قد ذكرنا خلع السلطان مسعود للراشد بالله، وإقامة المقتفى لأمر الله للخلافة، ولما تولى الخلافة أحسن السيرة ولم يتعرض لمحاربة أحد، ولا لتجنيد أجناد، حسب ما اشترطه السلطان مسعود عليه، ثم راسله السلطان ليتصل بأخته فاطمة بنت محمد بن ملكشاه، فأجابه إلى ذلك، وعقد العقد بدار الخلافة على صداق مبلغه مائة ألف دينار، ثم حملت الجهة من همذان إلى بغداد، وصحبتها قاضى القضاة،
_________________
(١) في الأصل: «تشفعوا» والتصحيح عن: (ابن الأثير، ج ١١، ص ٩٥).
(٢) انظر ترجمته في: (ابن الجوزى: المنتظم، ج ١٠، ص ١٩٧) و(ابن الأثير: الكامل، ج ١١، ص ٩٦) و(سبط ابن الجوزى: مرآة الزمان، ج ٨، ق ١، ص ٢٣٤ - ٢٣٥) و(ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة، ج ٥، ص ٣٣٢) و(السيوطى: تاريخ الخلفاء، ص ٢٩٠ - ٢٩٣).
[ ١ / ١٣١ ]
واستوزر المقتفى يحيى بن هبيرة، فأقام حشمة الدولة؛ ثم توفى السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه بباب همذان يوم الأربعاء تاسع عشر جمادى الآخرة سنة سبع وأربعين وخمسمائة، فاضطربت الدولة السلجوقية بموته، وكثر الخلف بين ملوكها، فحينئذ تفرد الخليفة المقتفى لأمر الله بأمر العراق، وطرد عنه نواب السلجوقية، وبنى سور بغداد، وجنّد الجنود، وجمع العساكر، وقام وزيره [٨٠] عون الدين أبو المظفر يحيى بن هبيرة بأعباء مملكته حق القيام، فقصد بغداد السلطان محمد شاه ابن محمود بن ملكشاه طالبا من الخليفة أن يخطب له بالسلطنة، فامتنع الخليفة من ذلك فجمع السلطان الجموع من الأطراف، واستعان بالأمير قطب الدين مودود ابن عماد الدين زنكى - صاحب الموصل -، فسير إليه عسكرا مقدمهم زين الدين على كوجك بن بكتكين صاحب إربل، فنازل السلطان محمد شاه بغداد من يوم السبت ثانى عشر المحرم سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة إلى يوم الاثنين ثالث عشر ربيع الأول من هذه السنة؛ ونصب على بغداد المنجنيقات والسلالم، فلم ينل غرضا، وظهر من الخليفة المقتفى لأمر الله من الشجاعة والثبات وبذل العطاء مالا مزيد عليه، ولما طال الحصار ولم ينل السلطان محمد شاه غرضا رحل عن بغداد خائبا، واتفقت وفاة السلطان سنجر بن ملكشاه - عم القوم - صاحب خراسان، وكانت الخطبة مستمرة له ببغداد، فقوى أمر الخليفة بالعراق، وقامت حشمة الدولة العباسية، ورجعت إلى أحسن ما كانت عليه؛ وكان المقتفى لأمر الله فاضلا حسن العقيدة، وله شعر حسن من جملته:
قالت أحبك، قلت: كاذبة، غرّى بذا من ليس ينتقد
لو قلت لى: أشناك، قلت: أجل، الشيخ ليس يحبه أحد
[ ١ / ١٣٢ ]
وروى أنه وقف يوما على ظاهر مشهد على بن أبى طالب - ﵁ - بالنجف، وكان قد عزم على الدخول إليه لزيارته، فمنعه وزيره عون الدين بن هبيرة (١) من ذلك، وصدفه عنه بأقوال قالها له، فتمثل المقتفى بأبيات منجم بن نويرة، وأشار إلى جهة القبر، وهو واقف خارج سور المشهد:
لقد لامنى عند القبور على البكا رفيقى لتذراف (٢) الدموع السوافك
وقال: أتبكى كلّ قبر رأيته لقبر نوى بين اللوى (٣) فالدّكادك؟
أمن أجل ميت واحد أنت نائح على كل قبر أو على كل هالك
فقلت له: إن الأسى يبعث الأسى، ذرونى، فهذا كله قبر مالك
ثم قال مشيرا بأصبعه إلى القبر: «السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، [٨١] اللهم أنت قلت وقولك الحق: «وأتوا البيوت من أبوابها»، وهذا باب من أبوابك، اللهم فاغفر لى به كل خطية، واقض لى به كل حاجة، وأكفنى ببركة كل منهم، رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت»، وانصرف. وكانت وفاة المقتفى لأمر الله يوم الأحد ثانى ربيع الأول سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وكانت مدة خلافته أربعا وعشرين سنة، وثلاثة أشهر، واثنين (٤) وعشرين يوما؛ وعمره ست وستون سنة.
_________________
(١) هو عون الدين أبو المظفر يحيى بن هبيرة، توفى سنة ٥٦٠؛ انظر ترجمته في: (ابن طباطبا: الفخرى، ص ٢٧٦ - ٢٧٩)
(٢) في الأصل: «بتذراف».
(٣) في الأصل: «بين الثرى والدكادك».
(٤) في (ابن الأثير، ج ١١، ص ٩٦) و(ابن الجوزى: المرجع السابق): «وستة عشر يوما».
[ ١ / ١٣٣ ]