ولما فرغ عماد الدين من بعلبك سار إلى دمشق، وذلك في ربيع الأول (٢) من هذه [٥١] السنة - أعنى سنة أربع وثلاثين وخمسمائة (٣) - فنزل بالبقاع وسيّر إلى جمال الدين محمد يبذل له بلدا يقترحه ليسلم إليه دمشق، فلم يجبه إلى ذلك، فرحل [عماد الدين] إلى دمشق، ونزل داريا ثالث عشر ربيع الأول (٤)، والتقت الطلائع واقتتلوا، فكان الظفر لعماد الدين، فانهزم الدمشقيون وأخذهم السيف، وقتل جمع كثير، ثم تقدم عماد الدين زنكى إلى المصلى، فنزل هناك، ولقيه جند دمشق وأحداثها ورجّالة الغوطة، فقاتلوه، فانهزموا، وقتل منهم وأسر وجرح جماعة، وأشرف البلد ذلك اليوم على التسليم، فأمسك عماد الدين عن القتال عدة (٥) أيام وراسل جمال الدين صاحب دمشق، وبذل له بعلبك وحمص وغيرهما مما يختار من البلاد، فامتنع أصحابه من ذلك، وخوّفوه عاقبة غدره كما فعل بأهل بعلبك؛ ثم عاود [عماد الدين] الزحف، واستمر القتال والحصار إلى شعبان من هذه السنة.
ولما كانت ليلة الجمعة ثامن شعبان توفى جمال الدين محمد بن بورى صاحب دمشق - وعماد الدين محاصر البلد - فأجلس في الملك بعده ولده الأمير مجير الدين آبق (٦) بن محمد - وهو آخر ملوك دمشق من بيت طغتكين -، وقام بتدبير
_________________
(١) هذا العنوان غير موجود في س، وإنما مكانه هناك هذان اللفظان: (قال الراوى).
(٢) في س: «ربيع الآخر»، أما ابن الأثير فمتفق مع المتن هنا.
(٣) لم ينص على السنة في س.
(٤) كذا في الأصل وفى ابن الأثير، وفى ابن القلانسى: «ربيع الآخر».
(٥) في س «مدة»، وفى (ابن الأثير، ج ١١، ص ٢٨): «عشرة».
(٦) في الأصل: «اتق»، وقد صحح الاسم بعد مراجعة: (ابن القلانسى، ص ٢٧١) و(ابن الأثير ج ١١، ص ٢٨) و(Zambaur،Op .Cit . P. ٣٠) .
[ ١ / ٨٧ ]
دولته معين الدين أنر، فطمع عماد الدين في البلد وزحف إليه زحفا شديدا ظنا منه أنه ربما يقع بين المقدمين والأمراء اختلاف، فيملك البلد، فخاب أمله، وراسل (١) معين الدين الفرنج، واستدعاهم إلى نصرته، وبذل لهم بذولا، ومن جملتها أنه يحصر بانياس ويأخذها ويسلمها إليهم، وخوّفهم من عماد الدين أنه إن ملك دمشق يملك البيت المقدس، ولا يترك لهم بلدا بالساحل؛ فأجمع (٢) الفرنج وعزموا على المسير إلى دمشق ليجتمعوا مع صاحبها على قتال عماد الدين زنكى، وعلم عماد الدين ذلك، فسار عماد الدين إلى حوران - خامس رمضان - عازما على لقاء الفرنج قبل أن يجتمعوا مع الدمشقيين على قتاله، فلما سمع (٢) الفرنج خبره لم يفارقوا بلادهم، فعاد عماد الدين إلى حصر دمشق، فنزل بعذرا (٣)، وذلك سادس (٤) شوال من هذه السنة، وأحرق عدة قرى من المرج [٥٢] والغوطة، ورحل عائدا إلى بلاده، ووصل الفرنج إلى دمشق، واجتمعوا بصاحبها.
وسار معين الدين بعسكر دمشق إلى بانياس - وهى في طاعة عماد الدين - ليحصرها ويسلمها إلى الفرنج، وكان صاحبها قد جمع جمعا، وسار إلى صور للغارة على بلده (٥)، فصادفه صاحب أنطاكية وهو قاصد إلى دمشق نجدة لصاحبها
_________________
(١) كان رسول معين الدين إلى الفرنج هو أسامة بن منقذ الشاعر المعروف، أرسله إلى فولك الخامس ملك بيت المقدس (١١٣١ - ١١٤٢)، وقد تقدم هذا الملك وحده أول الأمر لمساعدة معين الدين والدماشقة، فلما هزموا انضم إليهم ريمون صاحب أنطاكية وجوسلين الثانى صاحب الرها. أنظر: (حسن حبشى: نور الدين والصليبيون، ص ٢٩ - ٣٢، وما به من مراجع).
(٢) في س (٨ ا): «فاجتمعوا» و«سمعوا».
(٣) ذكر (ابن الأثير، ج ١١، ص ٢٨) أنها شمال دمشق.
(٤) كذا في الأصل وفى ابن الأثير، وفى (ابن القلانسى، ص ٢٧٢): «يوم الأربعاء لست بقين من شوال»
(٥) في الأصل، وفى س: «بلدها»، وهذا خطأ يعكس المعنى، وقد صحح بعد مراجعة (ابن الأثير، ج ١١، ص ٢٨) ونصه هناك واضح مفهوم وهو: (وكان واليها - أي والى بانياس - قد سار قبل ذلك منها بجمعة إلى مدينة صور للاغارة على بلاده).
[ ١ / ٨٨ ]
على عماد الدين، فاقتتلا، فانهزم المسلمون، وأخذ صاحب (١) بانياس، فقتل من قتل، ونجا من نجا إلى بانياس (٢)؛ وجمعوا جمعا كثيرا من أهل البقاع، وحفظوا القلعة، فثار لها (٣) معين الدين - ومعه الفرنج - فتسلمها وسلّمها للفرنج، ولما سمع عماد الدين حصر بانياس عاد إلى بعلبك ليدفع عن بانياس من يحصرها، فأقام فيها.
فلما عاد عسكر دمشق - بعد ملك بانياس وتسليمها للفرنج - فرّق عماد الدين عسكره في الإغارة على حوران وأعمال دمشق، وسار جريدة، فنزل على دمشق سحرا (٤)، ولم يعلم به أحد، فلما أصبح الناس ورأوا عسكره، خافوا وارتج البلد، واجتمع العسكر والعامة على السور، وفتحت الأبواب، وخرج أهل البلد إليه، وقاتلوه، فلم يكن الأمير عماد الدين عسكره من الإقدام عليهم، لغيبة أكثر عسكره في الإغارة وتفرقهم.
ثم توجه عماد الدين إلى مرج راهط، وقد أقام ينتظر عود عسكره، فعادوا إليه وقد ملؤوا أيديهم من الغنائم، فلما اجتمعوا عنده رحل عائدا إلى بلاده (٥).
وفى سنة خمس (٦) وثلاثين وخمسمائة جرت وقعة بين عماد الدين والأمير ركن الدين داوود بن سقمان بن أرتق - صاحب حصن كيفا - فانهزم ركن الدين، وملك عماد الدين بهمرد (٧)، وأدركه الشتاء فعاد إلى الموصل.
_________________
(١) كان صاحب بانياس هو (إبراهيم بن طرغت)، انظر: (ابن القلانسى، ص ٢٧٢).
(٢) في س (٨ ا): «فقتل جميع من نجا إلى بانياس».
(٣) في س (٨ ا): «فنادى معين الدين».
(٤) في الأصل: «سجر»، وفى س (٨ ا): «سحر»، والتصحيح عن: (ابن الأثير ج ١١، ص ٢٩).
(٥) المعنى متفق في الفصول السابقة بين النص هنا وبين الأثير، ولكن المؤرخين - كما سبق أن ذكرنا - يختلفان إيجازا وإطنابا، تقديما للحوادث وتأخيرا لها.
(٦) في الأصل، وفى س (٨ ب): «خمسة» والصحيح ما أثبتناه.
(٧) كذا في الأصل، وهى في س (٨ ب): «بهرد» وفى (ابن الأثير، ج ١١، ص ٣٠): «بهمود».
[ ١ / ٨٩ ]
وفى سنة ست وثلاثين وخمسمائة ملك عماد الدين الحديثة، ونقل من كان بها [من آل مهراش] (١) إلى الموصل، ورتّب أصحابه بها.
وفى هذه السنة خطب لعماد الدين بآمد، وصار صاحبها في طاعته، وكان قبل ذلك موافقا لركن الدين داوود - صاحب الحصن - على عماد الدين، فلما رأى قوة عماد الدين صار معه.
وفيها أغار عسكر عماد الدين - المقيمون بحلب - على بلد الفرنج [٥٣] فنهبوا وظفروا بسرية للفرنج، فقتلوا منهم نحو سبعمائة رجل (٢).
وفى سنة سبع وثلاثين وخمسمائة ملك عماد الدين قلاع الهكاريّة، وقد ذكرناه لتعلقه بما كان قبله.