وكان أسد الدين شيركوه قد سار بالعساكر في الصعيد إلى أن بلغ إلى مكان يعرف بالبابين (١)، فسارت الفرنج والمصريون خلفه، فأدركوه به في الخامس والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة؛ وكانت جواسيسه قد أخبروه بكثرة عدد الفرنج والمصريين وقوتهم؛ فجمع أصحابه واستشارهم، فكلهم أشاروا عليه بعبور بحر النيل إلى الجانب الشرقى والعود إلى الشام، وقالوا: «إن نحن انهزمنا فإلى من نلتجئ وبمن نحتمى، وكل من في هذه الديار من جندى وفلاح عدو لنا». فقام أمير من مماليك نور الدين يقال له شرف الدين برغش - صاحب الشقيف - وكان شجاعا وقال: «من يخاف القتل والأسر فلا يخدم الملوك، بل يكون في بيته مع امرأته، والله لئن عدنا إلى نور الدين من غير غلبة وبلاء نعذر فيه ليأخذن أموالنا وما معنا من الإقطاع (٢) والجامكية (٣)، وليعودن علينا بجميع ما أخذناه منه من يوم خدمناه وإلى يومنا هذا، ويقول: تأخذون أموال المسلمين وتفرون عن عدوهم، وتسلمون مثل مصر إلى الكفار». فقال أسد الدين: «هذا الرأى، وبه أعمل».
وقال ابن أخيه صلاح الدين يوسف ابن أيوب مثله؛ وكثر الموافقون، واجتمعت الكلمة على القتال، وأقاموا بمكانهم حتى وصل الفرنج والمصريون وهم على تعبيتهم، فجعل أسد الدين الأثقال في القلب، لا ليتكثر بها لأنه لا يمكنه تركها في مكان آخر خوفا من أن تنهب؛ وجعل صلاح الدين في القلب وقال له ولمن معه: «إن المصريين والفرنج يجعلون حملتهم على القلب، فإذا حملوا عليكم
_________________
(١) قرية كانت تقع جنوب مدينة المنيا.
(٢) هذا نص قيم له فائدته عند دراسة نظام الاقطاع في عهد نور الدين وعند الأتابكة عموما.
(٣) الجامكية - والجمع جامكيات وجوامك - الراتب. انظر: (Dozy: Supp .Dict .Arab) .
[ ١ / ١٥٠ ]
فلا تصدقوهم القتال، ولا تهلكوا أنفسكم، واندفعوا من بين أيديهم، فإذا عادوا عنكم فارجعوا في أعقابهم»؛ واختار هو من شجعان عسكره جمعا يثق بهم، ويعرف [٩٣] صبرهم في الحرب، ووقف بهم في الميمنة، فما اصطفوا للحرب، حمل الفرنج على القلب، فقاتلهم من به قتالا يسيرا، ثم انهزموا بين أيديهم غير متفرقين، وتبعهم الفرنج، وحينئذ حمل أسد الدين بمن معه على من تخلّف من الذين حملوا من المسلمين والفرنج - الفارس والراجل - فهزمهم، ووضع السيف فيهم، وأثخن وأكثر من القتل والأسر.
فلما عاد الفرنج من أثر المنهزمين، ورأوا عسكرهم مهزوما، والأرض منهم قفرا انهزموا أيضا، ونصر الله المسلمين.