على دبيس بن صدقة المزيدى (٥) صاحب الحلّة (٦)
وكان السلطان محمود قدم بغداد سنة ثلاث وعشرين من عند عمه السلطان سنجر بن ملكشاه - صاحب خراسان -، ومعه الأمير دبيس بن صدقة، ليصلح
_________________
(١) ذكر (ابن الشحنة، ص ١٦٩) أنها كانت من أعمال حلب ولها قلعة معمورة وبساتينها كثيرة.
(٢) ذكر (ياقوت: معجم البلدان) أنها كانت قلعة معروفة بين حلب وأنطاكية، بينها وبين حلب نحو ثلاثة فراسخ، ثم قال: وهذه القلعة الآن (القرن السابع الهجرى) خراب وتحت جبلها قرية تسمى باسمها.
(٣) هذه ثانى مرة يشير فيها ابن واصل إلى مرجع من المراجع التي أخذ عنها، انظر ما فات هنا ص ٣، وفى (ابن الأثير: ج ١٠، ص ٢٨٢) تفاصيل وافية عن فتح عماد الدين زنكى لحصن الأثارب في سنة ٥٢٤ هـ.
(٤) لم تشر المراجع المختلفة إلى استيلاء عماد الدين على هذه القلعة، ولهذا لم أتمكن من ضبطها.
(٥) في الأصل: «الزيدى»، وقد ضبط الاسم كله بعد مراجعة: (ابن القلانسى، ص ٢٠٢، ٢٠٥ - ٢١٠، ٢٣٠، ٢٥١) و(Zambour .Op .Cit . P. ١٣٧) وقد حكمت أسرة مزيد الأسدى مدينة الحلة ابتداء من سنة ٤٠٣، أما دبيس المذكور هنا فهو نور الدولة دبيس الثانى أبو العز بن سيف الدولة صدقة الأول المزيدى، حكم الحلة من سنة ٥٠١ إلى ذى الحجة سنة ٥٢٩، وقد قتل في أوائل سنة ٥٣٠، قتله السلطان مسعود بن محمد السلجوقى.
(٦) عرفها (ياقوت: معجم البلدان) بقوله: الحلة علم لعدة مواضع، وأشهرها حلة بنى مزيد، مدينة كبيرة بين الكوفة وبغداد، كانت قبل تسمى الجامعين، وكان أول من عمرّها ونزلها سيف الدولة صدقة بن منصور بن دبيس بن على بن مزيد الأسدى.
[ ١ / ٤٣ ]
بينه وبين الخليفة المسترشد بالله، فتأخّر دبيس عن السلطان، ثم وصل دبيس، ونزل بدار السلطان، فاسترضى السلطان الخليفة عنه، فامتنع أن يولّى دبيس [٢٥] شيئا من الأعمال، وبذل الخليفة للسلطان مائة ألف دينار لأجل ذلك، وبلغ الأمير عماد الدين أتابك زنكى أن السلطان قد عزم على تولية دبيس الموصل، فسافر إلى خدمة السلطان - كما قدمنا -، ولم يشعر السلطان به إلا وهو عند الستر، وبذل الجملة العظيمة التي ذكرناها، وخلع عليه، وأعيد إلى بلاده - كما ذكرنا -.
ثم رحل السلطان عن بغداد، ومرض، وبلغ دبيسا (١) مرضه، فطمع وجمع جمعا كثيرا، وقصد الحلّة، وكان بها بهروز - شحنة بغداد -، فهرب، ودخلها دبيس، فعاث في البلاد، فسيّر إليه السلطان [آق سنقر (٢)] الأحمد يلى ليكف شره، فأرسل دبيس يستعطف الخليفة، وقال: «إن رضيت عنى رددت أضعاف ما أخذته»، وترددت الرسل في ذلك، ودبيس يجمع ويحشد، فاجتمع إليه عشرة آلاف فارس؛ ثم سار السلطان إلى بغداد فأهدى له دبيس هدايا جليلة، من جملتها ثلاثمائة حصان منعولة بالذهب، ومائتا ألف دينار ليرضى عنه الخليفة والسلطان، فلم يجب إلى ذلك.
ولما دخل السلطان بغداد قصد دبيس البصرة، وأخذ منها أموالا جليلة، فسيّر إليه [السلطان] عشرة آلاف فارس، ففارق البصرة، ودخل البرية، وسار متوجها إلى الشام، فقيل إنه قصد قلعة صرخد، لأن سريّة (٣) لصاحبها
_________________
(١) في الاصل: «دبيس».
(٢) أضيف ما بين الحاصرتين عن (ابن القلانسى، ص ٢٣٨).
(٣) ذكر (ابن الأثير: ج ١٠، ص ٢٨٤) أن صاحب صرخد توفى في هذه السنة وكان خصيا، وخلف جارية سرية له فاستولت على القلعة وما فيها، وعلمت أنها لا يتم لها ذلك إلا بأن تتصل برجل له قوة ونجدة، فوصف لها دبيس بن صدقة وكثرة عشيرته، وذكر لها حاله وما هو عليه بالعراق، فأرسلت تدعوه إلى صرخد لتتزوج به وتسلم القلعة وما فيها من مال وغيره إليه، فأخذ الأدلاء معه وسار من العراق إلى الشام، فضل به الأدلاء بنواحى دمشق.
[ ١ / ٤٤ ]
كتبت إليه وأطمعته فيها، وضلّ به الأدلاء الطريق بنواحى دمشق، فنزلت (١) بناس من كلب كانوا شرقى الغوطة، فقبضوا عليه، وحملوه إلى تاج الملوك بورى ابن طغتكين - صاحب دمشق - فحبسه عنده، وبلغ ذلك عماد الدين زنكى، فأرسل إلى تاج الملوك يطلب دبيسا، على أن يطلق ولده بهاء الدين سونج ومن عنده من المأسورين، فإنه إن امتنع من تسليمه سار إلى دمشق وحصرها، فأجابه تاج الملوك إلى ذلك، فأرسل دبيسا، وأرسل إليه عماد الدين بهاء الدين سونج وأصحابه، وتسلّم عماد الدين دبيس بن صدقة، فأحسن إليه عماد الدين، ودفع إليه من الأموال والسلاح ما لم يكن في ظن دبيس.
فأرسل [٢٦] الخليفة المسترشد بالله لما سمع بالقبض على دبيس سديد الدولة ابن الأنبارى (٢) وأبا بكر بن بشر الجزرى (٣)، يطلبان من تاج الملوك دبيسا، لما بينه وبين الخليفة من العداوة، فسمع سديد الملك - وهو في الطريق - بمصير دبيس إلى عماد الدين، فسار إلى دمشق ولم يرجع، ووقع في عماد الدين وذمّه، واستخف به، وبلغ ذلك عماد الدين فأرسل إلى طريقه من يأخذهما إذا عادا، فلما رجعا من دمشق قبضوا عليه (٤) وعلى ابن بشر، وحملوها إليه فأطلق ابن بشر، وسجن ابن الأنبارى ثم أطلقه.
وكان مصير دبيس إلى عماد الدين سنة خمس وعشرين وخمسمائة. وفيها مات السلطان محمود بن محمد.
_________________
(١) الضمير هنا يعود على الأدلاء.
(٢) هو سديد الدولة أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم بن الأنبارى، كان كاتبا للخليفة المسترشد؛ أنظر: (ابن القلانسى، ص: ٢٣١، ٢٣٢، ٢٤٩، ٢٥٠، ٢٦٠).
(٣) ذكر (ابن الأثير: ج ١٠، ص ٢٨٥) أنه سمى هكذا نسبة إلى موطنه جزيرة ابن عمر.
(٤) الضمير هنا عائد على ابن الأنبارى.
[ ١ / ٤٥ ]
وكان الأمير عماد الدين زنكى قد عبر الفرات (١)، ووصل إلى مدينة حلب في أول شوال، ثم توجه إلى حمص، فحاصرها يوما واحدا، وتوجه نحو أطراف الشام، وتسلم دبيسا، وأطلق سونج - كما ذكرنا - وبلغه وفاة السلطان وهو بالقريتين (٢) - من عمل حمص - لأربع عشرة بقيت من شوال، فسمع عماد الدين ودبيس بن صدقة - (٧) وكان عنده ولدان للسلطان (٣) محمود - أحدهما ألب أرسلان الخفاجى ويكنى أبا طالب وهو الذى جعله (٤) السلطان أتابكه - وقد ذكرناه (٥) - والآخر (٦) عند دبيس (٧).
فأرسل الأمير عماد الدين إلى الخليفة المسترشد بالله يسومه أن يخطب ببغداد لأبى طالب ألب أرسلان بن السلطان محمود، فاعتذر المسترشد بالله بأنه صبى، وأن السلطان عهد بالسلطنة لولده داوود بن محمود - وهو بأصبهان - وقد وردت رسل الأطراف بالخطبة له، ونحن منتظرون كتاب السلطان سنجر بن ملكشاه، فإنه عمّ القوم.
_________________
(١) في الأصل «الفراة».
(٢) «القريتان» قرية كبيرة من أعمال حمص في طريق البرية بينها وبين سخنة وأرك، أهلها كلهم نصارى (ياقوت: معجم البلدان).
(٣) في الأصل: «السلطان» وقد صححت كما بالمتن ليتضح المعنى.
(٤) الضمير هنا عائد على عماد الدين زنكى، والمقصود أن السلطان جعل عماد الدين أتابكا لابنه أبى طالب ألب أرسلان الخفاجى.
(٥) أنظر ما فات، ص ٣٣
(٦) لم يذكر اسم الابن الثانى، والمعروف أن السلطان محمودا كان له أولاد خمسة: ألب أرسلان وفروخ زاد، وداود، وملك شاه الثانى، ومحمد. أنظر القوائم الملحقة بكتاب (Zambaur) .
(٧) هذه الجملة لا زالت مضطربة المعنى، ولم أستطع تقويمها أكثر من ذلك، فهى مما اعتاد ابن واصل زيادته عند النقل عن غيره رغبة في التعريف والايضاح.
[ ١ / ٤٦ ]