ثم سار الأمير عماد الدين من حمص ونازل بارين - وهى للفرنج بالقرب من مدينة حماة -، وزحف إليها، فحشد الفرنج فارسهم وراجلهم، وساروا إلى عماد الدين
_________________
(١) هذه الفقرة السابقة لهذا الرقم كلها استطراد من ابن واصل لتفصيل هذه الحقبة من تاريخ حمص، وهو استطراد هام للغاية إذ لا يوجد له شبيه في كل المراجع التي تؤرخ لهذا العصر، وهذه ميزة لابن واصل ولكنا به فقد اعتاد أن يقف طويلا وأن يتحدث تفصيلا كلما ورد ذكر مدينة من مدن الشام الشمالية، وخاصة المدن الهامة الثلاثة: حماة - وطنه الأصلى -، وحمص، وحلب.
(٢) في الأصل: «أتز» أنظر ما فات هنا، ص ٩، هامش ٤
(٣) في (س): «عماد الدين إليها ليسلموها»، وما هنا يتفق ونص ابن الأثير (ج ١١، ص ١٩)
(٤) في (س): «عن إذنه» وما هنا يتفق ونص ابن الأثير.
(٥) في الأصل: «ماردين» وهو خطأ، والتصحيح عن: (س) و(ابن الأثير)؛ أنظر أيضا النص فيما يلى. وهى في (ابن الأثير، ج ١١ ص ٢٠): «بعرين»؛ والرسمان صحيحان، وإنما بعرين هو ما تستعمله العامة، وبارين تقع بين حماة وحلب، (ياقوت: معجم البلدان).
[ ١ / ٧٢ ]
في ملوكهم وقمامصتهم (١) وكنودهم (١) ليرحلوه عن بارين فلقيهم وقاتلهم أشد قتال، وصبر الفريقان، فهزم الفرنج، وأخذتهم سيوف المسلمين من كل جانب، فاحتمى ملوكهم وفرسانهم بحصن بارين - لقربه منهم -، فحصرهم المسلمون، ومنع عماد الدين منهم كل شىء، وتعذر وصول الأخبار إليهم، ودخلت القسوس والرهبان بلاد الروم والفرنج وما والاها من بلاد النصرانية، مستنصرين على المسلمين، وأعلموهم أن زنكى إن أخذ حصن بارين ومن فيها من الفرنج ملك جميع بلادهم في أسرع وقت لعدم المحامى عنها، وأن همة المسلمين مصروفة إلى فتح بيت المقدس، فحشدت النصرانية وجمعت، وقصدوا الشام مع ملك قسطنطينية.
وجدّ عماد الدين في حصار بارين، وعدمت عندهم الذخائر حتى أكلوا الدواب، فأذعنوا بالتسليم ليؤمنهم ليعودوا إلى بلادهم، فلم يجبهم [إلى ذلك (٢)] فلما سمع بقرب ملك الروم واجتماعه بمن بقى من الفرنج أعطاهم الأمان، وتسلم منهم الحصن،
_________________
(١) يتردد ذكر «القومص» كثيرا في الكتب العربية التي أرخت للحروب الصلبية كالروضتين لابى شامة والكامل لابن الأثير، وهو تعريب حرفى للفظة اللاتينية (Comes) أي الأمير، ومعناها الأصلى في اللاتينية «الرفيق» لأنه كان في بادىء الأمر يرافق الملك في حروبه وتنقلاته، ثم سمى بالأمير، وقد تختلف المراجع في رسم هذا للفظ، فهو القمّس، أو القومس أو القمّص، أو القومص؛ وهم تارة يؤنثونه فيقولون: القومصيّة، أو القومصة، وكما اختلفت المراجع في رسم المفرد اختلفت أيضا في رسم الجمع، فهو عندهم: قمامس، وقمامسة، وقمامصة، وقوامص؛ ولفظة (Comes) هى التي حورت في اللغة الفرنسية إلى (Comte) وهذه هى ما اعتادت نفس المراجع أن تعربها إلى «كد»؛ واختلفوا في رسم هذا اللفظ أيضا فهو عندهم: كند، وقند، وهم يجمعونهم على كنود. وهو عين اللفظ الذى اعتاد الكتاب المحدثون أن يرسموه هكذا «كنت» أو «كونت»، ومعنى اللفظين واحد وهو الأمير، وإنما الأول مأخوذ عن اللاتينية (Comes) والثانى عن الفرنسية (Comte) أنظر: (الأب انستاس مارى الكرملى: ألقاب الشرف والتعظيم عند العرب، مجلة الرسالة، العدد ٤١١، ١٩ مايو سنة ١٩٤١).
(٢) ما بين الحاصرتين عن (س) و(ابن الأثير).
[ ١ / ٧٣ ]
وقرر عليهم خمسين ألف دينار [٤٣] يحملونها (١) إليه، ووقعت الإجابة إلى ذلك، فلما فارقوا الحصن وتحققوا خروج ملك الروم لنصرتهم ندموا حيث لم ينفعهم الندم (٢)