ولد السلطان بعد قتل عماد الدين
قد تقدم ذكرنا أن الملك ألب أرسلان بن السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه السلجوقى - الذى كان عماد الدين أتابكة - قتل نصير الدين في الموصل، وطمع في الاستيلاء على البلاد، وأن القاضى تاج الدين بن الشهرزورى خدعه حتى صعد
_________________
(١) ما بين الرقمين ساقط من س، وقد أضيف ما بين الحاصرتين ليستقيم به المعنى بعد مراجعته على: (الروضتين، ج ١، ص ٤٤).
(٢) في س: «أصحاب».
(٣) في الأصل: «فيواسونه»، وما هنا عن س (١١٠ ا) و(الروضتين، ج ١، ص ٤٤).
(٤) يذكر صاحب الروضتين (ج ١، ص ٤١) تصحيحا لهذا الاسم فيقول: «وقد وهم (أي ابن الأثير) في قوله: ألب آرسلان المعروف بالخفاجى، فالخفاجى غير ألب آرسلان على ما ذكره العماد الكاتب في كتاب السلجوقية، فانه قال: كان مع زنكى ملكان من أولاد السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه، أحدهما يسمى ألب آرسلان وهو في معقل من معاقل سنجار، والآخر يسمى فرخشاه ويعرف بالملك الخفاجى وهو بالموصل. . . إلخ».
[ ١ / ١٠٦ ]
إلى القلعة واعتقل بها، فلما قتل عماد الدين كان في صحبة الملك ألب أرسلان فركب واجتمعت العساكر عليه وخدموه، فأرسل الوزير جمال الدين الأصفهانى إلى الأمير صلاح الدين الياغيسيانى (١) يقول: «المصلحة أن نترك ما كان بيننا وراء ظهورنا - وكان بينهما مشاحنة - ونسلك طريقا تبقى به البلاد والملك في أولاد صاحبنا، فإن الملك ألب أرسلان قد طمع في البلاد، واجتمعت عليه العساكر، وإن لم نتلاف هذا الأمر في أوله ونتداركه في ابتدائه اتسع الخرق، ولم يمكن رقعه» (٢)
فأجابه صلاح الدين إلى ذلك، وحلف كل واحد منهما لصاحبه، فركب الوزير جمال الدين [٦٣] إلى الملك [ألب أرسلان] (٣)، وضمن له فتح البلاد، وأطمعه فيها ومعه صلاح الدين، وقالا له: «إن [عماد الدين] أتابك كان نائبا عنك في البلاد، وباسمك كنا نطيعه». فصدقهما، وقربهما طمعا في أن يكونا عونا له على تحصيل غرضه، وأرسلا إلى الأمير زين الدين على كوجك بن بكتكين صاحب إربل - وهو النائب عن عماد الدين بالموصل - يعرفانه قتل الشهيد عماد الدين، ويأمرانه أن يرسل إلى الأمير سيف الدين غازى بن زنكى وهو ولده الأكبر - وكان بشهرزور وهى إقطاعه من أبيه - ليحضر إلى الموصل ويملكها (٤)، ففعل زين الدين ذلك، وأرسل إلى سيف الدين واستقدمه، فقدم إلى الموصل وتسلمها (٤).
وكان نور الدين أبو القاسم محمود بن زنكى لما قتل أبوه في العسكر (٥) أخذ خاتمه من يده، وسار إلى حلب فملكها، واتفق صلاح الدين الياغيسيانى - صاحب حماة - والوزير جمال الدين محمد بن على الأصفهانى على حفظ دولة ولد عماد الدين،
_________________
(١) في الأصل: «الباغيسانى»، أنظر ما فات، ص ١٠٤، هامش ٢
(٢) في س (١١٠ ا): «رفوه».
(٣) ما بين الحاصرتين عن س (١١٠ ب).
(٤) هذا اللفظ ساقط من س.
(٥) في س (١١٠ ب): «المعسكر».
[ ١ / ١٠٧ ]
والمكر بالملك ألب أرسلان السلجوقى، وحسّنا له الاشتغال بالشرب والمغنيات، وقال جمال الدين للملك [ألب أرسلان (١)]: «إن من الرأى أن تسيّر الصلاح إلى مملوكك نور الدين بحلب يدبّر أمره»، فأذن له [فسار (١)]، وبقى جمال الدين وحده مع الملك فأخذه وقصد [به (١)] الرقة، واشتغل فيها بشرب الخمر والخلوة بالنساء والمغنيات؛ وأراد أن يعطى الأمراء شيئا فمنعه خوفا أن تميل قلوبهم إليه، وقال (٢): «لهم منك الإقطاع الجزيل والنعم الوافرة».
وشرع جمال الدين يستميل العسكر (٣) ويحلفهم لسيف الدين غازى بن عماد الدين واحدا بعد واحد، وكل من حلف يأمره بالمسير إلى الموصل هاربا من الملك، وأقام الملك بالرقة عدة أيام، ثم سار إلى ماكسين، فتركه (٤) بها عدة أيام مشتغلا بلذاته عن طلب الملك، ثم سار به نحو سنجار، ولما استقر قدم سيف الدين بالموصل قوى جنان جمال الدين، ووصل هو والملك ألب أرسلان إلى سنجار، وأرسل إلى دزدارها وقال له: [٦٤] «لا تسلم البلد، ولا تمكن أحدا من دخوله، ولكن أرسل إلى الملك وقل له: «أنا تبع الموصل، فمتى دخلت الموصل سلمت إليك». ففعل الدزدار ذلك.
وقال جمال الدين للملك [ألب أرسلان]: «المصلحة أنا نسير إلى الموصل، فإن مملوكك غازى إذا سمع بقربنا منه خرج إلى الخدمة، فحينئذ نقبض عليه ونتسلم البلاد»، فساروا عن سنجار، وكثر رحيل العسكر إلى الموصل هاربين من الملك،
_________________
(١) ما بين الحاصرتين عن س.
(٢) كذا في الأصل، وفى (الروضتين، ج ١، ص ٤٧)، أما نص س (١١٠ ب فمختلف قليلا وهو: «. . . قال: فطلبوا الامرا من الملك ألب أرسلان مال (كذا)، قال: وجعل يقول للأمراء: لكم الاقطاع والنعم الوافرة».
(٣) في س: «قلوب العساكر».
(٤) في س (١١١ ا): «فنزل».
[ ١ / ١٠٨ ]
فبقى في قلة من العسكر، فساروا (١) إلى [مدينة (٢)] بلد، وعبر الملك ألب أرسلان دجلة من هناك، ودخل الوزير جمال الدين الموصل، وأرسل الأمير عز الدين أتابك الدبيسى (٣) في عسكر إلى الملك ألب أرسلان - وهو في نفر يسير - فأخذه وأدخله الموصل، فكان آخر العهد به، فذكر أنه خنق بوترقوس.
واستقر الملك بالموصل لسيف الدين غازى بن زنكى، وأقر الأمير زين الدين على كوجك (٤) على ما كان عليه من ولاية الموصل، ومعه جمال الدين محمد بن على - وزيره -، وأرسلوا إلى السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه، فاستحلفوه لسيف الدين [غازى]، فحلف له وأقرّه على البلاد، وأرسل إليه الخلع؛ وقد ذكرنا أنه كان في خدمته في حياة أبيه، وكان السلطان مسعود يحبه ويأنس به، فلم يتوقف في تقرير البلاد له والحلف له.