وفى هذه السنة - أعنى سنة اثنتين وستين وخمسمائة - سار قطب الدين مودود ابن عماد الدين زنكى إلى أخيه الملك العادل نور الدين محمود، وجمعا العساكر
_________________
(١) أضاف (ابن الأثير: الكامل، ج ١١، ص ١٢٢) و(أبو شامة: الروضتين، ج ١ ص ١٤٣) نصا آخر هاما من نصوص هذه المعاهدة، وهو: «ويكون لهم من دخل مصر كل سنة مائة ألف دينار».
[ ١ / ١٥٢ ]
ودخلا بلاد الفرنج، فاجتازوا على حصن الأكراد (١)، فأغاروا ونهبوا وسبوا، ونزلوا عرقة، وحاصروا حلبة، وأخذوها وخربوها، وسارت العساكر إلى بلادهم يمينا وشمالا تغير وتخرب؛ وفتحوا العزيمة وصافيثا، وعادوا إلى حمص، فصاموا بها رمضان، ثم ساروا إلى بانياس، وقصدوا حصن هونين، فانهزم الفرنج عنه، فأخربوه، فوصل إليه نور الدين من الغد، فهدم سوره جميعه، وأراد الدخول إلى بيروت، فتجدد في العساكر خلف أوجب التفرق؛ وعاد قطب الدين إلى الموصل فأعطاه نور الدين الرقة.
وفى هذه السنة عصى غازى بن حسّان المنبجى بمنبج (٢)، وكانت قد صارت له بعد أبيه إقطاعا من نور الدين، فسيّر إليه عسكرا فحصروه، وأخذها منه، وأقطعها أخاه قطب الدين، فأعطاها ينال بن حسّان، فبقى فيها إلى أن أخذها منه صلاح الدين سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة.
وفيها توفى فخر الدين قرا أرسلان (٣) بن داوود بن سقمان بن أرتق - صاحب حصن كيفا - وأكبر ديار بكر، ولما اشتد مرضه أرسل إلى الملك العادل نور الدين يقول له: «بيننا صحبة في جهاد الكفار، أريد أن ترعى بها ولدى»؛ ثم توفى
_________________
(١) حصن منيع على الجبل الذى يقابل حمص من جهة الغرب وهو جبل الجليل، وذكر (ياقوت) أن بعض أمراء الشام كان قد بنى في موضعه برجا وجعل فيه قوما من الأكراد طليعة بينه وبين الفرنج، وأجرى لهم أرزاقا، فتدبروها بأهاليهم ثم خافوا على أنفسهم في غارة فجعلوا يحصنونه إلى أن صار قلعة حصينة منعت الفرنج عن كثير من غاراتهم فنازلوه فباعه الأكراد منهم ورجعوا إلى بلادهم وملكه الفرنج. ثم يقول: وبينه وبين حمص يوم. انظر أيضا: (G .Demombynes: La Syrie a l'Epoque des Mamelouks . P. ١١٢).
(٢) إحدى مدن العواصم، وذكر (ياقوت) أنها مدينة كبيرة كان عليها سور مبنى بالحجارة بينها وبين الفرات ثلاثة فراسخ وبينها وبين حلب عشرة فراسخ.
(٣) ولى حكم حصن كيفا من سنة ٥٣٩ إلى سنة ٥٦٢ هـ. انظر: (Zambaur: Op.Cit . P. ٢٢٨) .
[ ١ / ١٥٣ ]
فملك بعده ولده نور الدين (١) محمود بن قرا أرسلان، فقام الملك العادل نور الدين بنصرته والذبّ عنه، فأراد قطب الدين مودود بن زنكى - صاحب الموصل - قصده، فأرسل إليه أخوه نور الدين ومنعه، وقال: «إن قصدته أو تعرضت إلى بلاده منعتك قهرا»، فامتنع من قصده.