ولما كانت سنة ثمان وخمسين وخمسمائة وصل أمير الجيوش أبو (٦) شجاع شاور ابن مجير السعدى إلى دمشق، وذلك لست مضين من ربيع الأول، مستنصرا بنور الدين على ضرغام بن سوّار الملقب بالمنصور، وكان تغلب على الوزارة وأخرج شاورا منها، وقتل ولده طيّا، والخليفة يومئذ العاضد لدين الله أبو محمد عبد الله بن يوسف ابن أبى الميمون عبد المجيد [٨٤] الحافظ لدين الله. والحكم للوزراء، من قهر
_________________
(١) في الأصل: «ظبا».
(٢) في (الروضتين، ج ١، ص ١٢٨): «وعزم».
(٣) في المرجع السابق: «منتحل».
(٤) في نفس المرجع: «ما حازوه».
(٥) في: (الروضتين، ج ١، ص ١٢٨): «عازبة».
(٦) في الأصل: «نصر بن شجاع، وهو خطأ واضح، واسمه بالكامل: «أبو شجاع شاور بن مجير ابن نزار بن عشائر بن شاس السعدى» انظر ترجمته في: (ابن خلكان: الوفيات ج ٢، ص ١٥٦ - ١٦٠).
[ ١ / ١٣٧ ]
بالسيف أخذها، والخلفاء بمصر تحت قهرهم؛ وكان الأمر كذلك من أيام المستنصر بالله معدّ بن الظاهر.
وشرط شاور لنور الدين أنه إن سيّر معه العسكر ليقوى بهم على خصمه ضرغام، وينتزع الوزارة منه، أن يكون لنور الدين حصة من البلاد، ويكون شاور متصرفا تحت أمره ونهيه واختياره، فتردد نور الدين - ﵀ - في إجابته، فتارة يقوى عزمه على ذلك طلبا للزيادة في الملك وليقوى على عدو الدين، فإن لم يكن له - ﵀ - همة إلا جهادهم؛ وتارة يثنى عزمه خوفا على العساكر من خطر الطريق بسبب توسط الفرنج بينه وبين الديار المصرية.
ثم إنه قوى عزمه، وصمم على إجابة شاور إلى ملتمسه، واستخار الله سبحانه في ذلك، فتقدم إلى أسد الدين بالتجهيز للمضى مع شاور، واستصحب معه العساكر، وسارو في صحبته شاور، وسار معهما نور الدين إلى طرف بلاد الإسلام مما يلى بلد الأفرنج في بقية العسكر، ليشغلهم عن التعرض لأسد الدين.
وكان قصارى الفرنج حفظ بلادهم من نور الدين، ثم فارق أسد الدين نور الدين، وسار بمن معه إلى الديار المصرية، وكانت الطريق إذ ذاك شرقى الكرك والشّوبك، على عقبة أيلة (١) إلى صدر (٢) وسويس، ثم إلى البركة (٣) التي على باب القاهرة.
_________________
(١) مدينة على ساحل بحر القلزم وهى المعروفة اليوم باسم العقبة اختصارا. انظر أخبارها في: (ياقوت: معجم البلدان) و(المقريزى: الخطط، ج ١، ص ٢٩٨ - ٣٠٠).
(٢) هكذا ضبطها ياقوت، وقال إنها قلعة خراب بين القاهرة وأيلة.
(٣) هى بركة الجب، وقد عرفها (المقريزى: الخطط، ج ٣، ص ٢٦٥ - ٢٦٧) بقوله: «هذه البركة في الجهة البحرية من القاهرة على نحو بريد منها، عرفت أولا بجب عميرة، ثم قيل لها أرض الجب، وعرفت اليوم ببركة الحجاج من أجل نزول حجاج البر بها عند مسيرهم من القاهرة وعند عودهم. . . إلخ».
[ ١ / ١٣٨ ]
ولما قارب أسد الدين مصر خرج إلى لقائه ناصر الدين أخو الضرغام بعساكر مصر، فلقيهم، فانهزم ناصر الدين وعاد إلى القاهرة مهزوما، ووصل أسد الدين فنزل على القاهرة في أواخر جمادى الأول سنة تسع وخمسين وخمسمائة، فخرج الضرغام من القاهرة سلخ الشهر، فأدرك وقتل عند مشهد السيدة نفيسة بنت الحسن ابن زيد بن الحسن بن على - رضوان الله عليهم -، وبقى مطروحا يومين، ثم حمل ودفن بالقرافة، وقتل أخوه أيضا.
وخلع على شاور خلع الوزارة في مستهل رجب من السنة المذكورة، وأعيد إلى الوزارة وتمكّن منها، وأقام أسد الدين [٨٥] بظاهر القاهرة، وغدر به شاور، ورجع عما كان وافق نور الدين عليه، وأرسل إليه يطلب منه الرجوع إلى الشام، فامتنع أسد الدين، وطلب منه ما وقع الاستقرار عليه، فلم يجبه شاور، فلما رأى أسد الدين إصرار شاور على الغدر، وأرسل نوابه إلى مدينة بلبيس، فتسلموها، وحكم على الأعمال الشرقية، فأرسل شاور حينئذ إلى الفرنج يستمدهم، ويخوفهم من نور الدين إن ملك الديار المصرية ما يطيب لهم معه مقام، وكان الفرنج لما سمعوا بتوجه عساكر نور الدين إلى الديار المصرية قد خافوا خوفا شديدا، وأيقنوا بالهلاك، وأن بلادهم تستأصل، فلما وصلتهم رسل شاور يدعوهم إلى مساعدتهم سروا بذلك، وبادروا إليه.