوا البلاد ملكوها». فقال الأمير عماد الدين: «إن هذا العدو قد طمع في البلاد، وإن أخذ حلب لم يبق بالشام إسلام، وعلى كل حال فالمسلمون أولى من الكفار بها» قال كمال الدين: [فسرت طالب بغداد، وجديت في السير (٣)]، فلما وصلت بغداد [وحضرت قدام السلطان (٣)] وأديت الرسالة بإنفاذ العساكر، وأنا أخاطب ولا أزاد على الوعد [شيئا (٣)]، فلما رأيت قلة اهتمام السلطان بهذا الأمر العظيم أحضرت فلانا - وهو فقيه كان ينوب عنى في القضاء - فقلت [له]: «خذ هذه الدنانير وفرقها في جماعة من أوباش بغداد والأعاجم، وإذا كان يوم الجمعة وصعد الخطيب المنبر بجامع القصر قاموا وأنت معهم واستغاثوا بصوت واحد: «وا إسلاماه! وا دين محمداه!»
_________________
(١) ما بين الحاصرتين عن س (ص ٤ ب).
(٢) هذا الحديث بين القاضى وعماد الدين غير مثبت في (ابن الأثير) ويلاحظ أن نصى ابن واصل وابن الأثير ينفقان في معظمهما، وقد يختلفان إيجازا وإطنابا، وسقوط هذا الحديث مثل لذلك. والأمثلة بعد هذا كثيرة مما يرجح رأينا أن المؤرخين ينقلان عن مرجع آخر لا نعرفه.
(٣) ما بين الحاصرتين زيادات عن: س (ص ٥ ا).
[ ١ / ٧٩ ]
ويخرجون من الجامع ويقصدون دار السلطان مستغيثين؛ ثم وضعت إنسانا آخر فعل ذلك في جامع السلطان؛ فلما كانت الجمعة وصعد الخطيب المنبر قام ذلك الفقيه وشق ثوبه وألقى عمامته عن رأسه، وصاح، وتبعه ذلك النفر بالصياح والبكاء، فلم يبق في الجامع إلا من قام وبكى، وبطلت الخطبة، وسار الناس كلهم إلى دار السلطان؛ وقد فعل أولئك الذين بجامع السلطان مثلهم، فاجتمع أهل بغداد وكل من بالعسكر عند دار السلطان يبكون ويصرخون ويستغيثون، وخرج الأمر عن الضبط، وخاف السلطان في داره [٤٧] وقال: «ما الخبر؟» فقيل: «إن الناس قد ثاروا حيث لم ترسل العساكر إلى الغزاة (١)»، فقال: «أحضروا [القاضى] ابن الشهرزورى»، قال: فحضرت عنده وأنا خائف منه، إلا أننى قد عزمت على صدقه وقول الحق.
فلما دخلت قال: «يا قاضى، ما هذه الفتنة؟» فقلت: «إن الناس قد فعلوا هذا خوفا من الفتنة والشر، ولا شك أن السلطان لم يعلم كم بينه وبين العدو، وإنما بينكم نحو أسبوع، وإن أخذوا حلب انحدروا إليكم في الفرات وفى البر، وليس بينكم بلد يمنعهم عن بغداد»، وعظّمت الأمر عليه حتى كأنه ينظر إليه؛ فقال: «اردد هؤلاء العامة عنا، وخذ من العساكر ما شئت، والأمداد تلحقك». قال: «فخرجت إلى العامة ومن انضم إليهم، وعرفتهم الحال، وأمرتهم بالعود، فعادوا وتفرقوا، وانتخبت (٢) من عسكره عشرة آلاف فارس [من خيار العسكر (٣)]، وكتبت إلى الشهيد أعرفه الخبر وأنه لم يبق غير المسير، وأجدد استئذانه في ذلك، فأمرنى بتسييرهم والحث على ذلك، وعبرت بالعساكر الجانب الغربى، فبينما نحن
_________________
(١) في س (ص ٥ ب): «العراق» وهو خطأ واضح.
(٢) في الأصل: «وانتخب»، وما هنا عن س.
(٣) ما بين الحاصرتين زيادة عن س (ص ٥ ب).
[ ١ / ٨٠ ]
نتجهز للحركة، وإذا قد وصل نجّاب من الشهيد يخبر بأن الروم والفرنج رحلوا عن حلب خائبين لم ينالوا منها غرضا، ويأمرنى بترك استصحاب العساكر؛ فلما خاطبت السلطان في ذلك أصرّ على إنفاذ العساكر إلى الجهاد وقصد بلاد الفرنج وأخذها، وكان قصده أن تطأ عساكره البلاد ويملكها، ولم أزل أتوصل مع الوزير وأكابر الدولة حتى أعدت العساكر إلى الجانب الشرقى، وسرت إلى الشهيد».