كان حسن الصورة، أسمر اللون، حسن العينين، قد وخطه الشيب، وكان عمره قد زاد على ستين سنة، وكان صارما حازما شجاعا شهما مقداما، عظيم الهمة أبىّ النفس، قد خافه الملوك، وارتاع لذكره أصحاب الأطراف، وكان الخليفة والسلطان يجاور بلادهما بلاده، وكان يجاوره ابن سكمان صاحب خلاط، وداود ابن سقمان صاحب حصن كيفا، وصاحب آمد، وصاحب ماردين، والفرنج، وصاحب دمشق، وقد أحاطت هذه الممالك بمملكته من سائر جهاتها، ومع هذا مرة يقصد هذا، ومرة يأخذ من هذا، ومرة يصانع هذا إلى أن ملك من كل من (٣) يليه طرفا، وكان الكل يتقونه ويدارونه، ويخافون منه، وكان شديد الهيبة على رعيته وعساكره، عظيم الهيبة في صدورهم حسن السياسة، لا يقدر القوى على ظلم
_________________
(١) نص (ابن الأثير: الكامل، ج ١١، ص ٤٢) وهو الذى ينقل عنه هنا: «فوقعت» وهى أكثر اتساقا مع المعنى.
(٢) هنا يلتقى النص مرة أخرى مع نسخة س، وإنما في ص (١٠٨ ا) من تلك النسخة.
(٣) في الأصل: «في كل ممن يليه» ولا يستقيم بها المعنى، والتصحيح عن (ابن الأثير: الكامل، ج ١١، ص ٤٢).
[ ١ / ١٠٠ ]
الضعيف، وكانت البلاد [٥٩] خرابا قبل أن يملكها فعمّها العدل (١)، وعمرت لما ملكها، وقد ذكر أنه كان عنده في مبدأ أمره ظلم، فسمع ليلة وهو نازل بحماة شخصا يغنى على شط العاصى:
«اعدلوا ما دام أمركم نافذا في النفع والضرر
واحفظوا أيام دولتكم إنكم منها على خطر»
فبكى وتبدلت نيته في الظلم، وأخذ نفسه من حينئذ بالعدل.
ومما يحكى عنه: أنه دخل مرة الجزيرة في الشتاء، ومعه أمير من أكبر أمرائه يقال له عز الدين الدبيسى (٢)، كان من جملة إقطاعه مدينة دقوقا (٣)، فنزل في دار إنسان يهودى من أهل الجزيرة، فاستغاث [اليهودى] إلى عماد الدين، وأنهى حاله إليه، فنظر إلى الدبيسى، فتأخر ودخل البلد وأخرج بركه (٤) وخيامه، قال الحاكى لهذه الحكاية «فلقد رأيت غلمانه ينصبون خيامه في الوحل، وقد جعلوا على الأرض تبنا يقيهم (٥) الطين، وخرج فنزلها».
وكان [عماد الدين] ينهى أصحابه عن اقتناء الأملاك، ويقول: «مهما كانت البلاد لنا فأى حاجة لكم إلى الأملاك؟ فإن الإقطاعات تغنى عنها، وإن خرجت البلاد عن أيدينا فإن الأملاك تذهب معها، ومتى صارت الأملاك لأصحاب السلطان ظلموا الرعية، وتعدّوا عليهم، وغصبوهم أملاكهم».
_________________
(١) في س (ص ١٠٨ ا): «فلما ملكها عمها بالعدل، وعمرت لما ملكها».
(٢) في الأصل: «الديسنى»، وهى كذلك في س (١٠٨ ا) وإنما بدون نقط، وقد ضبط الاسم بعد مراجعة مصدر هذه القصة وهو (ابن الأثير، ج ١١، ص ٤٢).
(٣) هكذا ضبطها ياقوت، ويقال لها أيضا «دقوقاء»، وهى مدينة بين إربل وبغداد.
(٤) البرك المتاع الخاص من ثياب وقماش. انظر (Dozy: Supp Dict .Arab) .
(٥) في الأصل: «يقيها» والتصحيح عن ابن الأثير.
[ ١ / ١٠١ ]
وكان شديد العناية بأخبار الأطراف وما يجرى لأصحابها حتى في خلواتهم، وكان له في دركاة (١) السلطان من يطالعه ويكتب إليه بكل ما يفعله السلطان في ليله ونهاره من حرب وسلم وهزل وجد، وكان يغرم على ذلك الأموال الجليلة، وكان يصل (٢) إليه كل يوم من عيونه عدة قاصدين، وكان مع اشتغاله بالأمور الكبار من أمور الدولة لا يهمل الاطلاع على الصغير، وكان يقول: «إذا لم يعرف الصغير ليمنع صار كبيرا»، وكان لا يمكّن رسول ملك يعبر في بلاده بغير إذنه، وإذا استأذنه رسول في العبور في بلاده أذن له، وأرسل إليه من يسيّره، ولا يتركه يجتمع بأحد [٦٠] من الرعيّة ولا غيرهم، فكان الرسول يدخل بلاد ويخرج منها ولا يعلم من أحوالها شيئا البتة.
وكان يتعهد أصحابه ويمتحنهم، فسلّم يوما خشكنانكه (٣) إلى طشت دار (٤) له، وقال: «إحفظ هذه». فبقى نحو سنة لا تفارقه الخشكنانكه خوفا أن يطلبها منه، فلما كان بعد ذلك، قال له: «أين الخشكنانكه؟» فأخرجها من منديل وقدّمها
_________________
(١) دركاه - والجمع دركاوت - من أصل فارسى «دركاء» وقد عرفها (Dozy: Supp. Dict .Arab) بأنها: الساحة أمام قصر السلطان أو الدهليز أو الرواق أو المدخل (Coar devant un palais،vestibule،portique،porte،etc).
(٢) في س (١٠٨ ب): «وكان ينهى إليه».
(٣) خشكنانك أو خشكنانج من أصل فارسى، نوع من الأطعمة عرفه (Dozy: Supp. Dict .Arab) بأنه نوع من الفطير المصنوع من الزبد والسكر والجوز أو الفستق، ويكون على هيئة الهلال. أنظر أيضا: (الجواليقى: المعرب، ص ١٣٤) و(الجاحظ: البخلاء، طبعة الدكتور طه الحاجرى، ص ١١٠ و٣٣٣).
(٤) الطشت لفظ عامى، وصوابه الطست، وهو معرب عن اللفظ الفارسى «تست» والطشت دار أحد الغلمان المشرفين على الطشت خاناه، وهى كما عرف (القلقشندى: صبح الأعشى، ج ٤، ص ١٠ - ١١) «بيت الطشت، سميت بذلك لأن فيها يكون الطشت الذى تغسل فيه الأيدى، والطشت الذى يغسل فيه القماش السلطانى. . . وفيه ما يلبسه السلطان من الكلوته والأقبية وسائر الثياب، والسيف والخف والسرموزة. . . الخ» أنظر أيضا: (نفس المرجع، ج ٥، ص ٤٦٩) و(محيط المحيط).
[ ١ / ١٠٢ ]
بين يديه؛ فاستحسن ذلك منه، وقال: «مثلك ينبغى أن يكون مستحفظا بحصن»، وأمر له بدزدارية قلعة كواشى (١)، فبقى فيها إلى أن قتل عماد الدين.
وكان لا يمكّن أحدا (٢) من خدمه من مفارقة بلاده ويقول: «إن البلاد كبستان عليه سياج، فمن هو خارج السياج يهاب الدخول، فإذا خرج منها من يدل على عورتها ويطمع العدو فيها زالت الهيبة، وتطرّقت (٣) الخصوم إليها».
ومن جميل سيرته أنه أسكن الأمير بهاء الدين ياروق التركمانى وأصحابه (٤) بولاية حلب، وأمرهم بجهاد الفرنج، وملّكهم ما استنقذوه من البلاد التي للفرنج، فكانوا يراوحون الفرنج القتال ويغادونهم، وسدّوا ذلك الثغر (٥)، ولم يزالوا على ذلك إلى سنة ستمائة.
وكانت تضرب بشجاعته الأمثال، ومما يحكى عنه: أنه حضر مع الأمير مودود صاحب الموصل - قبل أن يملك - حصار طبرية وهى للفرنج، ووصلت طعنته إلى باب البلد وأثرّت فيه؛ وحمل أيضا على قلعة عقر الحميدية (٦)، وهى على جبل عال، فوصلت طعنته إلى سورها.
_________________
(١) هكذا ضبطها ياقوت، وقال إنها قلعة حصينه في الجبال التي في شرقى الموصل ليس إليها طريق إلا لراجل واحد، وكانت قديما تسمى «أردمشت» وكواشى اسم لها محدث.
(٢) في الأصل، وفى س (١٠٨ اب): «أحد»، والتصحيح عن: (الروضتين، ج ١، ص ٤٣).
(٣) في س: «تفرقت»، وما هنا أصح، وهو متفق مع ما في الروضتين.
(٤) كذا في الأصل، وفى س، وفى (الروضتين، ج ١، ص ٤٣) جملة توضح من هم هؤلاء الأصحاب وهى: «ومن صائب رأيه وجيده أن سير طائفة من التركمان الايوانية مع الأمير الميارق (؟) إلى الشام، وأسكنهم بولاية حلب. . . إلخ».
(٥) في الأصل: «وشددوا ذلك» وقد صحح بعد مراجعة س (١٠٩ ا) و(الروضتين، ج ١، ص ٤٤).
(٦) ذكر ياقوت أنها قلعة حصينة في جبال الموصل أهلها أكراد وهى شرقى الموصل.
[ ١ / ١٠٣ ]
وكان شديد الغيرة، لا سيما على نساء الأجناد، وكان التعرض إليهن من الذنوب التي لا تغتفر، وكان يقول: «إن جندى لا يفارقونى في أسفارى، وقل ما يقيمون عند أهلهم، فإن نحن لم نمنع من التعرض إلى حرمهم هلكن وفسدن»؛ وكان قد ولّى قلعة الجزيرة دزدارا يقال له نور الدين حسن البربطى (١)، وكان من خواصه، وكان غير مرضى السيرة، فبلغه أنه يتعرض للحرم، فأمر حاجبه صلاح الدين محمد ابن أيوب الياغيسيانى (٢) - صاحب حماة - أن يسير مجدّا، ويدخل الجزيرة بغتة، فإذا دخلها أخذ البربطى وقطع ذكره [٦١] وقلع عينيه، عقوبة له لنظره بهما إلى الحرم، ثم يصلبه؛ فسار صلاح الدين مجدّا، فلم يشعر البربطى (١) به، إلا وهو على باب البلد، فخرج إلى لقائه، فأكرمه صلاح الدين ودخل معه البلد، وقال له: «المولى أتابك يسلم عليك، ويريد أن يعلى قدرك ويرفع منزلتك، ويسلم إليك قلعة حلب، ويوليك جميع البلاد الشامية، لتكون هناك مثل نصير الدين، فتتجهز (٣) وتحدر مالك في الماء إلى الموصل، وتسير إلى خدمته، ففرح بذلك، ولم يترك له من أمواله شيئا إلا نقله إلى السفن ليحدرها إلى الموصل في دجلة، فحين فرغ من جميع ذلك أخذه صلاح الدين وأمضى فيه ما أمر به، وأخذ جميع ماله، ولم يجسر أحد بعده على أفعاله القبيحة.
_________________
(١) كذا في الأصل وفى (الروضتين، ج ١، ص ٤٤) وهو في س (١٠٩ ا): «البويطى».
(٢) في الأصل: «الباغيسانى»، وفى س (١٠٩ ا): الباغيشانى»، وفى (الروضتين، ج ١، ص ٤٤): «الباغيسالى»، وما هنا عن: (ابن القلانسى: ذيل تاريخ دمشق، ص ٢١٧)، وهو في ذيل تلك الصفحة نقلا عن (الفارقى): «اليغصيانى». أنظر أيضا: (Ibn AL - Qalanisi;Traduction Francaise par: Roger Le Tourneau. PP. ٢٠،٢٣،٤١،١٢٩) انظر أيضا ما فات هنا ص ١٩، هامش ٢.
(٣) في س، وفى الروضتين: «فتجهز». وحدر السفينة يحدرها أرسلها إلى أسفل (اللسان).
[ ١ / ١٠٤ ]
وكان - ﵀ - كثير الصدقات، وكان يتصدق في كل جمعة بمائة دينار أميرى [ظاهرا (١)] ويتصدق فيما عداه من الأيام سرا مع من يثق به، وركب يوما فعثرت به دابته، فكاد يسقط عنها، فاستدعى أميرا كان معه، وقال له كلاما لم يفهمه، ولم يجسر أن يستفهمه عنه، فعاد إلى بيته، وودّع أهله عازما على الهرب، فقالت زوجته: «ما ذنبك وما حملك على الهرب؟» فذكر لها الحال، فقالت له: «إن نصير الدين له بك عناية، فاذكر له قصتك، وافعل ما يأمرك به». فقال: «أخاف أن يمنعنى من الهرب وأهلك». فلم تزل به زوجته تراجعه، وتقوى عزمه إلى أن عرّف نصير الدين حاله، فضحك منه، وقال له: «خذ هذه الصرة الدنانير واحملها إليه، فهى التي أراد». فقال: «الله؛ الله (٢) في دمى ونفسى». فقال: «لا بأس عليك، فإنه ما أراد غير هذه الصرة». فحملها إليه، فحين رآه قال: «أمعك شىء»؟ قال: «نعم»، فأمره أن يتصدق [به]، فلما فرغ من الصدقة، قصد نصير الدين وشكره، وقال: «من أين علمت أنه أراد الصرة؟» فقال: «إنه يتصدق بمثل هذا القدر كل يوم، يرسل إلىّ يأخذه من الليل، وفى يومنا هذا لم يأخذه، ثم بلغنى أن دابته عثرت به حتى كاد يسقط إلى الأرض، فأرسلك إلىّ، فعلمت أنه ذكر الصدقة».
ولقد حكى من هيبته ما هو أشد من هذا: أنه خرج يوما من قلعة الجزيرة [٦٢] من باب السر خلوة وملاّحه نائم، فأيقظه بعض الجاندارية، وقال له: «إقعد». فحين رأى عماد الدين سقط إلى الأرض، فحركوه فوجدوه ميتا.
_________________
(١) ما بين الحاصرتين إضافة عن الروضتين.
(٢) ذكر لفظ الجلالة في الأصل مرة واحدة، ولكنه كرر في س (١٠٩ ب)، وفى (الروضتين، ج ١، ص ٤٤).
[ ١ / ١٠٥ ]
ومن جميل أوصافه وحسنها أنه كان بطئ التلون بعيد التغير، (١) لم يتغير على أحد من أصحابه منذ ملك إلى أن قتل [إلا] بذنب عظيم يوجب التغير (١)، وأن الأمراء الذين كانوا معه أولا [هم الذين] (١) بقوا معه إلى آخر وقت، إلا من اخترمه الموت منهم، ولهذا كانوا ينصحونه ويبذلون نفوسهم له، وكان يخطب الرجال ذوى الهمم العالية، والآراء الصائبة، ويوسّع عليهم في أرزاقهم، فيسهل عليهم فعل الجميل، فلهذا كان إذا قدم إنسان عسكره لم يكن غريبا: إن كان جنديا اشتمل عليه الأجناد وأضافوه، وإن كان صاحب ديوان قصد أهل (٢) الديوان، وإن كان عالما قصد القضاة والفقهاء من أصحابه فيؤانسونه (٣) ويحسنون إليه.