وفى سنة اثنتين وستين وخمسمائة سيّر الملك العادل نور الدين محمود بن زنكى - رحمة الله عليهما - أسد الدين شيركوه إلى مصر ليملكها، وذلك لما ثبت في نفسه من غدر شاور به ورجوعه عما كان وقع من العهد والاتفاق عليه، وسيّر معه جمعا من الأمراء، فبلغت عدتهم ألفى فارس، وذلك في شهر ربيع الأول من السنة، وسار معه نور الدين إلى أطراف البلاد خوفا من معرة «كذا (٣)» الافرنج.
_________________
(١) أمام هذا اللفظ بالهامش معناه باللغة اللاتينية (captavit occasionem) ويبدو أن كاتبها واحد من المستشرقين الذين قرأوا هذه النسخة بمكتبة جامعة كامبردج.
(٢) في الأصل: «سبا».
(٣) كذا في الأصل، ولا يستقيم بها المعنى، وصيغة (ابن الأثير): «خوفا من حادث يتجدد عليهم فيضعف الاسلام».
[ ١ / ١٤٨ ]
وكان صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن نجم الدين أيوب بن شاذى مع عمه أسد الدين في هذه السفرة؛ وفى ذلك يقول عرقلة (١) الدمشقى يمدح صلاح الدين، وجرى بملكه الفال، والفال موكل بالمنطق:
أقول والأتراك قد أزمعت مصر إلى حرب الأعاريب
ربّ كما ملّكتها يوسف ال صدّيق من أولاد يعقوب
يملّكها في عصرنا يوسف ال صادق من أولاد أيوب
من لم يزل ضرّاب هام العدى حقا، وضرّاب العراقيب
ثم سار أسد الدين - ﵀ - إلى الديار المصرية (وترك بلاد الافرنج عن يمينه فوصل الديار المصرية) (٢)، وعبر النيل عند أطفيح (٣) بالجانب الغربى، ونزل بالبلاد الجيزية، وتصرف في البلاد، وأقام بها نيفا وخمسين يوما.
وأرسل شاور - وزير العاضد - يستنجد بالفرنج، فأتوه على الصعب والذلول، وحملهم على ذلك أمران: أحدهما الطمع في تملك الديار المصرية، والثانى الخوف من تملك العساكر النورية لها؛ وعلموا أنه إن ملكها نور الدين - ﵀ - واستضافها إلى [٩٢] البلاد الشامية لم يبق لهم بالبيت المقدس والشام مقام، وأنه يستأصلهم وتصير بلادهم في وسط بلاده؛ ولما وصلوا مصر اجتمعوا بالعساكر المصرية وعبروا إلى الجانب الغربى.
_________________
(١) هو حسان بن نمير الكلبى أبو الندى الشاعر المعروف بعرقلة الدمشقى، كان شيخا خليعا أعور مطبوعا لطيفا ظريفا، اختص بالسلطان صلاح الدين وله فيه مدائحه، توفى سنة ٥٦٧ هـ. انظر: (ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة، ج ٦، ص ٦٤) و(سبط بن الجوزى: مرآة الزمان، ج ٨، ق ١، ص ٢٨٦ - ٢٨٧).
(٢) هذه الجملة كتبت في هامش الأصل وأشير إلى مكانها بالمتن بعلامة.
(٣) اطفيح حاليا قرية من قرى مركز الصف بمديرية الجيزة، وهى مدينة قديمة كانت تسمى في العصر اليونانى «افروديتوبوليس». انظر: (مصلحة المساحة: فهرس مواقع الأمكنة) و(على مبارك: الخطط، ج ٨، ص ٧٧ - ٧٨).
[ ١ / ١٤٩ ]