فبيناهم يجدّون في حصار بلبيس إذ أتاهم الجند بكثرة الفرنج على حارم، وتملك [٨٦] نور الدين لها، ومسيره بعد ذلك إلى بانياس لأخذها، فعظم ذلك عليهم، وخافوا على البلاد فراسلوا أسد الدين في الصلح وتسليم ما أخذه من البلاد إلى المصريين، ففعل ذلك، لأن الأقوات قلّت عليه، وعلم عجزه عن مقاومة الفريقين؛ فصالحهم، وخرج من بلبيس في ذى الحجة من هذه السنة، فذكر من شجاعته وشهامته التي لم يسمع بمثلها أن أصحابه خرجوا بين يديه، وخرج خلفهم وبيده لتّ (١) حديد، وهو يحمى ساقتهم، والمسلمون من المصريين، والفرنج، ينظرون إليه ويتعجبون منه، فأتاه إفرنجى من الغربا (٢)، وقال: «أما تخاف
_________________
(١) لفظ فارسى، وجمعه «لتوت»، ومعناه القدوم أو الفأس الكبيرة. انظر: (محيط المحيط) و(Dozy: Supp .Dict .Arab) .
(٢) يقصد أنه افرنجى من الوافدين من أورباء لا من الفرنج المستقرين في الشام.
[ ١ / ١٤٠ ]
أن يغدر بك هؤلاء المصريون والفرنج، وقد أحاطوا بك وبأصحابك، فلا يبقى منكم بقية». فقال أسد الدين: «ليتهم، لو فعلوا حتى كنت ترى ما أفعل، كنت والله أضع فيهم السيف، فلا يقتل منا رجل حتى يقتل رجلا، وحينئذ يقصدهم نور الدين وقد ضعفوا وفنيت شجعانهم، فيملك بلادهم، ويهلك من بقى منهم، والله لو أطاعونى هؤلاء لخرجت إليكم أول يوم، ولكنهم امتنعوا»، فصلّب الفرنجى على وجهه وقال: «كنا نعجب من فرنج هذه البلاد ومبالغتهم في وصفك وخوفهم منك، والآن فقد عذرناهم».
ثم سار أسد الدين إلى الشام سالما، وكان الفرنج قد وضعوا له في الطريق رصدا ليأخذوه، فعلم بذلك، فعاد عن تلك الطريق، ففى ذلك يقول عمارة يمدحه من قصيدة: أخذتم على الإفرنج كلّ ثنيّة وقلتم لأيدى الخيل مرّى على مرّى
لئن نصبوا في البرّ جسرا فإنّكم عبرتم ببحر من حديد على الجسر (١)
ووصل أسد الدين إلى نور الدين، وفى عود الوزارة إلى شاور بعد عزله عنها يقول عمارة بن على اليمنى، يمدحه من قصيدة:
فنصرت في الأولى بضرب (٢) زلزل ال ـلأقدام، وهى شديدة الإقدام
ونصرت في الأخرى بضرب صادق أضحى يطير به غراب الهام
[٨٧] أدركت ثأرا، وارتجعت وزارة نزعا بسيفك من يدى ضرغام
وفى حصار بلبيس والانتصار على أسد الدين شيركوه، يقول عمارة من قصيدة يمدح بها العاضد ووزيرة شاور أولها:
إنّ السعادة قد أظل زمانها وافترّ عن ثغر الهنا ألوانها
_________________
(١) ورد هذان البيتان في: (عمارة: النكت العصرية في أخبار الوزراء المصرية، ج ١، ص ٨٠).
(٢) في (المرجع السابق، ص ٨٩): «برعب». وهناك أبيات كثيرة أخرى هى بقية القصيدة.
[ ١ / ١٤١ ]
وافاك أول عامها بمسرّة لا الفطر أهداها ولا رمضانها
مجدا بنى عبد المجيد فإنكم من دوحة نبويّة أغصانها
كم آية رويت، لكم أسرارها آل الوصىّ، وللورى إعلانها
وهب الخلافة شاركوكم في اسمها أو ليس فرّق بينكم فرقانها
فكأنما تأويلكم أرواحها وكأنما تفسيركم أبدانها
نطقت بآية نصركم من شيركوه (١) سير يزيد على السماع عيانها
أخبرتمونا عنه قبل مجيئه أخبار صدق صحّ عنه بيانها
وكأنّ علم الحادثات (٢) وديعة مخزونة، وصدوركم خزّانها
تأتى الأمور وقد سطرتم ذكرها فيكون بعد حديثكم حدثانها
ومنها (٣) في مدح شاور:
ولقد دفعت إلى ثلاث (٤) نوائب كادت تشيب لهولها ولدانها
فعصابة غزيّة غادرتها وأجلّ ما ترجوه منك أمانها
وعصابة روميّة عاشرتها فتأدّبت وتهذّبت أذهانها
وعصابة مصريّة بك (٥) أصبحت فوق البريّة راجحا ميزانها
خلّصت كلّ قبيلة من ضدّها لما التوت وتعقدت عقدانها (٦)
أشبهت نوحا مدة وهداية في أمة متزايد طغيانها
_________________
(١) في الأصل: «في شيركو» والتصحيح عن: (ديوان عمارة، ص ٣٦٨).
(٢) في الديوان: «الكائنات».
(٣) بهذا اللفظ يتقابل النص مرة أخرى مع نسخة س في أول (ص ٢٧ ا).
(٤) في س (ص ٢٧ ا): «سكـ» بدون نقط والتصحيح عن: (ديوان عمارة، ص ٣٦٩).
(٥) في س (ص ٢٧ ا) «لك».
(٦) في: (عمارة: النكت العصرية، ج ١، ص ٨٣): «اشطانها».
[ ١ / ١٤٢ ]
وتداركت بلبيس منك عواطف يسع الزمان وأهله غفرانها
[٨٨] أقسمت لولا حسن رأيك لاغتدى ال ـناقوس في بلبيس وهو أذانها
بلد لو انهدمت قواعد سوره (١) بيد النصارى لم يعد بنيانها
ومنها في عود الوزارة إليه:
كانت وزارتك القديمة مشرعا صفوا، ولكن كدّرت غدرانها
غصبت رجال تاجه وسريره من بعد ما سجدت له تيجانها
أخلى لهم (٢) دست الوزارة عالما أن سوف ينزغ بينهم شيطانها (٢)
قد كان أودع (٣) في الرقاب صنائعا كفرت به، فأبادها (٤) كفرانها